الدرس في كتاب الصيام 3، الدرس الثالث : من : ( الحديث الخامس والسبعون بعد المائة ... وقال المنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد على هذا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع الأول بشرح حديث نبوي يتعلق برؤية هلال رمضان وبدء الصيام، حيث يوضح الشيخ معنى الحديث والمفردات والأحكام المتعلقة به.
يناقش المقطع الثاني حكم صيام يوم الثلاثين من شعبان عند عدم رؤية الهلال، ويبين اختلاف العلماء في هذه المسألة واستدلالهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يفسر المقطع الثالث حديث "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" ومعنى "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له"، ويبين أن المقصود هو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
يتناول المقطع الرابع حكم صوم يوم الشك، ويبين رأي جمهور العلماء واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية بعدم وجوب صومه وعدم جواز صيامه عن رمضان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المُلَقِّي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والسبعون بعد المئة، قال عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: شكرًا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غُمَّ عليكم فقدروا له». هذا الحديث هو الحديث الثاني من أحاديث كتاب الصيام مما ذكرها الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله في كتاب عمدة الأحكام. وأقرب ألفاظ الصحيحين لهذا اللفظ هو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، قال مسلم رحمه الله تعالى: وحدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غُمَّ عليكم فقدروا له». والحديث رواه بهذا اللفظ مسلم في حديث الفين وخمسمائة واحد وخمسين. فرواه البخاري كذلك في حديث ألف وتسعمائة وستة وألف وتسعمائة وسبعة، قال: قال شيخ البسام رحمه الله تعالى: بغضه الغريب، غُمَّ عليكم بالبناء للمجهول، أي استتر عليكم بحاجب من غيم وغيره، يعني معنى غُمَّ استتر، وهذا الاستتار قد يكون بغيم وهو السحاب بأنواعه كلها، وغيره، والمراد بالغير ريح فيها ضباب أو غبار أو غير ذلك مما يكون مغطيًا لرؤية الهلال. قال: وغُمَّ بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، يعني هذا ضبطها، قال: فقدروا له يعني قدروا له الحساب، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، وقيل: يعني هذا تفسير آخر لقوله فقدروا له، قال: وقيل معناه اقدروا ضيقوا بأن يضيق على شعبان فيجعل تسعًا وعشرين يومًا. قال: وعلى هذين التفسيرين حصر الخلاف الآتي، يعني الذي سيأتي ذكره، وسيأتي معناه أن الصواب ما جاء في روايات كثيرة في معنى هذا الحديث عن عدد من الصحابة يفسر أن معنى فقدروا أي أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، هذا معناه. قال رحمه الله تعالى: ويجوز الضم والكسر في دال اقدروا، اقدروا له، يعني يجوز اقدروا له بكسر الدال ويجوز اقدروا له بضم الدال، وكلا الأمرين جائز لأن اللغة رويت بذلك. قال: قوله بصوم يريد أن ينوي الصيام وتبيت تلك النية إلى الغد، ومعنى قوله تبيت النية يعني في هذه اللغة إشارة إلى النية، يعني صوموا مع قصدكم للصيام، قال: وكذلك في قوله فأفطروا يعني الفطر مع نية الفطر. قال: المعنى الإجمالي: أحكام الشرع الشريف تبنى على الأصل فلا يعدل عنه إلا بيقين، ومن ذلك أن الأصل بقاء شعبان، وأن الذمة بريئة من وجوب الصيام ما دام أن شعبان لم تكمل عدته ثلاثين يومًا، فيعلم أنه انتهت عدة شهر شعبان أو يرى هلال رمضان؛ لأن هلال رمضان قد يرى في تسعة وعشرين يومًا. قال: فيعلم أنه دخل أي دخل شهر رمضان، فإذا لم يدخل فالأصل إكمال عدة الشهر، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشهر هكذا» ثلاث مرات بيديه يعني ثلاثين، وهكذا ثلاث مرات وفي الثالثة جعل تسعًا، يعني أن الشهر يأتي ثلاثون يومًا ويأتي تسعة وعشرين يومًا. قال: اختلف العلماء، وذلك أي نقفنا، قال: ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علق صيام الشهر رمضان وفطره برؤية الهلال، ومعنى علق أي علق الحكم في صيام الشهر وفطره برؤية الهلال، أي بهذا الحديث؛ فإنه قال: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» والضمير في رأيتموه يعود إلى الهلال، وجاء صريحًا في أحد روايات البخاري: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» فيكون المراد الهلال. قال: فإن كان هناك مانع من غيم أو قتر أو نحوهما يعني غبار وريح أمرهم أن يقدروا حسابه، وهذا التقدير ليس المراد به حساب المنجمين وأهل النجوم والفلك، ولكن المراد كما جاء مفسرًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وجاء من حديث ابن عباس ومن حديث عائشة وحديث حذيفة: بأن المراد إكمال العدة ثلاثين. قال: وذلك بأن يتم شعبان ثلاثين ثم يصوم إن حصل ما يمنع من رؤية الهلال، وكان على تسعة وعشرين فإنه يكمل ثلاثين يومًا، قال: ثم يصوم؛ لأن هذا بناء على أصل بقاء ما كان على ما