كتاب الصيام 4

كتاب الصيام 4

الدرس في كتاب الصيام 4، الدرس الرابع : من : ( وقال صاحب الفروع لم أجد عن أحمد ... أنه لا يصام يوم الثلاثين من شعبان مع الغيم ونحوه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم صيام يوم الشك واحتياط المسلمين في بداية رمضان

يناقش حكم صيام يوم الشك واحتياط المسلمين في بداية شهر رمضان، ويستدل بالأحاديث النبوية وآراء الفقهاء على أن الاحتياط ليس بواجب. يجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما إذا غم الهلال.

مسألة اختلاف المطالع ووحدة الرؤية لصيام رمضان

يناقش مسألة اختلاف المطالع وآراء الفقهاء في وحدة الرؤية، حيث يرى البعض أن لكل بلد رؤيته الخاصة، بينما يرى آخرون وجوب اتباع رؤية واحدة تحت إمارة واحدة. يُذكر تفصيل الشافعي رحمه الله في هذه المسألة.

تعليق صيام رمضان والفطر على رؤية الهلال

يناقش تعليق صيام شهر رمضان والفطر على رؤية الهلال وليس على الحسابات الفلكية، ويبرز فوائد هذا التعليق من حيث التيسير وتحقيق اليقين. يعتمد الشرع على ما يعرفه الجماهير وليس على الحسابات الدقيقة.

شروط رؤية الهلال لبدء الصيام والإفطار في رمضان

يتناول شروط رؤية الهلال لبدء صيام رمضان والإفطار، حيث يكفي شهادة رجل واحد لبدء الصيام، بينما يشترط رجلين للإفطار. يستدل على ذلك بأحاديث نبوية مختلفة ويشير إلى أهمية إكمال الشهر ثلاثين يوما إذا لم ير الهلال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المهلب رحمه الله تعالى: قوله «بصومه» آخر موقف عليه، قال: قوله «بصومه» يريد أن ينوي الصيام، وتبييت النية إلى الغد. وكذلك قوله «بأمره». قال: المعنى الإجمالي. قال صاحب الفروع: طيب. وقال صاحب الفروع: لم أجد عن أحمد صريح الوجوب، ولا أمر به، ولا يتوجه إضافته إليه. وصاحب الفروع هو ابن مفلح رحمه الله تعالى. كتاب الفروع من أحسن كتب الحنابلة، ومن مزاياه أنه يحقق أقوال الحنابلة في النقل عن إمام أحمد رحمه الله، وهو من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ويوجد في هذا الكتاب من ترجيحات وتحقيقات أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما لا توجد في غيره، وذلك لأنه كثيرا ما ينقل عنه، ولأن هذا الكتاب استوعب أبواب الفقه ومسائله صغارا وكبارا. ونادر أن تجد رأي شيخ الإسلام في كل مسألة، لكنه رحمه الله يذكر مثل ذلك في كتابه الفروع. فأراد رحمه الله أن ينقل عن هؤلاء أن هذه الرواية التي فيها أنه يصام يوم الشك احتياطا، المروية عن إمام أحمد رحمه الله، رواية ضعيفة ولا تصح عن الإمام أحمد رحمه الله. قال: واختار هذه الرواية من كبار أئمة المذهب أبو الخطاب وابن عقيل. وهذا كذلك تأكيدا إلى أن هذا القول المروي عن إمام أحمد، والمنسوب إلى مذهب الإمام أحمد، قول مرجوح، والصواب خلافه. قال: ودليل هذا القول ما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». ثلاثين يوما. وهذا الحديث يدل على أنه إذا وقع الغيم ولم يتبين الهلال، فإنه يجب أن يكمل عدة شعبان ثلاثين. فالأصل في الأمر للوجوب، الأصل في الأمر أنه للوجوب. قال: وهذا الحديث وأمثاله يبين أن معنى «فقدروا له» يعني قدروا حسابه، بجعل شعبان ثلاثين يوما. وهذا هو الذي لابد أن يقال به، لأن أكثر الروايات كما مر معنا ذكرت «صيام» ذكرت «إكمال عدة الشهر ثلاثين»، إكمال عدة الشهر ثلاثين. قال: وهذا الحديث وأمثاله يبين أن معنى «فقدروا له» يعني قدروا حسابه، بجعل شعبان ثلاثين يوما. وقد حقق ابن القيم هذا الموضوع في كتابه «الهدي» أي «زاد المعاد في هدي خير العباد». قال: ونصر قول الجمهور، وقول الجمهور هو أن يكمل عدة الشهر ثلاثين إذا غم الهلال. قال: ورد غيره، يعني من القول الآخر، من أنه يصام يوم الثلاثين احتياطا، فهذا خطأ، فلا يصام. قال: وبيّن أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة قول صريح، إلا عن ابن عمر الذي مذهبه الاحتياط بالتشديد. وقلنا: ابن عمر، خطأه الصحابة رضي الله عنهم. وزيادة على ذلك روي عنه كذلك ما يخالف ذلك. والعبرة بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام صريحا. فالراوي إذا خالف ما روى، فالعبرة بما روى لا بما رأى. فكيف إذا كان قد جاءت روايات كثيرة عن عدد من الصحابة تؤكد هذا المعنى، وهو أنه يكمل عدة الشهر ثلاثين؟ قال: وذكر شيخ الإسلام ابن تيم، أن إيجاب صوم يوم الشك لا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه. إن كان بعضا قد اعتقد أن مذهبه إيجابه صومه بالها عندكم، إيجابه أو إيجابه بدونها. بدونها هذا أفصح. فنقول: إذا نص على إيجاب صومه بدونها، قاله: مذهب صريح منصوص عليه، وجواز فطره، وجواز صومه. وهو مذهب أبي حنيفة، ومذهب كثير من الصحابة والتابعين. وصول الشريعة كلها مستقرة على أن الاحتياط ليس بواجب، ولا محرم. الاحتياط ليس بواجب، ولا محرم، بل دلت الأدلة الشرعية على أن أخذ الاحتياط في العبادات منهي عنه. والمأمور به الأخذ باليقين. فحديث عبد الله بن الزبير يقول: شكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، هل ينصرف من الصلاة؟ الاحتياط كان يقول: إيش؟ الاحتياط للصلاة أن يقول: إيش؟ ينصرف. نعم، الاحتياط أن ينصرف، لكن ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا». وعلم بهذا أن قاعدة الاحتياط مردودة في الشرع، بل الشرع يوجب العمل باليقين فقط، لا يأذن بفتح باب قاعدة الاحتياط، لأن قاعدة الاحتياط وفتحها، وإطلاق القول فيها، يعني فتح باب الوسوسة، وتضييع للدين والعبادة. فإذا حفظ إنسان بيوم يأتي، أخذ بيومين: يومين من قبل الشهر، ويومين من بعد الشهر، فالنهاية يصوم الناس ليس ثلاثين يوما، وإنما يصومون أكثر من ثلاثين يوما على قاعدة الاحتياط. وهذا خطأ وتنطع وبدعة. قال: واختلفوا فيما إذا رؤي الهلال ببلد، هذه مسألة أخرى. الآن انتهينا من المسألة الأولى، وهي مسألة الهلال إذا غم ولم يظهر في يوم التاسع والعشرين، فماذا نصنع في يوم الثلاثين؟ هل نعتبر أنه أول يوم من رمضان، أو أننا نعتبر أنه يوم الثلاثين من شعبان؟ الجواب: لا دلت الأذلة الشرعية أننا نعتبره يوم الثلاثين من شعبان، نكمل عدة ثلاثين. أما المسألة الثانية: في رؤية الهلال. قال رحمه الله: واختلفوا فيما إذا رؤي الهلال ببلد، فهل يلزموا الناس جميعا الصيام أم لا؟ فالمشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، وأتباعه: وجوب الصوم على عموم المسلمين في أقطار الأرض، لأن رمضان ثبت دخوله، وثبت أحكامه، فوجب صيامه. وهو من مفردات مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا. ومعنى «من مفردات» يعني مما روي مفردا في قول بعض من روى عن أحمد. ويوجد غيره روى عنه خلاف ذلك. قال: وهو مذهب أبي حنيفة أيضا. وذهب بعض من العلماء إلى عدم وجوبه، وأن لكل أهل بلد رؤيتهم. وهو مذهب القاسم بن محمد، وسالم، وعبد الله بن عمر، وإسحاق. يعني: العبرة بالمنازل، أن لكل بلد رؤية، وليس معنى «كل بلد» يعني كل أمير لا، ولكن العبرة بالمطالع. فمطالع الأرض تختلف. وسيأتي التنبيه على ذلك. قال: لما روى كريب قال: قدمت الشام، واستهل رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة. رأوا الهلال بالشام ليلة الجمعة. قال: ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فأخبرته. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت. فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. قال: فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية، وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وفاد هذا الحديث أولا: أن عمل الصحابة رضي الله عنهم كان على النظر إلى المطالع، لأن المطالع تختلف، ليست شيئا واحدا. وأفاد ثانيا: أن ذلك مما فهموه من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمروا به. والمراد بالأمر: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». هذا الذي أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام. يعني أنهم يتابعوا الهلال، يتابعوا الهلال. فما دام أنهم رأوا الهلال ليلة السبت، فإذن سيصومون السبت. وما دام أولئك رأوا ليلة الجمعة، فسيبدأون الصيام يوم الجمعة. وهكذا واضح. فالعبرة برؤية الهلال. للحديث الذي سبق معنا: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». فقلنا: استفدنا أولا: أن الصحابة كانوا يعملون بالمطالع. وثانيا: أن سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفادت أن العبرة بالصيام لماذا؟ بالرؤية. أن العبرة بالصيام بالرؤية. وهذا الذي فهموه وعملوه، وعملوا بمقتضاه. وأفاد هذا الحديث كذلك ثالثا: أن العبرة بالرؤية إلى وحدة الرؤية. وهنا ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي: إذا لم توجد الرؤية، واختلفت المطالع، فهل يلزم المخالفة أو يكفي المتابعة إذا أمر ولي الأمر بذلك؟ الجواب: الثاني. يعني إذا كانت بلدة كبيرة وتحت أمير واحد، ورأى بعض أهل البلد الهلال، ولم يره طرف الآخر، مع أن المطالع تختلف، فأمر الأمير بصيام ذلكم اليوم، فعلى الجميع أن يصوم. بخلاف إذا صار البلد الآخر، أو نفس البلد لكن في جهة أخرى، اختلف المطلع، رأوا الهلال في يوم آخر، فهنا لهم ما رأوا، ولو كان أمير واحد. لدليل هذا الأثر عن عبد الله بن عباس. إذا رأوا الهلال على خلاف الرؤية التي رأى الأمير، فلهم أن يخالفوا الأمير. لهم أن يخالفوا الأمير إذا كانت بلدتهم بعيدة، إذا كانت أرض بعيدة. وأما إذا كان بلد واحد، ومطلع واحد، فالواجب أن يتابع الأمير. فالصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس. والغالب أن الإمارة تكون في مطلع واحد، هذا هو الغالب أن الإمارة تكون في مطلع واحد. طيب. قال رحمه الله: وذهب الشافعي، بالمشهور عنه، إلى التفصيل، وهو أنه إن اختلف المطالع، فلكل قوم حكم مطلعهم. وإن اتفقت المطالع، فحكمهم واحد في الصيام والإفطار. وهذا كما قلنا: لا إشكال فيه فيما إذا ثبتت الرؤية، فلكل قوم مطلعهم. ثبتت الرؤية عند هؤلاء على خلاف الرؤية عند هؤلاء، فهم أمروا بأن يعملوا بما علموا من السنة: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته. مثلا لو قدر أن الجزيرة كلها بلدة واحدة، يعني تحت أمير واحد. جزيرة العرب كلها تحت أمير واحد، لو قدر ذلك. فرأى قوم الهلال في جنوب الجزيرة، ولم ير قوم الهلال في شمال الجزيرة، وقضى الأمير بأن يكمل عدة الشهر ثلاثين، هل يفطر الذين رأوا الهلال في جنوب الجزيرة؟ الجواب: لا، لأن المطلع يختلف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». فما دام أهل الجنوب رأوا الهلال، وهم متأكدون من ذلك، وجب عليهم أن يصوموا، لأنهم رأوا الهلال. بخلاف إذا ما رأوا الهلال، ورؤي الهلال في شمال الجزيرة، فأعلن الأمير بأن البلاد كلها رمضان، فلا يقول: نحن ما لم نر الهلال، إذن لا نتابع. لا، بل يتابعون. بل يتابعون. فهاتان مسألتان مختلفتان: إذا رؤي الهلال، ولم يعلن الأمير، وجب الصيام. وإذا لم ير الهلال، وأعلن الأمير الصيام، فيتابع الأمير على الصيام. لأمرين: الأمر الأول: أن المثبت مقدم على النافي. ومن علم حجة على من لم يعلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ بشهادة عبد الله بن عمر، كما سيأتي في إثبات دخول شهر رمضان، وهو رجل واحد، أثبته للجميع. فكذلك من باب أولى في هذا المقام. والأمر الثاني: أن الأدلة العامة تدل على أن المسلم عليه أن يتابع في صومه وفطره الناس. خرج من هذا النص الخاص: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». فعند الرؤية لا بأس أن يصوم الإنسان، ولو لم يصم غيره. مثلا نأتي إلى مسألة أضيق من هذه المسألة: أنت رأيت الهلال، ومتأكد أنك رأيت الهلال، ثم جئت تبلغ، وقد أعلنوا أن غدا ليس رمضان، لماذا؟ لأنه لم ير الهلال. فجئت تبلغ، قلت: الهلال رأيناه. قالوا: خلاص قد أعلنا، ما في وقت نعلن للناس، قد أعلنا. لا بأس أنت أن تصوم، لأنك رأيت الهلال، أوجب الله عز وجل عليك الصوم. وهذه مسألة ستأتي كذلك. واختلف أهل العلم فيها. والصحيح: أن من رأى الهلال عليه أن يصوم. من رأى الهلال عليه أن يصوم، ويتابع الناس بذلك. ومن لم ير الهلال، أو أخذ بحكم الأمير بعدم رؤية الهلال، فإنه لا يصوم. فإنه لا يصوم. فهاتان مسألتان مختلفتان. ننتبه لهما. فضلا من البقية، لا البقية يتابعون الأمير. نعم، البقية يتابعون الأمير، لا يأخذون بقول هذا الرجل، ما دام أن الأمير لم يعتمده، لأنه ربما يكون أخطأ، ربما لا تقبل شهادته عندهم، أو غير ذلك. لكن هو في نفسه، بما بينه وبين الله، متأكد أنه رأى الهلال، إلا أن يصوم. بما بينه وبين الله، متأكد هو يصوم. ومقابل هذه المسألة مسألة أخرى، وهي مسألة الفطر. الفطر يوم يفطر الناس. ومعناه: أن الفطر ليس كالصيام. الفطر ليس كالصيام. فإذا أفطر الناس، لو قدر أن الإنسان رأى الهلال قبل، فإنه لا يجاهر بفطره، لا يجوز المجاهرة بالفطر، بل يسر به. لظاهر هذا الحديث. مثلا نفس الشيء: رأى الهلال شوال، ولم تقبل شهادته، وسيأتي معنا أن هلال شوال على شاهدين، وهلال رمضان يكفي فيه شاهد واحد، لما صح بذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث. فإذا كان وراء هلال شوال، يسر بفطره، ولا يظهره للناس. بل بعض أهل العلم قال: لا يكفي شهادة واحد في هلال شوال، ولو كان هو راء، حتى يتابعه إنسان آخر، لأن المخالفة في الفطر أشد من المخالفة في الصيام. ولأن النص جاء بذلك، جاء بالتشديد في الفطر، اشترط فيه شاهدان، بينما في الصيام اكتفى الشرع بشاهد واحد. قال رحمه الله تعالى: وذهب الشافعي، المشهور عنه، إلى التفصيل، وهو أنه يختلف المطالع، بل لكل قوم حكم مطلعهم. وإن اتفقت المطالع، فحكمهم واحد في الصيام والإفطار. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن مرزوق في كتاب «العقد الزلال في مفاضلة رؤية الهلال»: أنه إذا كان البعد بين البلدين أقل من 2226 من الكيلومترات، فهلالهما واحد، وإن كان أكثر فلا. وهذه المسافة قالوا: إنها مسافة البعد بين المطلعين. هكذا ذكروا. وقد ذكر بعض المتقدمين نحو هذه المسافة. وقد نقل الصنعاني رحمه الله تعالى في «شرح العمدة» بتعليقه على شرح ابن دقيق العيد، عن تاج الدين التبريزي: أنه أثبت المسافة بين المطلعين بقدر 25 فرسخا، بقدر 25 فرسخا. فالعهدة على هؤلاء الناقلين. والله أعلم. وإن كان هناك شيء من الأجهزة الحديثة التي تثبت وجود المسافة في الفرق بين المطلع والمطلع الآخر، فذاك يرجع إلى ذاك، وهذا يرجع إلى أهل الهيئة وأهل هذا العلم والتخصص. ومع ذلك ينبغي أن ننتبه: لا يلزم من اختلاف المطالع لزوم حصول التخالف في رؤية الهلال. لا، لا يلزم. لأنه قد تختلف المطالع، لكن يتفق حصول رؤية الهلال. يحصل اتفاق في رؤية الهلال. ولكن لا يلزم من اختلاف المطالع اتحاد الهلال. قد يختلف. وهذا الذي وقع في هذا الحديث الذي سمعناه في زمن معاوية رضي الله عنه، فإن الهلال اختلف في الشام وفي المدينة، اختلف الهلال في الشام وفي المدينة. رؤية هناك يوم الجمعة، ورؤية في المدينة يوم السبت، ليلة السبت. فإذن إذا اختلفت المطالع، فهي مضنة الاختلاف، وليس من لازمها الاختلاف. وفرق بين المسألتين واضح. إذا اختلفت المطالع، فهي مضنة الاختلاف. ومعنى «مضنة الاختلاف» يعني قد يحصل الاختلاف، لكن ليس يلزم الاختلاف. وفرق بين المسألتين، لأنه قد يحصل الاتفاق، قد يحصل الاتفاق. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث أولا: أن صيام شهر رمضان معلق برؤية الناس، أو بعضهم، للهلال. صيام شهر رمضان معلق برؤية الناس. ومعناه: أنه ليس متعلق بالحسابات الفلكية، ولا بالأجهزة كذلك. أجهزة الهيئة وما كان بمعناها. بل الشرع ألقى هذا الحكم على الرؤية المجردة. ولا يخفى على الله عز وجل ما سيكون في آخر الزمان من الأجهزة الحديثة التي يمكن أن يكتشف بها اكتمال الهلال وعدم اكتماله. كما لا يخفى كذلك أن هناك علما يسمى بعلم الهيئة والنجوم، يعرف به حساب مثل هذه الأشياء. لكن الشرع أهمل مثل ذلك. لماذا؟ قال العلماء: لثلاثة أمور. الأمر الأول: أن ذلك يشق على جميع الناس، فأكثر الناس لا يحسن هذا العلم. والإسلام ما جاء لأجل أناس مخصوصين، بل الإسلام دين السهولة والسماحة، فهو دين الراعي في رأس الجبل، يريد يعرف شهر رمضان، ما عنده إذاعة، ولا عنده كذلك هاتف جوال، ولا عنده وسائل اتصال. عنده في رأس الجبل الهلال، ينظر إليه. إن رأى الهلال صام، ما رأى الهلال أكمل العدة. ماذا؟ كم؟ ثلاثين. وهذه المصلحة أعظم من مصلحة التدقيق في رؤية ماذا؟ في رؤية الهلال واكتماله. إذن الفائدة الأولى: أن الحكم جاء لجميع الناس، ولتيسير ذلك ألغى الشرع هذا العلم وحسابه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا، ثلاث مرات». يشير بعشرة. يعني ثلاثين. وهكذا ثلاث مرات. يشير مرتين يشير بعشرة، والمرة الثالثة بتسعة. يعني التسعة وعشرين. الشهر يأتي ثلاثين، ويأتي تسعة وعشرين. متى يأتي ثلاثين؟ إذا لم ير الهلال. ومتى يأتي تسعة وعشرين؟ إذا رؤي الهلال. هذا يعرفه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، ومن يقرأ ومن لا يقرأ، ومن يكتب ومن لا يكتب. الكل يعرف ذلك. والإسلام جاء لتيسير الأحكام للناس. فلذلك ألغى الحسابات الفلكية، واعتمد على الرؤية المجردة: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». والفائدة الثانية من فوائد الاعتماد على الرؤية دون الاعتماد على الحساب: أن الاعتماد على الرؤية يقين، والاعتماد على الحساب ظن. وما أكثر خلاف الفلكيين في الحساب. ما أكثر خلاف الفلكيين في الحساب. على سبيل المثال: حساب أوقات الصلاة، نجد أن الفلكيين لهم في ذلك خلاف في طريقة الحساب، ومعرفة زاوية الشمس، زاوية ميل الشمس. وكذلك في تطبيق ذلك على مستوى ارتفاع الأرض وانخفاضه. وبالتجربة قد تكون إحدى الطرق الحسابية هي أحسن من غيرها، لكن لا يلزم أن تكون دائما على صواب. لا يلزم أن تكون دائما على صواب. لكن كيف نعرف الصواب من الخطأ؟ بتطبيق هذا الجدول الحسابي على الواقع. فإذا طبقنا على الواقع، ووجدنا أنه يوافق الواقع، فعند ذلك نشهد بأن هذا الجدول الحسابي صحيح، فنبدأ نعتمده. وإذا طبقنا على الواقع، فوجدناه يخالف، أخذنا بماذا؟ بما في الواقع. أخذنا بما في الواقع. معرفة الفجر الصادق، معرفة الضحى، معرفة العصر، معرفة المغرب، معرفة العشاء. كل ذلك له علامات شرعية مذكورة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك بالنسبة لرؤية الهلال. والأمر الثالث كذلك مما فيه فائدة اعتماد هذا الحكم على الرؤية دون الحساب: ما سيشير إليه المؤلف رحمه الله الآن. قال رحمه الله تعالى: ورد ابن دقيق العيد تعليق الحكم به على حساب المنجمين. وفي كتاب ابن دقيق العيد على حساب النجوم، لأن المنجمين يدخل في معنى أهل الكهانة والتنجيم. لكن مراده أهل حساب النجوم. قال: وبين الصنعاني: أنه لو توقف الأمر على حسابهم، لم يعرفوا إلا قليل من الناس. ليس قليل فقط من الناس الذين يعرفون هذا العلم، بل قليل من المحققين في هذا العلم. قليل من المحققين في هذا العلم. إذن يحتاج على هذا: أن يكون هناك من وسائل من وسائل نقل الأخبار، ما يمكن به إشاعته الشهر. وهذا لا يمكن لكثير من الناس. يعني معناه: أننا نبطل على الناس الصيام، إلا أن يسألوا هؤلاء الناس. كيف نسمع بأمة فيها الملايين، الملايين من المسلمين، المتناثرين في مشارق الأرض ومغاربها؟ كيف يسمعون؟ وهو يعتمدون على هؤلاء أهل الحساب؟ ربما يقعدون في جلسة، وهم يختلفون: هل نقول بكذا أو نقول بكذا؟ وكم يقعد الناس ينتظرون الخبر الذي في البحر، والذي في البر، والذي في المدينة، والذي في الريف؟ لكن مثل هذا الحكم، والاعتماد على الرؤية، كان فيه اليسر والسهولة. إذن خلصنا بذلك: أن في ذلك فوائد. أولا: أنه أيسر وأسهل للناس. وثانيا: أنه كذلك سبب لحصول اليقين، وهو اليقين الغالب يكون بالرؤية. وأن الخطأ من مضنة حساب المنجمين، أو أهل النجوم. والثالث: أن أهل المعرفة به قليل. أهل المعرفة به قليل. قال رحمه الله تعالى: والشرع مبني على ما يعرفه الجماهير. يعني: الشرع مبني على الشيء الذي يتعارف به أكثر الناس. لماذا؟ لأن المشقة تجلب التيسير. والمشقة تجلب التيسير. ولو كان مع هذا التيسير شيء من المفسدة، لكن هذه المفسدة معفوة مع مصلحة انتفاع الكثير بهذا التيسير. انتفاع الكثير بهذا التيسير. وهذا له أمثلة ونظائر كثيرة في الشرع. فمن أمثلته ونظائره: التيسير في مسألة التيمم، والتيسير في مسألة الاستنجاء. وهذه كلها مبنية على هذه القاعدة: قاعدة النظر إلى مصلحة الجماهير. مع أنه ربما يحصل فيها شيء من المفسدة، لكن المفسدة يسيرة، تغتفَر عنها، ويغتفر أمرها مع المصلحة العامة التي تعم في ذلك الأمر. قال: ثانيا: وكذلك الفطر معلق بذلك. كما أن الصيام معلق بالرؤية، كذلك الفطر معلق بالرؤية. وهنا تأتي مسألة: هذه الرؤية، ما هو الحد الذي يكفي فيها؟ وهي مسألة الشهادة. وكما قلنا قبل قليل: دلت الأدلة على أن شهادة الرجل الواحد تكفي في إثبات دخول شهر رمضان. لما ثبت من حديث عبد الله بن عمر، مروي عن أبي داود، والدارمي، والحاكم، وابن حبان، بإسناد صحيح: أن عبد الله بن عمر قال: «فرأى الناس الهلال، فرأيت الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس بصيامه». فقبل النبي عليه الصلاة والسلام شهادة عبد الله بن عمر، وهو رجل واحد. وجاء معناه، ويحسنه بعض أهل العلم، وفيه ضعف. الحديث: عبد الله بن عباس. ورواه أهل السنن: أن عرابيا جاء، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى الهلال رمضان، فسأله عن إيمانه بالله وبرسوله، ثم أمر المنادي أن ينادي بصيام الشهر. والحديث حسنه جماعة من أهل العلم، بمجموع طرقه. وبحديث عبد الله بن عمر. أما بالنسبة لرؤية هلال شوال، فدلت الأدلة: أنه لا يكفي فيها رجل واحد، بل لابد من رجلين. ودليل ذلك: أحاديث، منها ما جاء عند أحمد، والنسائي، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن شهد شاهدان مسلمان، فصوموا وأفطروا». وجاء كذلك في حديث الحارث بن حاطب: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمير مكة، قال: «عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية، فإن لم نره، وشهد شاهد عدل، نسكنا بشهادتهما». والحديث رواه أبو داود، والدارقطني، وهو حسن بمجموع طرقه. فهذا الحديثان يدلان على أن الصيام والإفطار يكون بشهادة رجلين، خصوصا الإفطار. فقد تأكد في هذين الحديثين. الحديث الأول والحديث الثاني. بقي: كيف في الحديث ذكر «شاهدان» في الصيام؟ وقد جاء قبل قليل: أنه يكفي شاهد واحد. أجيب عن ذلك: بأن هذا هو الأصل: أن شهادة رجلين. ولكن دل الشرع على أنه إذا لم يوجد إلا رجل واحد، فإنه يعفى عنه، لحديث عبد الله بن عمر الذي تقدم. وهذا هو القول الذي دل عليه الدليل. وبعضهم فصل، فجعل تفصيل فيما إذا كان هناك غيم، فيكفي شهادة رجل. وإذا لم يكن، وكان صحوا، فلابد من رجلين. والصواب: الله تعالى أعلم: أنه يكفي رجل، لعدم الاستفصال في ذلك من الحديث. حديث عبد الله بن عمر. فيكون حكم الرجلين منسوخ في صيام الشهر، وغير منسوخ بالنسبة للإفطار. قال رحمه الله تعالى: ثالثا: أنه إن لم ير الهلال، لم يصم إلا بتكميل شعبان ثلاثين يوما. وكذلك لم يفطروا إلا بتكميل رمضان ثلاثين يوما. يعني: إذا لم ير الهلال، فلابد من إكمال الشهر ثلاثين يوما. لما دلت عليه الأحاديث الكثيرة. ومنها هذا الحديث. قال: رابعا: أنه إن حصل غيم أو قتر، قدروا عدة شعبان تمام ثلاثين يوما. وقال الصنعاني: جمهور الفقهاء، أهل الحديث، على أن المراد من «تقدر له» أي في لفظة الحديث: إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. كما فسره في حديث آخر. والحديث الآخر هو حديث أبي هريرة الذي مر معنا قبل قليل. وجاء معناه، كما قلنا، من حديث ابن عباس، وحديث عائشة، وجماعة من الصحابة. قال: خامسا: يعني من فوائد هذا الحديث: أنه أي الصيام يوم الثلاثين من شعبان مع الغيم ونحوه، ما ينبغي. نسخة: «لا يصام». طيب. والألف واللام زائدة. طيب. من فوائد هذا الحديث خامسا: قال: أنه لا يصام يوم الثلاثين شعبان مع الغيم، لما ورد من النهي الخاص في النهي عن صيام يوم الشك. ولما سمعنا من أن الحديث معناه على القول الصحيح: إكمال عدة الشهر ثلاثين، إكمال عدة الشهر ثلاثين. وننتهي من هذا الحديث كذلك: بأن هذا الحديث أفاد أهمية النية للصيام. أهمية النية للصيام. لقوله عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». وقد أشار المؤلف رحمه الله إلى ذلك في الحديث. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له». والحديث على القول بصحته، يكون معناه ما سبق تفصيله، والكلام عليه في درس سابق. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين.