الدرس في كتاب الصيام 2، الدرس الثاني : من : ( أما حِكَمه وأسراره فليس في مقدور ... وليكون الصيام شعار ذلك الشهر الفاضل المميز به ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ معاني الصيام وحكمه، مبينا أهميته في العبادة والتقرب إلى الله. كما يبين دوره في التآلف بين المسلمين وتعليم الصبر.
يتناول المقطع حكم الصيام وأسراره وفوائده الصحية، موضحا دوره في تعليم الصبر وتنقية الجسم. كما يشرح الحديث النبوي حول الصيام قبل رمضان.
يفصل المقطع الأحكام المتعلقة بصيام يوم أو يومين قبل رمضان، مبينا اختلاف الحكم باختلاف النية. كما يوضح آراء أهل العلم حول هذا الموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، مرنا أنا في الدرس الماضي أوائل ما ذكر فيما يتعلق في كتاب الصيام من شرح الشيخ البسام رحمه الله تعالى في كتاب تيسير العلام. وآخر ما وقفنا عليه هو قوله رحمه الله: «قل من أعظم الأمانات». قال رحمه الله تعالى: «أما شأنه وأسراره فليس بمقدور هذه الرسالة المتصرة أن تبين ذلك، وإنه يشير إلى قليل من كثير ليعلم القارئ شيئًا من أسرار الله في شرعه، فيزداد إيمانًا ويقينًا في وقت تزعزعت فيه العقائد وتضعضعت فيه الإيمان، فإن لله وإن إليه راجعون». ويريد بهذا أن يشير إلى أن حكم وأسرار الصيام كثيرة، ولأن هذا الكتاب كتاب قائم على شرح مختصر، فهو لا يستطيع أن يسرد جميع ذلك، فإن المقام سيطول وسيخرج الكتاب عن سياقه وطريقته التي بها صنف هذا الكتاب، وكان مناسبًا أن يبين على ذلك. كما قال رحمه الله: «ليزداد إيمانًا ويقينًا»، أي من يتعلم علل الأحكام، وكذلك على وجه الخصوص في مثل هذا الزمان الذي تزعزعت فيه العقائد. وزعزعت العقائد كانت بسبب جهل الكثير من المسلمين بإسلامهم، وثانيًا بكثرة شبه أهل الكفر والإلحاد والنفاط الذين جعلوا مثل هذه الأحكام ما هي إلا أثقال وأغلال ينبغي للإنسان الحضارة أن يتخلى ويبتعد عنها. وفي الحقيقة ما أعلموا أن الإنسان لا يكمل ولا يستقيم حاله إلا بشرع الله وبأحكام الله، فإنما شرع الله من أحكام سواء كانت واجبات أمر بها أو محرمات نهى عنها إلا وكان في ذلك صلاح بهذا الإنسان في دينه وفي دنياه. ولم يأمر الله عز وجل عباده بشيء يقتلهم أو يغللهم، بل أمرهم بما فيه المصالح العاجلة والآجلة لهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قال رحمه الله تعالى: «فمن تلك الحكم السامية عبادة الله والقرب له، ليكون الصائم مقبلًا على الله تعالى خاضعًا بين يديه حينما ينكسر سلطان الشهوة». فإن القوة تغري بالطغيان والبطر، ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى﴾، ومعنى ذلك أن من حكم الصيام وجود العبادة لله رب العالمين، وكلما وجدت العبادة كان العبد على صلة بالله عز وجل، وهذه الصلة هي سر خلق هذا الإنسان. فإن الإنسان في الحقيقة خلق ليكون عبدًا لله عز وجل، فمتى ما وجدت فيه هذا الوصف كمل في خلقته، بينما إذا لم يوجد معنى العبادة فيه نقص في خلقته، فحصل له من النقص ما أوجب له التعب والنصب. وكذلك الشأن، فإن وجود العبادة في حق الإنسان سبب السعادة في أن عبد ربه، وكلما كان العبد في صلة مع ربه فإنه بذلك يحصل له الخير الديني والخير الدنيوي. فمن الخير الديني زيادة إيمانه ويقينه وراحة صدره وطمأنينته، ومن الخير الدنيوي حصول الاعتدال في حياته في كل شيء يعتدل. فمثلًا الصائم إذا اتصل بالله عز