كان، فهذه المسألة دلت عليها الأدلة الخاصة والعامة. قال: الأدلة الخاصة هذا الحديث وما هو أصرح منه كما في حديث أبي هريرة: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حديث أبي هريرة، والأدلة العامة هو ما يفهم من هذه القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. قال: فالأصل أن الشهر وشهر شعبان والشهر ينتهي بمضي تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين، تسعة وعشرين برؤية الهلال وثلاثين ولو لم يرَ الهلال؛ لأنه لا زيادة على ثلاثين يومًا، فإذا كان كذلك فيفهم من هذا أن الأصل إذا لم يرَ الهلال البقاء على شهر شعبان، وهكذا كذلك في رؤية هلال شوال إذا لم يستكمل ثلاثين يومًا. قال: فإن الأصل إذا لم يروا الهلال في تسعة وعشرين أن نكمل ثلاثين؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. قال رحمه الله: اختلاف العلماء، اختلف العلماء في حكم صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في مغيب الهلال غيم أو قتر أو نحوهما من الأشياء المانعة لرؤيته. فالمشهور في مذهب الإمام أحمد الذي قال كثير من أصحابه أن مذهبه هو وجوب صومه من باب الظن والاحتياط، يعني احتياطًا يصام حتى لا يفوته شهر رمضان أو يوم من شهر رمضان، واستدلوا على ذلك بقوله: «فقدروا له» وفسروها بمعنى ضيقوا على شعبان فقدروه تسعة وعشرين يومًا؛ لأن من معاني قدر ضيق، معانيه اللغوية تقدر أي تضيق. قال: لكن هنا عندنا قاعدة ينبغي أن ننتبه لها، وهي أن المعاني اللغوية ليست دائمًا موافقة للمعاني الشرعية، المعاني اللغوية ليست دائمًا موافقة للمعاني الشرعية، فقد تكون المعاني الشرعية أضيق من المعاني اللغوية أحيانًا، وقد تكون المعاني الشرعية أوسع من المعاني اللغوية. قال: مثال الأضيق هذا الحديث، فإن لفظ تقدروا يحتمل معنى، وكلاهما قد وردت به اللغة، تقدروا بمعنى ضيقوا، وفقدروا بمعنى احسبوا واستكملوا، ولكن هذين المعنيين جاء في الشرع ما يدل على أن أحدهما غير مراد وهو معنى ضيقه، وأن الآخر هو المقصود والمراد كما قلنا بأدلة كثيرة. قال: منها أولًا ما جاء صريحًا في الروايات الأخرى في تفسير أن المراد إكمال عدة شعبان ثلاثين، كما في رواية حديث أبي هريرة: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وبمعنى من حديث عائشة وحديث حذيفة وحديث ابن عباس، بل ذكر بعضهم أنه جاء في بعض الروايات عن ابن عمر. قال: وثانيًا لأن صوم يوم الثلاثين مع وجود الغيم والقطر هو صيام يوم الشك، وقد جاء صريحًا النهي عن صيام يوم الشك، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا قريبًا في حديث أبي هريرة: «لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين» فنهى عن صيام يوم الشك. قال: بل جاء ما هو أشد من ذلك وهو تشديد في صيام يوم الثلاثين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صيام يوم قبل رمضان والأضحى والفطر وأيام التشريق، رواه البيهقي عن أبي هريرة بإسناد صحيح وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، فدل ذلك على أن صيام يوم الشك منهي عنه، إذن لا يجوز الاحتياط بصيام هذا اليوم. قال: وأما المعنى اللغوي فقد عورض بالمعنى الشرعي؛ لأن المعنى الشرعي جاء واضحًا صريحًا بأن المراد إكمال عدة الشهر ثلاثين، وكما قلنا أن القاعدة أن المعاني اللغوية إذا عارضتها المعاني الشرعية فتقدم المعاني الشرعية. قال: فليست دائمًا المعاني اللغوية توافق المعاني الشرعية، أحيانًا يكون المعنى الشرعي أضيق مثل هذه المسألة، وأحيانًا يكون أوسع مثل الصلاة، الصلاة باللغة الدعاء، بينما هي في الشرع أوسع من ذلك، الصلاة في الشرع تطلق على ذات الركوع والسجود ومنه الدعاء. قال: فإذا ليس دائمًا المعنى اللغوي يؤخذ بجميع معانيه، بل قد يأتي في الشرع ما يدل أن أحد هذه المعاني هو المقصود أو أن المقصود هو أوسع من ذلك. قال: وسيأتي معنى كذلك أن هذا المروي عن إمام أحمد ضعيف وليس بصحيح، بل الذي روي عن إمام أحمد خلاف هذا القول. قال رحمه الله تعالى: وهذه الرواية عن إمام أحمد من المفردات، يعني ممن فرد بروايته أحد الناس، وهي مروية عن جملة من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عمر وعائشة وأسماء، وسيأتي معنى أنه لم يصح عن أحد من الصحابة صريحًا كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. قال: لم يصح عن أحد من الصحابة ولا عن الإمام أحمد ولا عن أحد من الأئمة ذلك إلا ما روي عن عبد الله بن عمر فقط أنه فسره بهذا التفسير، بل بعضهم روى عنه خلافه، كذلك روى عن عبد الله بن عمر خلاف هذا القول. قال رحمه الله: وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنه لا يجب صومه، ولو صامه عن رمضان لم يجزئه؛ لأن السنة أن يكمل عدة شعبان ثلاثين، قال: واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: المنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد على هذا يعني على هذا القول الذي عليه جمهور العلماء. قال: نكتب بهذا الانتهاء الوقت، نكمل ما تبقى في درس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.