الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 55

الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 55، الدرس الخامس والخمسون:من( ومن الفروق الصحيحة:التفريق بين وجوب الزكاة والنفقات ... أو الوقوف أو الوصايا أو يجب عليه في كل منهما واجب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الواجبات المالية والتكليفية

يشرح الشيخ ابن بريك الفرق بين الواجبات المالية مثل الزكاة والنفقات التي تجب على غير المكلف، وبين العبادات التي لا تجب إلا على المكلف. يبين أن الواجبات المالية تتعلق بالمال وتجب على الجميع.

تفاصيل الواجبات المالية

يتم التفريق بين الواجبات المالية التي يجب أداؤها حتى بدون مال، مثل نفقة الزوجة والأبناء، وبين ما يتطلب الاستطاعة المالية مثل الحج. يُبيّن أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مثل الكسب لقضاء الدين.

أحكام السببين في الزكاة والوصايا

يشرح المقطع الفروق بين الأحكام عندما يكون هناك أكثر من سبب مستقل لتنفيذ حكم معين، مثل زكاة الفطر وزكاة المال، ويوضح أن كل سبب يؤدي إلى حكمه الخاص. يضرب أمثلة مثل العبد المعد للتجارة.

حكم النفقة على الزوجة وتداخل الحقوق

إذا كفيت الزوجة بالنفقة فلا حاجة إلى نفقتين، لأن الحق يتداخل والمقصود هو الإكفاء بالنفقة. هذا مفهوم ما ذكره الشيخ في درس اليوم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة التفريق بين وجوب الزكاة والنفقات والعبادات المالية على غير المكلف، وبين عدم وجوب الصلاة والصوم والحج عليه لعدم تكليفه. ويشبه هذا إيجاب ضمان المتلفات على المكلف وغيره؛ لربط الحكم بسببه الموجب للضمان. وهذه المسألة وما بعدها كذلك، كما ذكر رحمه الله من التقاسيم والفروق الصحيحة. قسم العلماء ما يجب إلى قسمين: واجب كفائي، وهو ما يتعلق بالجميع، أو نقول واجب تكليفي، وهو ما يتعلق بكل مكلف. والمكلف عند الفقهاء هو المكلف، من هو المكلف عند الفقهاء؟ المكلف عند الفقهاء هو البالغ العاقل. مر معنا في دروس سابقة أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ذكر تسمية المكلف على وجه الإثبات، وأنكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لمعاني هذا التعبير وهذا الحكم المهم. هذا شيء اشتهر في اصطلاح أهل العلم؛ لفظ يريدون به العاقل البالغ. فأحكام تتعلق بالمكلف، أي البالغ العاقل، وأحكام أخرى تتعلق بكل مسلم، بغض النظر عن كونه بالغًا أو عاقلًا أو غير ذلك. فالأول ما كان من خطاب التكليف، والثاني ما كان من خطاب الوضع، وهو ما يسمى بالحكم الوضعي. فالحكم الوضعي ما تعلق الأمر بسببه أو شرطه ونحوه، مما هو من تعلق الأمور بأوصافها الملازمة لها، بخلاف الحكم التكليفي؛ فهو ما تعبد الله عز وجل الناس بفعله، وله تفاصيل في كتب الأصول. فالشاهد أنه هنا قال: ومن الفروق الصحيحة التفريق بين وجوب الزكاة والنفقات والعبادات المالية على غير المكلف، وبين عدم وجوب الصلاة والصوم والحج عليه لعدم تكليفه. الأول من خطاب الوضع؛ فإنه يلزم كل من تعلق به هذا الحكم. فمثلًا طفل صغير ورث من أبيه مالًا بلغ للنصاب وحال عليه الحول، هل فيه الزكاة؟ الصحيح أن فيه الزكاة، خلافًا لبعض الظاهرية الذين خالفوا في هذه المسألة؛ لأنه من خطاب الوضع. فالزكاة حق المال، فكل مال بلغ النصاب وحال عليه الحول وجب فيه الزكاة؛ يعني من النقدين مثلًا، وكل مال بحسبه؛ لأن هذا الحق في المال بغض النظر عن الشخص، بالغ أو غير بالغ، صغير أم كبير. ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على تفصيل أو تفريق بين مال الصغير أو الكبير. بل كان يطلب أمر الزكاة في الأموال، والغني يسمى الصغير والكبير. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، فهو حق المال. وهكذا سماه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولم يثبت لا عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة التفريق في ذلك بين المكلف وغير المكلف، حتى قال بعضهم: هو إجماع؛ يعني إجماع سكوتي. وأما الصلاة والصوم والحج ونحوها، فهي عبادات يحتاج لأجلها العقل والبلوغ، وهكذا كذلك الشروط الأخرى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». فمعنى أن تعليم الصلاة سبع، فضلًا عن فرضيتها. وهكذا كذلك الصوم، وهكذا كذلك الحج. فإذا كان كذلك، صار هذا التفريق تفريقًا صحيحًا لما سبقت الإشارة إليه. ومثله قال: ويشبه هذا إيجاب ضمان المتلفات على المكلف وغيره؛ يعني أن المكلف وغير المكلف إذا أتلف شيئًا، فهو من الخطاب الوضعي؛ من تعلق الشيء بسببه. فإذا كان كذلك، فإنه يضمن، ولو كان صغيرًا. طيب الصغير كيف يضمن؟ الجواب: ولي الصغير يدفع؛ إن كان الصغير عنده مال، يأخذ من ماله ويضمن ما أتلف. وإن كان ليس عنده مال، فولي هذا الصغير يدفع؛ لأنه له مثل ما عليه، أو عليه مثل ما هو له، كما أنه يرث من هذا الصغير إذا مات وعنده مال، فكذلك يضمن إذا أفسد هذا الصغير شيئًا ولم يكن عنده مال. وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى في أحكامه الشرعية. قال: لربط الحكم بسببه الموجب للضمان؛ لأنه كما قلنا من خطاب الوضع؛ ربط الحكم بسببه. فالأصل هو تضمين المباشر، فإذا كان المباشر لا يملك، فإنه يضمن وليه؛ كما في هذه المسألة بعينها. وهكذا كذلك في الذي قبل النفقات كذلك. مثلا رجل جن، فقد عقله، وعنده مال، فإن هذا المال الذي عنده يصرف على ورثته أو على من تجب النفق عليه. ونحو ذلك يقال كذلك فيما هو يشبهه. قال رحمه الله: ومن الفروق الصحيحة أن القدر على التكسب غنى يمنع صاحبه أخذ الزكاة لحاجته، ويوجب عليه فيه قضاء الدين والنفقات الواجبة؛ لأن الواجب قد تقرر عليه، ولا سبيل إلى أدائه إلا بالكسب الذي يقدر عليه، فوجب عليه. وليس ذلك بغنى يوجب الحج؛ لأنه مما لا يتم الوجوب إلا به، والأول مما لا يتم الواجب إلا به. يقول: من الفروق الصحيحة التفريق بين من ليس عنده مال، لكن عنده قدرة على كسب المال، فإنه يجب عليه أن يكسب المال لأجل قضاء الدين، ولأجل كذلك النفقة الواجبة؛ كالنفقة على الزوجة والأبناء ونحو ذلك؛ لأن الواجب تقرر عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إذا كان النفق على الزوجة واجبة وأنت تستطيع أن تعمل، ولو ليس عندك مال، يجب عليك أن تعمل لتنفق على زوجتك. النفقة على الأبناء واجبة، وأنت ليس عندك مال، لكن تستطيع أن تعمل، يجب عليك أن تعمل لأجل أن تنفق على الأبناء؛ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا كذلك قل في كل واجب وجب في حق الشخص، فإنه يجب عليه أن يكتسب إن كان ليس عنده مال لأجل أن ينفق أو يؤدي. ويسقط هذا الواجب الذي عليه، بخلاف ما إذا كان هذا الواجب ليس واجبًا عليه إلا إذا كان المال موجودًا، مثل الحج. الحج واجب لمن كان مستطيعًا، فإذا كان هذا ليس عنده مال أصلا، لا نقول له: اذهب فاجمع المال أو اذهب واعمل واكتسب يجب عليك أن تذهب وتكتسب لأجل أن تحج؛ لا؛ لأن الشرع لم يأمر بذلك. إنما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ما قال: لله على الناس حج البيت. لو قال: لله على الناس حج البيت، صار ماذا؟ هذا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو ماذا؟ فهو واجب. بخلاف النفقة على من تجب النفقة عليه؛ «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». إذن ليس عندك مال وتستطيع أن تعمل وتكتسب، يجب عليك أن تعمل وتكتسب لتنفق؛ فهذا هو التفريق بين ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فهذا ليس بواجب. وقد صحت أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى. فمن تتبع مسائل هاتين القاعدتين وما ذكر في كتب أهل العلم، يتقرر عنده أن هذا من الفروق الصحيحة. قال رحمه الله: ومن الفروق الصحيحة أن العبد المملوك إذا كان للتجارة وجبت فيه زكاة الفطر وزكاة المال؛ لوجود السببين: الملك والتجارة. والذي لغير التجارة تجب فيه زكاة الفطر فقط؛ لانفراد سبب الملك وحده. وهكذا كل حكم له سببان فأكثر مستقلان، إذا وجد ترتب عليهما مقتضاهما. وإذا انفرد أحدهما ترتب عليه حكمه. مثل من وجد فيه سببان فأكثر من الأسباب التي يستحق بها الأخذ من الزكاة أو الوقوف أو الوصايا، أو يجب عليه بكل منهما واجب. هذا فرق آخر من الفروق الصحيحة. يقول: أن ما وجد فيه سببان، وكل سبب منفرد عن الآخر، فإنه يثبت فيه حكم كل سبب. ومن وجد فيه سببًا واحدًا، فإنه يثبت له حكم هذا السبب. ومثل بمن يملك عبدًا، وهذا العبد أعده للبيع والشراء للتجارة، فإنه عليه زكاة الفطر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر»، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الصدقة: أنها على من يمون؛ أي المرء، ومعناه على من ينفق عليه. والعبد من من ينفق عليه، فتجب له صدقة الفطر من سيده. وإذا عده للبيع والشراء، فهو من عروض التجارة، وعروض التجارة فيها زكاة العروض. فإذن يخرج له زكاتان ما دام باقيًا عنده ينفق عليه؛ فيخرج له زكاة الفطر إذا جاء وقت زكاة الفطر، يعني في رمضان في آخره، ويخرج عليه زكاة عروض التجارة إذا بلغ النصاب بنفسه أو مع غيره من جنسه ودار عليه الحول، فإنه يخرج زكاة زكاة العروض. فهنا يخرج زكاتان لوجود سببين منفردين في هذا أو في هذه العين. وإذا كان هناك سبب واحد، كان يكون هذا العبد ليس معدًا للبيع والشراء، ولكنه فقط للخدمة، فإنه فيه زكاة الفطر؛ لأنه يمونه وينفق عليه، فتجب فيه زكاة الفطر. وهذا ظاهر. وأما مسألة التنبيه على مسألة الرق وأحكام الرق، فهذا ليس مكانه، وسبق الكلام عليه في شرح منهج السالكين وغيره من دروس سابقة. ثم قال رحمه الله: وهكذا كل حكم له سببان فأكثر مستقلان، إذا وجد ترتب عليهما مقتضاهما؛ مثل ما سبق معنا. وإذا انفرد أحدهما ترتب عليه حكمه؛ يعني إذا كان واحد ترتب حكم واحد؛ مثل ما سبق في زكاة الفطر. قال: مثل من وجد فيه سببان فأكثر من الأسباب التي يستحق بها الأخذ من الزكاة أو الوقوف أو الوصايا، أو يجب عليه بكل منهما واجب. مثلا طالب علم وفقير، هنا سببان للزكاة، وهما متحدان، فيتصدق عليه ويعطى من الزكاة، وهي واحدة. وكذلك يجب عليه بكل منهما واجب، أو الوقوف أو الوصايا؛ مثلا زوجة وابنة عم، هي زوجة وابنة عم؛ لأنه ابن عم، وليس لها ولي إلا هو، من الذي ينفق عليها؟ ابن عمها ينفق عليها، وهي بنفس الوقت زوجة، فهو كذلك سينفق عليها. لكن هل نقول له: عليك أن تنفق عليها نفقتين؟ الجواب: المقصود هو حصول النفقة، المقصود هو إكفاء هذه المرأة. إن كفيتها بالنفقة دخلت؛ دخل السببان بعضهما في بعض، فلا يحتاج إلى نفقتين؛ لا يحتاج إلى نفقتين. واضح؛ لأن الحقها هنا يتداخل، والمقصود هو الإكفاء بالنفقة. وهذا هو قوله رحمه الله: إذا كان منفردًا. طيب نكتب بهذا، ونترك الباقي إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.