كتاب الصيام 14

كتاب الصيام 14

الدرس في كتاب الصيام 14، الدرس الرابع عشر : من: ( الحديث التسعون بعد المائة ... فيكره مع اقترانه بالنهي عن الوصال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور

يستحب للصائم تعجيل الفطر عند غروب الشمس وتأخير السحور، وهذا من علامات الخيرية في الأمة. اتباع السنة في ذلك يعد من الاستقامة.

أهمية اتباع السنة في العبادات

اتباع السنة في أمور العبادة مثل تعجيل الإفطار وتأخير السحور يعد من الخيرية والاستقامة. السنة الوسط بين الغلو والتساهل.

تتمة الكلام عن وقت الإفطار وغروب الشمس

وقت الإفطار يحين بغروب الشمس وإقبال الليل، ويستحب تعجيل الفطر عند تحقق غروب الشمس. الحديث النبوي يبين ذلك ويشرح أحكامه.

ختام الحديث وتأكيد استمراريته

يتم ختام المقطع بالإشارة إلى استمرار الحديث في موضعه مع التعبير عن الامتنان لله. يتم الإكتفاء بالقدر المذكور حتى الآن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحديث التاسع والثمانون بعد المئة. قال عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطرة وأكثروا السحور». أورد الحافظ عبد الغاني المجلسي رحمه الله هذا الحديث في سياقه في هذا الباب تتمة لأحكام الصيام، وذلك ناسب أن يختمها ببعض المستحبات من أحكام الصيام. فذكر من ذلك هذا الحديث. وأقرب الألفاظ إلى لفظ هذا الحديث هو لفظ البخاري، وبمثله كذلك مسلم، لكن من دون قوله: «وأخر السحور»، فإن هذه اللفظة ليست في البخاري ولا في مسلم، ولكنها في مسند الإمام أحمد. فقد روى هذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله، ومثله الإمام مسلم من دون هذه الزيادة. قال الإمام البخاري رحمه الله في حديث رقم 1957: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطرة». ورواه مسلم مثله في حديث 1098، فاصل 48، وليس فيه كذلك: «وأخر السحور». ولكن هذه الزيادة رواها أحمد في المسند، وهي حسنة، الجزء الخامس 1447 أو 147. قال رحمه الله تعالى الشارح، وهو البسام: المعنى الإجمالي: يحث على تمييز العبادة ووقفها عن غيرها، ليتبين النظام والطاعة في امتثال أوامره والوقوف بها عند حدودها. ولذا فإنه لما جعل غروب الشمس هو وقت إفطار الصائم، حث على مبادرة الفطر عند أول ذلك الوقت. وأخبر أن الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطرة؛ لأنهم بذلك يحافظون على السنة. وفيه: أن هذا لأجل أن تتميز العبادة في وقتها، ما هو أولها وما هو آخرها. قال رحمه الله تعالى: فإذا أخروا الفطرة، فهو دليل على ذهاب الخير عنهم؛ لأنهم تركوا السنة التي تعود عليهم بالنفع الديني، وهو المتابعة، والدنيوي، وهو حفظ أجسامهم وتقويتها بالطعام والشراب الذين تتوق أنفسهم إليهما. وفي ذلك كذلك الاعتدال في معاملة الأجساد؛ فإن أعدل ذلك هو ما جاء في السنة. قال رحمه الله تعالى: ما يأخذ من الحديث أولا: استحباب تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس برؤية أو خبر ثقة. برؤية يراها الإنسان بعينه، وهو متأكد أنها غربت عن الأفق. ومر معنا وسيأتي إن شاء الله للحديث الذي بعده: أن ظاهر ذلك أن تغيب الشمس عن الأفق، ويؤكد ذلك إقبال الليل من جهة المشرق. يؤكده إقبال الليل من جهة المشرق. والليل هو بداية الظلمة، ليس عين الظلمة، ولكن شيء من السواد الخفيف الذي يبدأ في جهة المشرق. خط يكون في أفق المشرق، وفوقه حمرة الغروب. فإذا بدأ يظهر ذلك من الخط المظلم في جهة الأفق من جهة المشرق، وغربت الشمس من جهة المغرب، فعند ذلك يفطر الصائم. قال رحمه الله تعالى: ثانيا: أن تعجيل الفطر دليل على بقاء الخير عند من عجله، وزوال الخير عن من أجله. يعني: أجل الإفطار؛ وذلك لأن هذا خروج عن الاستقامة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام في السنة. فالمسألة ليست مسألة كما يقول بعض الناس: قشور. يقول: إيش هذه السنة؟ هذه السنة قشور. أهم شيء صفاء القلب. ما علم أن صفاء القلب ادعاءه أمر سهل، ولكن تمييز الصفاء الصحيح من غير الصحيح، وبرهان صدق الصفاء في الأعمال. من استطاع أن يتحمل الأعمال التي جاءت في الشريعة، ومن ذلك السنة، فهذا قد برهن على صفاء قلبه. ومن لم يستطع أن يتحمل ذلك، فهو كاذب في ماذا؟ في ادعاء صفاء قلبه وصدق إيمانه. لماذا؟ لأنه ما استطاع أن يتحمل السنة ولا الدين الذي أراده وأحبه الله عز وجل للخلق. قال ثالثا: الخير المشار إليه في الحديث هو اتباع السنة، مع أنه من محبوبات النفوس؛ لأن دين الله عز وجل ينافيه شيئان: ينافيه التساهل الذي فيه تضيع الأحكام، وينافيه كذلك التشديد الذي هو الغلو في الأحكام. فدين الله بين الغالي والجافي. فالخيرية ليست فقط في ترك التساهل، كذلك في ترك ماذا؟ التشدد. فإذن الخيرية أمرها الاستقامة على السنة الوسط بين الغالي وبين الجافي. قال رحمه الله تعالى: الرابع: الحديث من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن تأخير الإفطار عمل به الشيعة الذين هم إحدى الفرق الضالة. وصدق هذا علامة عليهم، كما ذكر علماء السنة: أن أشبه فرق الإسلام باليهود هم الرافضة والشيعة. أشبه فرق الإسلام باليهود، وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: «لا يزال الناس بخير»، ويقول كذلك كما في هذا الحديث: «ما عجلوا الفطرة»، وفي رواية: «وأكثر السحور». وهؤلاء على خلاف ذلك تماما؛ فلا يفطرون إلا إذا اشتبكت النجوم. لا يفطرون إلا إذا اشتبكت النجوم؛ مشابهة لليهود. قال: وليس لهم قدوة في ذلك إلا اليهود الذين لا يفطرون إلا عند ظهور النجوم. فهذا دل على صدق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الناس بخير». معناه: أن الخير ينتزع بذهاب هذه الصفة. فهذه الصفة كما قلنا ليست قشور، بل هي علامة وبرهان صدق التمسك. ومن لم يستطع أن يتمسك بها ويحرص عليها، فهو لغيرها مضيع كذلك. وبهذا الحديث فوائد أخرى. من هذه الفوائد كذلك: تأخير السحور على رواية الإمام أحمد، فيه مشروعية واستحباب تأخير السحور، وهو من مستحبات الصيام كذلك. وقد مرت معنا أحاديث فيما سبق تدل على ذلك. فمن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». وهكذا من فعله: ما ثبت في قصة زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر السحور حتى ما يكون بينه وبين الصلاة إلا قدر خمسين آية. إلا قدر خمسين آية. وقدرناها الخمسين آية تقريبا كم؟ ها عشر دقائق. تقريبا قدر عشر دقائق هكذا. وبهذا الحديث كذلك من الفوائد: أن المسلم لا يصل إلى الخير والبر بالعقل ولا بالعاطفة، ولكنه يصل إلى ذلك بماذا؟ بالعلم. فمثل هذه الأحكام لولا أن تعلمناها من السنة لما استطعنا أن نصل إلى الكمال فيها. إذن الكمال ما يتوصل إليه بالعقل كما يظن بعض الناس، ولا كذلك بالرأي والعاطفة، وإنما يتوصل إليه بالدليل الشرعي. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: أن هذا الذي ذكر في هذا الحديث هو الأصل، وأن ما جاء من فيه جواز المواصلة في الصيام كما سيأتي إن شاء الله، إشارة إليه هذا يدل على الجواز، ولا يدل على الاستحباب. وفرق بين الإقرار وبين الاستحباب. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما ألح عليه أصحابه بالوصال، رخص لهم أن من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر. ومع ذلك فليس هذا بأفضل؛ بدليل هذا النص الصريح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ومفهومه: أن الخير ينقص بتأخير الإفطار. فإذن لا يقول قائل: أن في ذلك الحديث دليل على سنة أخرى، وهو جواز المواصلة إلى السحر. لا، بل هذه السنة مرجوحة. الراجح هذا الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: الحديث التسعون بعد المئة. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم». أورد رحمه الله هذا الحديث تأكيدا للمسألة السابقة في ذكر وقت الإفطار، واستحباب التعجيل به؛ ليبين متى هذا الوقت الذي يكون به التعجيل. وأقرب الألفاظ إلى هذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1954، غير أنه زاد: «وغربت الشمس». وهكذا كذلك في لفظ مسلم نحو لفظ الإمام البخاري، وزاد كذلك: «وغربت الشمس». إذن سقط من متن الحافظ عبد الغني المقدسي جملة: «وغربت الشمس»، وهي ثابتة في الصحيحين. قال البخاري رحمه الله: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا إسحاق بن عيسى قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه يعني عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». وجملة: «وغربت الشمس» لم يذكرها الحافظ عبد الغني رحمه الله في متنه. قال الشارح البسام رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: أن وقت الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ولذا فقد أفاد النبي صلى الله عليه وسلم أمته أنه إذا أقبل الليل من قبل المشرق، وأدبر النهار من قبل المغرب بغروب الشمس، فقد دخل الصائم في وقت الإفطار الذي لا ينبغي له تأخيره عنه. بل يعجل بذلك امتثالا لأمر الشارع، وتحقيقا للطاعة، وتمييزا لوقت العبادة عن غيره، وإعطاء للنفس حقها من متع الحياة المباحة. هذا هو المعنى الإجمالي للحديث. قال: ما يأخذ من الحديث أولا: استحباب تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس. وسبق الكلام على هذا الحديث الذي قبله. وفي هذا زيادة: أن هذا الغروب يؤكد بماذا؟ بإقبال الليل من جهة المشرق. قال: ثانيا: أنه لابد من وجود إقبال الليل الذي يقارنه إدبار النهار للإفطار. وقلنا هذا لإزالة شبهة ما إذا غربت الشمس خلف موضع مرتفع، فلم يحصل بذلك الغروب الشرعي الذي هو الغياب عن الأفق. وإنما هو غياب خلف جبل أو خلف سهل أو غير ذلك. فهذا ليس بالغروب الشرعي. الغروب الشرعي المعتبر هو أن تغرب في أفق الأرض الذي يؤكده إقبال الليل من جهة المشرق. قال رحمه الله تعالى: ثانيا: أنه لابد من وجود إقبال الليل الذي يقارنه إدبار النهار للإفطار. فإن مجرد الظلمة من قبل المشرق مع وجود الشمس ليس معناه إقبال الليل. فإن إقبال الليل حقيقة مقارن لإدبار النهار، فهما متلازمان. ومر قبل قليل تفسير هذا الليل، فهو عبارة عن ظلمة خفيفة في جهة المشرق تملأ الأفق، وفوقها يأتي احمرار الغروب. قال: ثالثا: قوله: «فقد أفطر الصائم» يحتمل المعنى أولا: إما أنه أفطر حكما بدخول وقت الإفطار، ولو لم يتناول مفطرا. ويكون الحث على تعجيل الفطر في بعض الأحاديث معناه الحث على فعل الإفطار حسا، يوافق المعنى الشرعي. وهذا القول قال به بعض أهل العلم، وهو مرجوح؛ فليس معناه أن الصائم شاء أم أبى، فإنه مفطر بغروب الشمس وإقبال الليل. لا، ليس هذا معنى الحديث. لكن معناه: دخل وقت الإفطار بغروب الشمس وإقبال الليل. فإذا يحتاج من المسلم الصائم ماذا؟ امتثال هذه السنة. قال: ثانيا: أو يكون دخل في وقت الإفطار، كما تقول: أنجد أو أنجد لمن دخل نجد. أنجد نعم، كما تقول: أنجد لمن دخل نجد، وأثمر لمن دخل تهامة. ويكون الحث على تعجيل الفطر على بابه. وهذا أو لا يعني معناه دخل، أي كاد أن يدخل. قال: ويجد رواية البخاري: «فقد حل الإفطار». ففي هذه الرواية: «حل الإفطار». معناه: ليس أنه أفطر شاء أم أبى، ولكن معناه: دخل وقت الإفطار. وهذا التفسير هو أولى التفسيرين لهذا الحديث. قال: رابعا: ينبني على هذين المعنين حكم الوصال. فإن قلنا: معناه «فقد أفطر الصائم» أفطر حكما، فالوصال باطل؛ لأنه لا يمكن يعني لأنه شاء أم أبى أفطر. فإذا لا فائدة من الوصال. ولكن هذا المعنى كما قلنا ليس بصحيح. قال: وإن قلنا: معناه «فقد دخل وقت الفطر»، فيكره مع كراهة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للوصال. وهذا هو الصحيح: أن الوصال مكروه. ورخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو لا يحبه - رخص لمن أراد أن يواصل أن يواصل إلى السحر. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. فنكتفي بهذا القدر. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.