وجل في هذه العبادة حصل له آثار يحصل، يحصل له بها الاعتدال دينًا ودنيويًا. فدينًا كما قلنا بحصول المعاني الطيبة من اليقين والتوكل والصلة والاعتماد على الله وغير ذلك، ودنيويًا كذلك من حصول الاعتدال في نعمة الله الذي أنعم الله عز وجل عليه، وكذلك اعتدال صحته وقوته، وفي اعتداله في رحمته ورزقه بإخوانه وغير ذلك من المعاني الحسية الدنيوية الكثيرة. فأول ذلك أنها عبادة لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «فليعلم أنه ضعيف فقير بين يدي الله حينما يرى بعضه وعزته، فينكر في نفسه الكبر والعظمة، فيستهين بربه ويمينه لخلقه». يعني حينما يصوم لله عز وجل يعرف حقارة نفسه وضعفها وأنه إنسان ضعيف، فنقص الطعام والشراب له أورث الأنفة والكبر، وعند ذلك هل ممكن أن يوجد في قلبه كبر أو العجب أو تعاظم أو تعالي؟ الجواب: لا، بل عبادته لربه في الصيام توجد له الانكسار والخضوع والتواضع والذل لله عز وجل واللين والرحمة والرفق بخلق الله سبحانه وتعالى. قال: «ومنها حكم اجتماعية من اجتماعهم على عبادة واحدة، فإن ذلك يورث التآلف والترابط بين المسلمين عمومًا في مشارق الأرض ومغاربها، فإنه يرى بذلك قوة رابطته مع أهل الإيمان، باجتماعه معهم في هذه العبادة». قال: «هذا من حكمة الله أن الله عز وجل شرع عبادات جماعية مثل صلاة الجماعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة الجمعة، مثل كذلك صيام رمضان، مثل حج بيت الله الحرام، مثل العمرة ونحوها من العبادات التي يجتمع الناس فيها جماعات، يجتمعون في مكان واحد أو في زمان واحد أو في زمان ومكان واحد». وفي هذا الاجتماع يحصل فيه من التآلف والتراحم وحسن الخلق والعشرة ما يحصل مصالح كثيرة للمسلمين، من هذه المصالح قوتهم وتآلفهم وترابطهم. قال رحمه الله: «في وقت واحد، وصبرهم جميعًا قويهم وضعيفهم، شريفهم ووضيعهم، غنيهم وفقيرهم على معاناتها وتحملها، مما يزيد ربط قلوبهم وتآلف أرواحهم ولم شملهم». هذا معنى ومقصد من مقاصد ومعاني وحكم الصيام. قال: «وليس شيء من أقوام هذه الإرادة المتينة». قال رحمه الله: «وليس شيء من أقوام هذه الإرادة المتينة التي لن تحكمها أقوى التحايل والمراضب»، التحايل يعني وجود ادعاء ليس له برهان، لكن إذا وجد مثل هذا العمل والتطبيق أورث ذلك وجودًا حقيقيًا للمعاني المعتبرة والصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم. قال: «كما أنه سبب عطف بعضهم على بعض، ورحمة بعضهم بعضًا، حينما يحس الغني ألم الجوع ولذع الضماء، فيتذكر أن أقرانه الفقراء يعانون هذه الآلام دهرهم كله، فيجود عليهم من هذه النعمة بشيء يزيل الضغائن والأحقاد، ويقل محلها المحبة واللين». وذلك حين ينفق الغني على الفقير، فإن طاع الغني على الفقير أولًا كان له سبب من أسبابه حصول الصيام وفرض الصيام، فإن الغني يتذكر نعمة الله عليه، ويعرف حال الكثير من الفقراء الذين لم يتيسر لهم مثل هذه النعمة. فهو سيشبع في آخر النهار وسيجد ما لذ وطاب مما مكنه الله منه، بينما غيره من الفقراء والمساكين لا يتيسر لهم ذلك، فذلك يورث له الرحمة، وكذلك الإحسان للآخرين. كما أن هذا الإحسان يزيل الحقد، وكذلك الحسد وما في النفوس من ضغائن بسبب حصول الإحسان إلى الفقراء من قبل الأغنياء، فإنهم يرون آثار الجود ومعاني الإحسان، فيوجب لهم ذلك المحبة والأنفة. قال: «وبهذا يتم السلم بين الطبقات»، يعني بالسلم أي المسالمة الحسية والمعنوية وحسن العشرة. قال: «ومنها حكم أخلاقية تربوية، فهو يعلم الصبر والتحمل، ويقوي العزيمة والإرادة، ويرمم على ملاقاة الشدائد والذل لها والصعاب وتهوينها». من حكمه كذلك أنه كما قال رحمه الله: «يعلم الصبر والتحمل»، الإنسان الذي لم يعرف الصيام ما يعرف معنى الصبر والتحمل، ولهذا تجد الذي وفقه الله عز وجل مثل هذه العبادة يعرف آثارها في كبح النفس عما تشتهي. بعض الناس على سبيل المثال مولع ببعض المحرمات إما دخان أو كذلك بعض الأشياء الأخرى، ولا يستطيع الإقلاع عنها، لكن إذا وفقه لعبادة الصيام صار الصيام من أعظم العون له في ترك هذا الذي حرم الله، أو كذلك شيء آخر استهوى ولو كان مباحًا أجمنه إجمامًا، لكنه بالصيام يستطيع، وهكذا من باب أولى الشدائد، فإنه بالصيام يربي نفسه على حزم قوية، وكذلك تحمل قوي وصبر واسع. ولذلك من فعل هذا هذا التمرين العملي الذي هو عبادة يتعبد الله عز وجل بها. قال رحمه الله: «ومنها حكم صحية، فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء»، كما قال بعض العلماء: «الدواء ينقسم إلى قسمين: دواء بالحمية، ودواء باستخدام الدواء بعد وقوع الداء». فإن دفع الداء يكون قبل وقوعه بالحمية، ويكون بعد وقوعه بالدواء. قبل وقوعه بالحمية، ومعنى الحمية يعني أن تتخذ الوقاية من المرض. فمثلًا للمعدة أمراض كثيرة، علاج أمراضها بشيئين: الشيء الأول الحمية، يعني لا تفعل الأسباب التي تتعب المعدة، لا تأكل الأكل الكثير، لا تأكل الأكل الضار، لا يكون عندك عبث فيما يدخل إليها، هذا يسمى حمية. وبعد وقوع الداء تستخدم الدواء، هذا نوع آخر من العلاج. إذن الصحة تأتي إلى الجسم بشيئين: بالحمية وهو قبل وقوع الداء، وباستخدام الدواء بعد وقوع الداء وحصول الصيام هو نوع من العلاج، لكن بأي النوعين؟ بالحمية. وذلك كما قال بعض العلماء: «أن الجسم تجتمع فيه خلال السنة سموم وخبائث وآفات، ولا يزيلها شيء وينقي الجسم منها سوى الصيام». فالصيام يزيل هذه السموم ويخرج هذه الآفات، لأن الجسم يستفرغ ما فيه بهذا الصيام. على سبيل المثال: للهضم مثلًا تجتمع في الجسم الدهون، وهذه الدهون التي تجتمع في الجسم هي عبارة عن نوع من السموم التي متى ما زادت أضرت بالإنسان، أضرت به في حركته وصحته، أضرت به في الإتيان له بأمراض كثيرة، منها ربما السكر، منها ربما الضغط، منها ربما كذلك ما يسمى بداء الملوك، ونحو ذلك من الأمراض التي تكون بسبب هذا. بينما إذا اتخذ الحمية - وهو من أحسن ما يستخدم له الصيام - ففي وقت الصيام الجسم يحتاج إلى غذاء، من أين يخرج الغذاء؟ الجهد الذي يأثره الإنسان، من أين يخرجه؟ يخرجه من هذه الشحوم، من هذه الدهون. فيقول: بحال صيامه استفراغ للسموم، استفراغ للسموم من الجسم، وهذا يقول بصحة جسم الإنسان. كما أن في ذلك أسباب أخرى صحية ذكر العلماء، قد ألف الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع العظيم «زاد المعاد في هدي خير العباد». قال رحمه الله تعالى: «ولا بد للمعدة أن تأخذ فترة استراحة واستجمام بعد تعب توالي الطعام عليها واشتباها بإصلاحه». هذه تذكر من الحكم الصحية. كما أن الصيام له كذلك نوع آخر من العلاج، ليس حمية فقط، بل حتى كذلك علاج لبعض الداء، بعض الداء علاجه بماذا؟ بالصيام، بعض الداء علاجه بالصيام. فصار حتى في هذا الزمان وفي الطب الحديث يستخدمون الصيام علاجًا لعدد من الأمراض والأسقام، علاج ليس فقط حمية، بل علاج يعني معناه دواء يجعل دواء وسيلة للشفاء لبعض الأمراض بعد وقوعها. ويكون من ذلك مثلًا بعض أمراض القرحة والالتهابات المعدة، فمن علاجها الصيام، من علاجها الصيام. قال رحمه الله تعالى: «هذه نبذة يسيرة تشير إلى شيء من حكم الله تعالى وأسراره، واستقصاء ما يحيط به العقل البشري يحتاج إلى تصانيف، يحتاج إلى تصانيف مستقلة وطولًا عما لا يعلمه إلا الله تعالى من الأسرار الحكيمة الرشيدة». يعني يقول في ختام هذه الكلمة المنتهية في حق أسرار وحكم الصيام، أن الإحاطة بذلك شيء يصعب ويشق، بل ربما عقل البشر لا يستطيع أن يحيط بذلك كله، ولكن قد يحيط بشيء وهو كثير لا يمكن ذكره في هذا الكتاب، ومع ذلك لو ذكر فإنه لا يكون بذلك قد استكمل كل الحكم والأسرار. فلله عز وجل في من شرع وفرض حكم كثيرة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في عدد من كتبه من تلك الأسرار أسرارًا كثيرة وحكم عظيمة، كما ذكر المؤلف رحمه الله - يعني فيها أسرار هذه العبادة - قال رحمه الله تعالى: «الحديث الرابع والسبعون بعد المئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه». هذا الحديث أورده رحمه الله، وأورده الأسانيد إليه أو أقرب الألفاظ إليه، ورواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قال أبو بكر: حدثنا وكيع عن علي بن مبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين». هكذا لفظ مسلم، «إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه». إلا رجلًا بالرفع «كان يصوم صومًا فليصمه». قال رحمه الله تعالى: «الغريب»، يعني غريب ألفاظ الحديث: «لا تقدموا بفتح التاء، والتاء على حد تاء المفاعلة، لأن أصله لا تتقدموا، وهذا يجوز ومن العلل الصرفية في حذف المفاعلة هو توالي الأمثال، فإذا توالى الأمثال جاز حذف أحد التاءين». حذف أحد التاءين، المهم لذلك نحتاج إلى أن «تقدموا» أصلها «تتقدموا»، ومعنى «ظاهرًا» أي لا تفعل هذا الشيء على وجه التقدم. قال: «المعنى الإجمالي: الشارع الحكيم يريد التمييز بين العبادات والعادات، ويريد أن يميز بين فروض العبادات ونوافلها، ليحصل الفرق بين هذا وذاك». لذا فإنه نهى عن تقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين أو نحو ذلك، ليكون مفطرًا مستعدًا لصيام شهر رمضان، إلا من كان له عادة في صيام يوم الخميس أو الاثنين أو قضاء ما عليه من رمضان الماضي، ومعنى قضاء ما عليه يعني صار وقته ضيقًا لسبب أو لآخر لم يستطع أن يصومه إلا قبل رمضان الكريم بيوم أو بيومين، فلا بأس أن يصوم ما دام أنه يريد أن يصوم ليس لأجل استقبال رمضان وإنما لأجل قضاء ما فات عليه. قال: «أو نذر لزمه كذلك، الندر إذا كان وقته مباحًا ولم يكن مخصصًا لأجل شهر رمضان، فإنه كذلك يجوز له على القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن يصومه ولو كان قبل رمضان بيوم أو يومين». مثل الإنسان نذر أن يصوم من كل شهر آخر كل شهر يومًا، وجل عليه أن يوفي بهذا النذر، مع أن قول على نذر على هذا الوصف مكروه، لأنه أولًا نذر مكروه، ولأنه ثانيًا سيوافق يومًا ورد النهي فيه، وهو ما قبل رمضان بيوم أو يومين. ومع ذلك يجوز له أن يوفي بالنذر على هذا الوصف، لأنه لم يقصد عين اليوم وإنما قصد شيئًا قد اعتاد عليه. قال: «ما ليصمه لأنه تعلق بسببه»، يعني لم يتعلق بعين اليوم المنهي عنه. ما هو عين اليوم المنهي عنه؟ هو تخصيص صيام يوم أو يومين قبل رمضان، هذا هو المنهي عنه. قال: «بخلاف نفل الصيام المطلق، فأقل ما فيه كراهة»، ومن هنا نستفيد أن هذا النهي يتصور له ثلاثة أحوال: الحالة الأولى أن يصوم شيئًا كان قد اعتاده، اعتاد صيامه، فهذا لا حرج في صيامه. مثل إنسان تعود صيام يوم الاثنين والخميس، فوافق آخر يوم من شعبان هو يوم خميس مثلًا، الذي هو معتاد أن يصومه، هل يكره بحقه أن يصومه؟ الجواب: لا، لا يكره. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه»، أو رجل تعود أن يصوم يومًا ويصطر يومًا كما كان يفعل عبد الله بن عمر بن العاص، فوافق ذلك اليوم الذي هو آخر يوم شعبان، هل يجوز أن يصومه؟ الجواب: نعم، يجوز أن يصومه لأنه وافق صومًا كان يصومه «فليصمه». رجل ثالث كذلك عليه قضاء، قضاء أيام وبقيت عليه أيام، ووافق ذلك آخر أيام الشهر من شعبان، هل يصوم؟ نعم يصوم، لأنه وافق صومًا يصومه فيصومه. كذلك رجل عليه نذر، نفس الشيء. الحالة الأولى إذا وافق الصيام لعادة كان يعتادها، فإنه يصومه. الحالة الثانية أن يكون عنده صيام مطلق، عنده صيام مطلق، يعني أراد أن يصوم لله عز وجل، أراد أن يصوم لله عز وجل، ووافق من يتوهم لهذا الصيام أن يكون في آخر شهر شعبان في اليوم الأخير وما قبل الأخير، فهنا نقول له: يكره أن تصوم هذا اليوم، هذا على أقل الأحوال يكره أن تصوم هذا اليوم، لما ورد من نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، لأنك لست ممن استثناك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. استثنى الرسول عليه الصلاة والسلام من كان له صوم يصومه، أنت لست لك صوم تصومه، إنما عرضت الصيام الآن، ليس عندك شيء قديم أنت معتاد عليه، إنما عزمت الآن. قد يحصل لبعض الناس يأتي في قلبه شيء من الإيمان وحب الخير وإرادة في الصيام، ما هو معتاد يصوم الذي نجده يوم الخميس، جاء إلى يوم آخر يوم خميس بشعبان، وافق يوم تسعة وعشرين، يقول: إنه يريد أن يصومه اليوم، اليوم خميس، هل أنت من قبل تصوم يوم الخميس؟ فإذا لا، إذن لا تصوم، ما دمت ما كنت تصوم من قبل، إذن لا تصوم ولو كان يوم خميس، نعم ولو كان يوم خميس، لأنك أنت من قبل ما كنت تصوم. أو رجل يصوم للكنين الخميس، لكن أراد أن يزيد صيام يوم، لو كان في أي يوم من السنة ما حاجة أنهى عن هذا الصيام، لكن لما وافق هذا اليوم المنهي عنه، فإنه لا يصوم لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وأقل ذلك الكراهة، وأقل شيء. الحالة الثالثة أن يقصد تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين على وجه الاحتياط، يتقدم رمضان على وجه الاحتياط، يقول: الناس يختلفون، مرة يقولون: رأينا الهلال، مرة يقولون: ما رأينا الهلال، إذن أنا أحتاط، أتقدم صيام رمضان بيوم أو يومين، هذه الحالة الثالثة هي المحرمة، يحرم تقدم رمضان لصيام يوم أو يومين بهذه النية، وهذا هو قول المحققين من أهل العلم. ولهذا بعضهم حمل هذا الحديث على ظاهره، أن الأصل فيه نهي للتحريم، والأصل فيه للتحريم، ولكن الصحيح: جمعًا بين الروايات أن الحديث مقيد، هذا التخصيص من صام لصوم كان يصومه من قبل، فلا شيء عليه لنص الحديث، ومن صام لشيء أراده دون هذا التخصيص - يعني لم يصم لعادة تعودها، ولا كذلك احتياطًا لشهر رمضان - فإنه يكره بحقه، يكره بحقه. ومن صام لأجل هذه النية فإنه يحرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه النهي عن صيام يوم الشك، وهذا النهي مفسر لهذا النهي الوارد في هذا الحديث، فظاهر أن هذا النهي للتحريم، وما كان دونه ليس حرامًا، وما كان دونه: الحال الأولى فلا كراهة ولا تحريم. قرر رحمه الله ما يؤخذ من الحديث: أولًا: النهي عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، ومر معنا أن هذا النهي للكراهة، ويكون للتحريم متى؟ يكون للتحريم إذا تعمد تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، لأن النهي الخاص الذي يفهم منه معنى التحريم جاء في هذا المعنى. ولهذا فإن الصحيح أنه ليس فقط أنه تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، بل كذلك ولو كان أكثر من ذلك، ولو كان أكثر من ذلك، على القول بصحة الحديث المروي، فقد صحح أو صحح بعض أهل العلم حديثًا جاء من حديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة، وهكذا الإمام أحمد وابن حبان من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان». وهذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم من المعاصرين الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، فبعض العلماء عثروا على هذا الحديث، وقد نقل عن الإمام أحمد المعنيون أنهم قالوا في هذا الحديث: إنه حديث منكر، فعلى صحة هذا الحديث: إذا ليس النهي محصورًا بصيام يوم أو يومين، ولكن النهي يشتد إذا كان يوم أو يومين قبل رمضان، يشتد النهي، وكذلك يدخل في كراهته. قال: الثاني: الرخصة في ذلك لمن صادف قبل رمضان له عادة صيام، كيوم الخميس مثلًا، يعني إذا كان له عادة فلا بأس في ذلك، وقلنا: يدخل كذلك النذر على القول الصحيح، ويدخل كذلك القضاء. قال: «ذلك من شكله»، والله أعلم: «تمييز فرائض العبادات من نوافلها، والاستعداد لرمضان من الشاق»، ورغبة طيبة، هذه الحكمة تذكر بعضها للعلماء، لكن الظاهر والله أعلم أن هذا النهي ليس فقط لأجل تمييز فرائض العبادات ونوافلها، لأنه لو كان كذلك لما رخص لمن كانت له عادة في نفل أن يصوم. واضح لو كان هذا المقصود لما حصلت الرخصة لمن كانت له عادة في صيام نفل أن يصوم، لكن لما صارت الرخصة لمن كان له عادة نفل أن يصوم صومه، دل ذلك أن ليست هذه الحكمة، إنما الحكمة شيء آخر، ما هي الحكمة؟ الحكمة: هو الوقوع في البدعة والتنطع في الدين، هذه هي الحكمة. الوقوع في البدعة والتنطع في الدين، حتى لا يقع المسلم في البدعة ويتنطع في الدين، يخترع من عنده احتياطًا يتقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، يريد الاحتياط، هذا من البدعة ومن التنطع في الدين، فهذا هو الظاهر والله أعلم الحكمة من هذا الحديث. قالوا: «الاستعداد لرمضان من الشاق»، ورغبة كذلك، هذه الحكمة ليست هي عين المقصودة، لأنها لو كانت كذلك لما رخص لمن كان له عادة صيامًا يصمصومه. لو كان هذا مقصودًا إذن ما يرخص لأحد، لكن لما رخص لمن له عادة صيام يصمصومه، لأن هذا ليس هو المقصود. قالوا: «ليكون الصيام شعار ذلك الشهر الفاضل المميز به»، وهذا كذلك يقال: صحيح، لكن على ذاك المعنى أنه لا يتقدم شعب رمضان بيوم أو يومين على وجه الاشتباه، لأن رمضان عند ذلك يختلف، لا يعرف أين أول رمضان وأين آخره. لكن إذا صار يصوم رمضان من أول الشهر بهلاله أو بإتمام العدة ثلاثين، وآخره كذلك، فإنه عند ذلك تميز شهر رمضان، ولا يجوز الصيام قبله شيء ينسف لرمضان احتياطًا، فبهذا المعنى يصح هذا التعليل. ونختم الكلام على هذا الحديث بأربع مسائل تنبه عليها: المسألة الأولى: ما سبق أنه هل يجوز صيام ما قبل اليومين؟ وهذه مسألة خلافية مبنية على صحة الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فإن بعض أهل العلم صرح في هذا الحديث بأن فيه دليلًا على جواز تقدم رمضان بصيام ما دون هذين اليومين، يعني يجوز أن تصوم ما قبل رمضان بخمسة أيام ولو كان ليس عادة لك، يجوز أن تصوم ما قبل رمضان بخمسة أيام، أما ما قبل رمضان بيومين فلا، هكذا قال بعض أهل العلم، وهذا مبني - قلنا - على ضعف رواية هذا الحديث، والأحوط لأن جماعة من أهل العلم صححوا هذا الحديث، ولأن هذه المسألة قد توجد كذلك عند بعض الناس أن لا يخص شعبان أي النصف الآخر منه بشيء من الصيام. والمسألة الثانية من المسائل: أن بعض أهل العلم قاس النهي عن تقدم رمضان بصيام أنه كذلك لا يلحق رمضان بصيام، وعلى هذا بنى أنه لا يجوز صيام اليوم الثاني من شوال، لا يجوز صيام اليوم الثاني من شوال وما بعده، قياسًا على النهي عن صيام ما قبل رمضان. قال: «لأن ما كان عل هنا كان عل هنا»، يعني في شوال، وهذا القياس ليس صحيحًا، لأنه النهي قد رده وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال»، ولم يميز النبي عليه الصلاة والسلام ويشترط أن يكون الست من شوال بآخره، بل يجوز ما دون ذلك. فصيام يوم الفطر فإنه لا يجوز صيامه لحديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومي العيد، ويومي العيد هو يوم الفطر وهو واحد، ويوم الأضحى وهو واحد. وحديث عائشة زاد: «ثلاثة أيام أيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدي»، فعلم أن أيام العيد المنهي عنها كم؟ خمسة: يوم الفطر واحد، ويوم الأضحى واحد، وثلاثة أيام أيام التشريق. وما دون هذه الأيام الخمسة يجوز صيامها، وهذا هو القول الصحيح خلافًا لما ذهب إليه ابن العربي رحمه الله في «أحكامه» الذي سمعتم. والمسألة الثالثة من المسائل التي تنبه عليها كذلك: أنه جاء في الصحيحين حديث عمران بن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يصوم سرر شعبان، أمر أن يصوم يومًا أو يومين من سرر شعبان. وقد فسر سرر شعبان بأنه آخر شعبان، فقال بعض أهل العلم: كيف هذا مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث؟ وأجاب العلماء على ذلك كما أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله في «الفتح» وغيره من أهل العلم إلى أن ذلك في قضية عين خاصة بعمران، فإن عمران بن حسين أو صاحب السؤال الذي ورد في حق الحديث كان عنده نذر، كان عنده نذر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم. ولو كان هذا الحديث قد جاء - أي أن هذا الحديث لا ينافي النذر - ولهذا استثنى بعض أهل العلم صيام النذر، وأنه يدخل في الاستثناء: «إلا صومًا كان يصوم أحدكم»، يعني لا تمتنع عن صيام نذرك في آخر الشهر لأنني نهيت عنه، لا، بل نهي خاص بمن لم تكن له عادة، وصاحب النذر يدخل فيمن له عادة، هذا الجمع بين حديث عمران وبين حديث الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وأما المسألة الأخيرة فهي صيانتها إن شاء الله، سلام عليها في الحديث الذي بعده، وهو أن هذا الحديث فيه إشارة إلى أن يوم الشك لا يصام، وأنه يكون النهي فيه أشد من النهي الوارد في صيام هذين اليومين. ونكتب لهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. شكرًا.