الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 19، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستعرض الشيخ عبد الرحمن بن مرعي العدني حديث أبي هريرة في صحيح البخاري عن رجل جامع في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة مرتبة: عتق رقبة، فإن عجز فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكيناً. ويبين أن الكفارة المغلظة تجب على العالم المتعمد دون الجاهل أو الناسي أو المكره، مع تفصيل أحكام الألفاظ المستعملة في الحديث.
يبيّن المقطع آراء العلماء في كفارة الجماع في نهار رمضان، موضحًا جواز عتق الرقبة الكافرة عند الحنفية، وتفصيل شروط صيام شهرين متتابعين والأعذار المبيحة للفطر دون قطع التتابع، ثم بيان وجوب إطعام ستين مسكينًا متغايرين. كما يفرّق بين الفقير والمسكين في استحقاق الزكاة والكفارة، مبينًا أن المعيار هو عدم وجود غنى يغني عن الحاجة بالمعروف دون إسراف.
يوضح المقطع جواز إعطاء الزكاة لمن يملك قوت يومه لكن يحتاج لمبالغ كبيرة للعلاج أو الزواج أو أجهزة ضرورية، ويبين أن كفارة الجماع في رمضان هي إطعام ستين مسكيناً وجبة تامة لا مجرد إعطاء أرز نيء، ويستدل بحديث الرجل الذي تصدق عليه النبي صلى الله عليه وسلم بتمر ليكفر به فأذن له بإطعام أهله منه، مما يدل على جواز إخراج الكفارة وزكاة الفطر مما يتصدق به على الشخص.
يذكر المتحدث أن بقية المسألة التي اختلف فيها أهل العلم ستؤجل إلى الترجمة القادمة، ويختتم بالتحميد، مع الإشارة إلى أن الترجمة من عمل نانسي قنقر.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقال الإمام البخاري رحمه الله: «باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليُكفّر». قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: «وما لك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر، والعرق: المكتل. قال: «أين السائل؟» فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أطعمه أهلك». هذا الباب: باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليُكفّر. تعرض المصنف رحمه الله لذكر الكفارة في هذه الترجمة، ونمر على ألفاظ هذا الحديث ونذكر بعض الفوائد التي تضمنها هذا الحديث. قال أبو هريرة رضي الله عنه، الذي هو راوية الإسلام وحافظ الصحابة: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل». هل هو سلمة بن صخر البياضي؟ اختلف في ذلك أهل العلم. فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قوله: «هلكتُ» يدل على فضل السائل، وأنه يعلم أن الذنوب مهلكة، وأنها مضرة بدين الشخص، فارتكب أمرًا محرمًا، وعرف خطورة هذا الذنب، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في رواية: «هلكتُ وأهلكتُ»، وهي ضعيفة. وفي رواية أخرى: «احترقت». فقوله: «هلكتُ» يدل أيضًا على أنه كان عالمًا بالحكم، يدل على أنه أيضًا كان عالمًا بحرمة الجماع في نهار رمضان، لكن لم يكن يدري أن يترتب على جماعه الكفارة. قال: «ما لك؟» قال: «وقعت على امرأتي وأنا صائم». يعني ذكر سبب الهلاك أنه واقع امرأته وهو صائم. قال: «وقعت على امرأتي». وفي بعض الروايات: «وقعتُ بأمرأتي»، وفي بعض الروايات: «أصبتُ امرأتي». هذا فيه أنه تُستخدم ألفاظ الكناية فيما يستحيا من ذكره، ولا بأس بأن يصرح بالشيء الذي يستحيا منه. ما جاء في قصة ماعز، النبي صلى الله عليه وسلم صرح. والله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يقول: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، من قبل أن تمسوهم. فهذا يعتبر من ألفاظ الكناية، لم يصرح بما يستقبح من ذكره أو يستحيا من ذكره. قال: «وقعت على امرأتي وأنا صائم». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟» تقدم معنا حرمة الجماع في نهار رمضان، وأنه يوجب الكفارة المغلظة. وإنما الكفارة المغلظة تجب على من جامع عالمًا متعمدًا. العالم يخرج الجاهل. أما إذا جامع الرجل وهو جاهل بالحكم، كان يكون بعيدًا عن مجالس العلم، وهذا قد يحصل، يعني لا يدري أن الجماع محرم في نهار رمضان، فهذا نادر. فإذا لم يكن عالمًا لا تترتب عليه الكفارة. لكن لو كان عالمًا بحرمة الجماع في نهار رمضان، كلمة «متعمدًا» تخرج الناسي والمكره. العالم يخرج الجاهل، والمتعمد يخرج الناسي والمكره. فإذا جامع الرجل عالمًا متعمدًا، فما الذي يجب عليه؟ عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، والأمر الثاني: عليه كفارة مغلظة. أما إذا كان الرجل كما تقدم، يعني لا يعلم بحرمة الجماع في نهار رمضان، فلا تترتب عليه الكفارة، لا تترتب عليه، ولا يلزم بالكفارة. بل أيضًا من كان حديث عهد بإسلام، أُخبر عن سماحة الدين، وعن وجوب الالتزام به، وعن كذا، فكان بوذيًا فأسلم، أو كان يهوديًا أو نصرانيًا فأسلم، ثم ظن وهو لا يعلم بحرمة الزنا، هل يقام عليه حد الزنا؟ الجواب: لا، لأنه لم يعلم بالحكم. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. لكن هذا الذي جامع في نهار رمضان، أو الذي زنى بعد إسلامه، يعلم حرمة الجماع في نهار رمضان، أو يعلم حرمة الزنا. لكن الأول لا يعلم أن عليه كفارة مغلظة، والثاني لا يعلم أن عليه الحد في الزنا. هل يقام عليه الحد، وهل يلزم بالكفارة؟ الجواب: نعم، لأنه كان عالمًا. قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟» الآن الذي يجامع في نهار رمضان عالمًا متعمدًا عليه الكفارة المغلظة. ما هي هذه الكفارة المغلظة؟ قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟» الخصلة الأولى: وجوب عتق الرقبة. والراجح في هذه الكفارة أنها على سبيل الترتيب، وليست على سبيل التخيير. يعني يجب أن يبدأ بالخصلة الأولى، فإن عجز عنها انتقل إلى الثانية، فإن عجز عنها انتقل إلى الثالثة، وليس له ابتداءً أن يختار من هذه الخصال، بل يجب عليه أن يرتب على حسب قدرته. قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: «رقبة». أطلق ولم يقيد الرقبة بالمؤمنة. فهذا فيه صحة قول من قال بأنه تجزئ الرقبة ولو كانت كافرة، كما هو قول الحنفية وطائفة من أهل العلم: تجزئ الرقبة في كفارة الجماع في نهار رمضان ولو كانت كافرة. قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» «هل تستطيع» بمعنى: هل تقوى؟ وهل تقدر؟ وهل تنشط؟ «هل تستطيع؟» هل تقوى؟ وهل تقدر على صوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فيه أن الخصلة الثانية هي صوم شهرين متتابعين. والعبرة بالأشهر لا بالأيام. بمعنى أن في الصوم الذي يشترط فيه التتابع، من بدأ بأول الشهر فإنه ينتهي بآخر الشهر الذي بعده. من بدأ في أول رجب وواصل الصوم إلى أن انتهى من رجب، ثم واصل الصوم شعبان إلى أن أُعلن عن دخول رمضان، فهذا قد أتى بالكفارة، ولو كان الشهر الأول تسعة وعشرين يومًا، وأيضًا الشهر الثاني تسعة وعشرين يومًا. العبرة بالأشهر لا بالأيام. إذا بدأ من 15 انتهى بـ 15. طيب. قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» يشترط في الصوم أن يكون متتابعًا. يشترط في الصوم أن يكون متتابعًا. لا يجوز أن يتوقف ثم يواصل. إلا العذر. من هذه الأعذار: مجيء عيد الفطر، عفوًا، هو ما سيبدأ أصلًا. من هذه الأعذار: عيد الأضحى، وأيام التشريق، والحيض والنفاس، والمرض، والسفر. هذه الأعذار لا تقطع التتابع، ولا يلزم بالاستئناف، بل يبني بعد خروجه من العذر. لكن لا يجوز أن يتحيل، يسافر لأجل أن يفطر ويأخذ راحة. هذا لا يجوز. لكن لو احتاج إلى السفر بينما هو في أمر من أموره، قيل له: سافر إلى صنعاء، فسافر، له أن يفطر. لكن بدون تحايل. يعني لا يجوز له أن يسافر لأجل أن يفطر. لكن لا بأس إذا سافر بدون التحايل أن يفطر في سفره. قال: «أن تصوم شهرين متتابعين». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» الخصلة الثالثة: إطعام ستين مسكينًا. والستين مسكينًا يجب أن يكونوا متغايرين، مثل كفارة اليمين. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. يجب أن يكونوا متغايرين في كفارة اليمين: الأول غير الثاني، والثاني غير الثالث، إلى آخر العشرة. من الخطأ في كفارة اليمين أنك تكرر الإطعام على خمسة مرتين، أو تكرر الإطعام على واحد عشر مرات. هذا لا يجزئ لأن الله يقول: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. وهنا يقول: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» وهذا قول الجمهور من أهل العلم. لكن فدية الفطر في رمضان ممكن أن تكرر الإطعام على شخص واحد. العاجز عن الصوم في رمضان بمرض مزمن أو لشيخوخة، ممكن أن يكرر الإطعام على مسكين واحد. عنده مسكين جار له، فكل يوم يطعمه وجبة، إما إفطار أو سحور. ممكن؛ لأن الله يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، عن كل يوم مسكين. ممكن تكرر إطعام على هذا المسكين في كل يوم. أما في كفارة اليمين والجماع في نهار رمضان ونحو ذلك، هذا لا يجوز، لا بد أن يكونوا متغايرين، لا بد أن يكونوا متغايرين. قال: «قال تجد إطعام ستين مسكينًا». من هو المسكين؟ الذي لا يجد غنى يغنيه. عنده شيء لكن لا يكفيه. إذا اجتمع الفقر والمسكن، أو إذا افترق اجتمع الفقر والمسكن، بمعنى واحد. إذا أطلق، يعني كلا اللفظين على حدة، قال لك: خذ هذا المال واعطه لفقير، أو قال: خذ هذا المال واعطه للمسكين، فالفقر والمسكن بمعنى واحد. لكن لو قال: خذ هذه الألفين، ألف لفقير وألف لمسكين، فمن أشد حاجة؟ الفقير أشد حاجة من المسكين. أو قال: خذ هاتين الساعتين، إحداهما أفضل من الأخرى، وقال في الفاضلة: اعطها لفقير، وقال في الثانية: اعطها لمسكين، فأنت تنظر من هو أحوج الرجلين، فتعطيه الساعة الفاضلة. فالمسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه. وهذا يفيدنا في ذلك الزكاة. الزكاة فرض الله سبحانه وتعالى لأصناف معينين، وهم المذكورون في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. فمن هو الذي تحله الزكاة من الفقير والمسكين؟ هو الذي لا يجد غنى يغنيه. يعني مثلًا: إذا كان حاجته شهريًا إلى عشرين ألفًا، وما يجد إلا خمسة عشر ألفًا، هذا يجوز أن يأخذ من الزكاة. حاجته السنوية مائة ألف، وما يجد إلا ثمانين ألفًا، هذا يجوز أن يأخذ من الزكاة. لو قال قائل: كيف نعرف حاجته؟ هو الشخص كلما أتى إليه، نال توسع في المعيشة، مع معنى هذا أنه لا يزال فقيرًا ومسكينًا إلا أن يصير من الأثرياء. فالجواب: ذكر أهل العلم أنه ينفق على نفسه وأهله نفقة معتادة، من غير إسراف ولا تبذير، من غير إسراف ولا تبذير. رجل يأكل هو وأولاده أكلًا، أو يعيش عيشة معتادة تليق بمثله، من غير إسراف ولا تبذير. ثم بعد ذلك يحتاج، فهذا لا بأس. مثلًا: الرجل يحتاج شهريًا إلى ثلاثين ألفًا، وراتبه عشرون ألفًا، فهذا تصح له الزكاة وتحله الزكاة. أما من كان أغناه الله من فضله، وعنده راتب مثلًا خمسون ألفًا، وحاجة شهرية يحتاج إلى أربعين إلى خمسين ألفًا، هذا لا تحله الزكاة، هذا لا تحله الزكاة. بعضهم يكون عنده راتب مثلًا، يحتاج إلى نفقة شهرية وهي أربعون أو خمسون ألفًا، لكن تنقص بعض الأشياء، ما يستطيع أن يشتريها إلا بنقص في معيشة. مثلًا: في البلاد الحارة يحتاج إلى شراء مكيف، أو يحتاج إلى شراء ثلاجة، فممكن أن يعطى من الزكاة لشراء هذه الحاجيات. وهكذا: شاب يأكل عند أبيه ويشرب، لكن بحاجة إلى إعانة في زواج، هذا يعطى. هذا يعطى أيضًا. رجل يحتاج العملية التي يحتاج إليها، إلى أن يسر الله له من يعينه، فيجري العملية التي يحتاج إليها، هذا لا بأس أن يعان من الزكاة، وإن كان أكله وشربه المعتاد هو يملك، ولكن قيمة العملية يعني مليون ريال أو خمسمائة ألف، ما يقدر. مثل هذا يعطى. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» إطعام، إطعام ستين مسكينًا، ليس مشاركة في الإطعام، إنما أنت تنفرد بإطعام المسكين. اليوم الذين يخرجون في مثل هذه المسائل، عليهم كفارة جماع، يخرج كيسًا من الرز، يخرج كيسًا من الرز، ويقول: أنا أطعمت ستين مسكينًا. ماذا أخرجت؟ قال: أخرجت كيسًا من الرز. الجواب: يعني أو خلاصة المسألة، أن الله أمر على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام بإطعام ستين مسكينًا. فهل الرز يطعم ستين مسكينًا؟ الرز المجرد، الجواب: لا. أن تتصور مسكينًا تعطيه كيلو من الرز أو نصف كيلو من الرز، ماذا سيعمل حتى يعد وجبة؟ عنده في البيت عشرة، في عمليات، مجموعة من الأولاد مع الزوجة، صاروا عشرة أو ثمانية، أعطيتهم حق ثمانية، أربع كيلو من الرز، ماذا سيفعل الرجل حتى يعد وجبة السحور أو الإفطار أو الغداء في غير رمضان؟ سيحتاج إلى أمور هي أغلى من قيمة الرز. يأخذ له بطاط وبصل وزيت، وصار المعتاد عند كثير من الناس شيء من السمك أو شيء من الأيدامات. فلو نظرت إلى هذه الوجبة التي أكلها هو أو أولاده، ونظرت إلى قيمتها، لرأيت قيمة الرز مثلًا، يعني كم قيمة الرز مثلًا؟ ستمائة ريال، هو سيضع فوقها ستمائة حتى يعد وجبة. فمن الذي أطعم المسكين في الآخر؟ أن تشارك في إطعام المسكين، من فرقت بإطعام المسكين. لهذا يخالف الله، ينبغي أن ينتبه لهذا. بعض البوادي أكلهم بر أو شعير، يعني أكلات ناشفة، أكلات ما فيها ما يحتاجون لها خضار أو شيء. ممكن إذا كنت في البادية تعطي الفقير البر، ويعمل له خبزًا ويأكل. أما وأنت في مثل هذه المجتمعات، أضعف الناس ما يأكل رزًا ناشفًا. هل تعرفون يعني أناسًا يعني حياتهم اليومية أنهم يأكلون رزًا ناشفًا؟ أضعف الناس وأفقر الناس يعني يأكلون رزًا وإدامات وخضار. فلذلك فأنت مطالب بإطعام المسكين، ليس المشاركة في إطعام المسكين. فيتنبه لهذا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا. قال: «فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر، والعرق: المكتل». بعرق فيه تمر، يعني أقرب ما يفسر به: الزنبيل الذي نسميه الزنبيل، بكسر الزاي، وقيل بفتحها. هذا هو العرق، شيء يعني يقال له قفع، أو يقال له مكتل. العرق والمكتل مما لا نتداوله، لكن الزنبيل يعرف أكثرنا أو جميعنا يعرف ما معنى الزنبيل. فالعرق بمعنى الزنبيل. وقال فيه الزبل، على وزن رغيف، وهو الذي يوضع فيه الزبل أو الزبل. قال: «قال: أين السائل؟» فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». هذا يدل على أن الكفارة من جملة الصدقة، فال هاشمي عليه أن يترفع عن أكلها، عن كفارات. وقال الرجل: «على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها». اللابة: هي الحجارة، الأرض المكسوة بالحجارة السود، الأرض المكسوة بالحجارة السود. انظروا إلى حال هذا الرجل، جاء يعني يقول: احترقت، ويقول: هلك، ثم لما جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى، وقيل له: خذ هذا فتصدق به، قال: والله ما بين لابتيها. المدينة واقعة بين لابتين، شرقية وغربية، شرقية وغربية، وهي عبارة عن حجارة السود التي تكسو الأرض، مثل الأرض البركانية، يعني لا زالت إلى الآن. فأطراف المدينة التي لم تعمر، تجد آثار الحجارة السود. وفي بعض الأسفار تجد عن اليمين على اليسار، في بعض المناطق، يعني أرض مكسوة بحجارة سود، كأنها من آثار براكين ساحقة أو كذا. قال: «فوالله ما بين لابتيها يريد الحرتين، أهل بيت أفقر من أهل بيتي». فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وماذا ضحك عليه السلام؟ متعجبًا لحال هذا الرجل، أنه جاء يظهر الخوف والوجل، ويقول: احترقت، وأهلكت، ويبحث عن المخرج. فلما جاء الفرج، طمع أن يكون هذا خير لنفسه ولأولاده، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من حاله، فقال له: «أطعمه أهلك». في هذا الحديث ما ترجم له المصنف رحمه الله: «باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليُكفّر». قال: باب المجامع في رمضان، هل يطعم أهله من كفارة إذا كانوا محاويج؟ فأولًا: قول «باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء»، يعني ليس عنده شيء يكفر، لا رقبة يجدها، ولا يعني صومًا يقدر عليه، ولا طعامًا يستطيع أن يتصدق منه. «فتصدق عليه فليُكفّر». لا بأس، لا يشترط في الكفارة أن يكون من ماله الخاص، بل إذا تصدق عليه ووجبت عليه كفارة أو فدية، فلا بأس أن يخرجها مما تصدق عليه. وهذا يفيدنا في مسألة مشهورة، ومسألة زكاة الفطر. يعني بعض الناس يسأل يقول: أنا أُعطي زكاة الفطر، هل يجوز أن أخرج من الذي أُعطي لي للآخرين؟ الجواب: نعم، الجواب: نعم. وهذا الدليل، وهذا الحديث الذي بين أيدينا. طيب. بقية المسألة الأخرى التي اختلف فيها أهل العلم، وأخرها إلى الترجمة القادمة. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر.