كتاب الحج 45

كتاب الحج 45

الدرس في كتاب الحج 45، الدرس الخامس والأربعون : من : ( الحديث الثاني والثلاثون بعد المائتين ... جواز انتفاع الواقف بوقفه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث أبي هريرة في ركوب الهدي وتفسير المفردات

يتناول المقطع شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه حول ركوب الهدي، ويشرح معاني المفردات مثل 'بدنة' و'ويلك'. يُفسر الحديث ويبين دلالة المفردات في سياقه.

أحكام الهدي وجواز الانتفاع به عند الحاجة والضرورة

يشرح المقطع جواز ركوب الهدي عند الحاجة دون ضرر، ويبين آراء أهل العلم حول وجوب أو جواز ركوب الهدي، مشيرًا إلى أن الإسلام دين العدل والرحمة.

حكم الركوب والحلب في الوقف واستعماله للضرورة والحاجة

يتناول المقطع آراء أهل العلم حول الركوب والحلب في الوقف، ويستدل بحديث رواه مسلم، ويبين أن الوقف يستعمل للضرورة والحاجة، مستندًا إلى استدلال البخاري بجواز انتفاع الواقف بوقفه عند الحاجة.

تتمة الكلام عن جواز الانتفاع ببدنة الصدقة عند الحاجة

يشرح المقطع جواز الانتفاع ببدنة الصدقة عند الحاجة الحقيقية مستندًا إلى الحديث النبوي الشريف، ويبين شروط الانتفاع بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، نكمل. أولًا، إسناد الحديث السابق، فما أعطيتكم إياه حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى غنمًا مرة. أخرجه البخاري في حديث 1701، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا مرة. وله روايات كما سبق ذكرها. قال الحافظ المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثاني والثلاثون بعد المئتين، قال: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلًا يسوق بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها. فرأيته راكبًا يساير النبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظه قال في الثانية أو الثالثة: اركبها، ويلك أو ويحك. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق كلامه على أحكام الهدي. وفي هذا الحديث مسائل، ونذكر أولًا إسناده. فأقرب الفاضح، ولفظ البخاري بحديث 1706، قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد، وهو ابن سلام أو ابن المثنى على خلاف، قال: أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فذكر الحديث، غير أنه قال: اركبها، فلقد رأيت راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم، والنعل في عنقها. والنعل في عنقها. ولفظة "ويحك" هي في البخاري، ليست في مسلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب قوله: "بدنة" بفتح الباء والدال، تطلق على الإبل والبقر لعظم أبدانها وضخامتها. والمراد هنا الناقة المهداة إلى البيت. ليستقم الجواب: ليست أي بدنة، وإنما بدنة مهداة إلى البيت، فهو هدي. قال ثانيًا: "ويلك" من الويل، وهو الهلاك، وهي كلمة تستعمل للتغليظ على المخاطب بدون قصد معناها، وإنما تجري على ألسنة العرب في الخطاب لمن وقع في مصيبة فغبب عليه، أو تستعمل للتنبيه والتحذير والإغراء لعمل ما يطلب منه. فهنا "ويلك" يعني لا تتأخر، افعل ما أمرك. قال: و"ويحك" كلمة يؤتى بها للرحمة والرثاء بحال المخاطب الواقع في مصيبة، يعني احذر لا تتأخر فتصيبك مصيبة. قال: و"ويل" و"ويح" مصدران يقدر فاعلهما دائمًا مستترًا فيه، كسائر المصادر. قال: المعنى الإجمالي: ما أهدي إلى البيت لا ينتفع منه بشيء؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأنه أخرج لوجه الله، فلا يرجع إليه، يعني لا ينتفع به. ولأجل هذا أورده الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله في باب الهدي؛ ليبين أن من أحكام الهدي أن الهدي قد خرج صدقة، فإذا مالكها لا يملكها، فلا ينتفع منها بشيء إلا ما يحتاج إليه. قال: فإن كان ثم حاجة إلى ركوبه أو حلبه، فلا بأس ما دام ذلك لا يضره. وسيأتي الكلام عليه في المسائل إن شاء الله. فإذا كانت هناك حاجة، فلا بأس. مثل هذا الحديث: الرجل ما عنده ما يركب، كيف يمشي من المدينة إلى مكة مشيًا، وعنده ما يركب به؟ الإسلام لا يأمر بمثل هذا، بل الإسلام دينه العدل والرحمة، فهو يضع الشيء في موضعه. ما دامت البدن موجودة يركبها، وإذا كان عنده غيرها فلا يركبها. والدليل ما جاء في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد غيرها» حتى تجد غيرها أو تجد ظهرًا. قال رحمه الله تعالى: ولهذا لما رأى رجلًا يسوق بدنة وهو في حاجة إلى ركوبها، رخص له في ذلك وأمره به. رخص لأن العرب كانوا يرون أن ذلك مما لا يجوز تعظيمًا للهدي. وأمره أمر استحباب. وإذا كان فيه مضرة فأمر وجوب. إذا ليس فيه مضرة فهو أمر استحباب، وإذا فيه مضرة على نفسه فهو أمر وجوب. قال رحمه الله تعالى: ولكون الهدي معظما عندهم لا يتعرض له، قال: «إنها بدنة مهداة إلى البيت»، فقال: «اركبها» وإن كانت مهداة إلى البيت. يعني هذا معنى الحديث: الرجل قال: «إنها بدنة»، ينبه النبي عليه الصلاة والسلام أن امتناعه من ركوبها ليس تعنتًا ولا غلوًا، ولكنه لأنه يرى الحرج ما دامت بدنة أن يركبها. قال: فعاوده الثانية والثالثة، فقال: «اركبها» مغلظًا له الخطاب، يعني لا تتأخر، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام يأمر، إذن استجب، هو أعلم بالخير والفضل أين هو. قال: ما يؤخذ من الحديث أولًا: تعظيم العرب للهدي واحترامه في قلوبهم، ثم جاء الإسلام فزاد من احترامه، وهذا ظهر. ثانيًا: جواز ركوبه وحلبه مع الحاجة إلى ذلك بما لا يضره، وهذا هو الصحيح. وقد اختلفوا في الركوب، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الركوب، قال به بعض الظاهرية. وذهب بعض أهل العلم إلى المنع من الركوب، وقال بذلك بعض الحنفية، ورُوي عن أبي حنيفة أنه تراجع عن ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الركوب عند الحاجة، وهذا هو كما حكاه الترمذي قول أحمد والشافعي وإسحاق. وهذا القول هو أقرب الأقوال لهذا الحديث. كما رأينا في رواية مسلم، وفي هذه الرواية يفهم من ذلك أنه عند الحاجة يركب فيها أو عليها. قال: وحلبه مع الحاجة إلى ذلك. كذلك الحل اختلفوا في الحل، فمنهم من منع مطلقًا، ومنهم من أجاز مطلقًا، ومنهم من فصل. والصحيح بذلك التفصيل: فإن احتاج إلى الحل أو كذلك زاد، فإنه يحلب منها. وهل عليه أن يعوض عما حلب أو احتُلب؟ هل يعوض عن ثمنه بقيمته ويتصدق؟ قال بذلك بعض أهل العلم. والصحيح لا يلزمه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر هذا الرجل بشيء، ما قال له: ادفع عوض المثل، ولا عليك عوض ولا شيء. فدل على أنه إذا احتيج إلى حلبها فلا بأس، فضلًا عن أن حلبها مما تدفع به ضرورة المالك أو ضرورة هذه الناقة. الناقة إذا تأخر فيها اللبن ولم تحلب ربما تتضرر، فهذا من باب أولى ألا حرج فيه. ولو كان ليس له به حاجة، أحيانًا يقول إنسان: ليس له حاجة في اللبن، لكن تحلب لدفع الضرر عن الناقة. قال رحمه الله تعالى: قال: وهذا أعدل المذاهب، وفيه تجتمع الأدلة: رواية مسلم ورواية البخاري. ومسلم كذلك الرواية الثانية في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: ثالثًا: إنما قيدناه بالحاجة وعدم الضرر؛ لما روى مسلم عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا». فهذه الرواية تدل على أن الحاجة تكفي في استعمالها، ليس الضرورة. فمن قال أنها لا تستعمل إلا عند الضرورة فهو خطأ. والصواب أنها تستعمل للضرورة ولغير الضرورة ولو كانت حاجة، خلافًا لما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله. وروي عن الثوري أن ذلك لا يكون إلا للضرورة. والصواب خلاف ذلك لهذين الحديثين. قال رابعًا: أخذ من هذا الحديث البخاري رحمه الله تعالى جواز انتفاع الواقف بوقفه إذا احتاج. مثل رجل وقف ثلاجة للناس يشربون، هل يجوز له أن يشرب منها؟ الجواب: نعم، إذا احتاج يجوز أن يشرب منها. أو تصدق ببيت للفقراء والمساكين، وجاء يومًا إلى المدينة وهو ما وجد مكان يبيت، هل يجوز أن يدخل في بيته الذي تصدق به وأوقفه للفقراء المساكين أن يسكن ويبيت فيه تلك الليلة؟ الجواب: نعم، يجوز أن يبيت فيه. وهذا مأخوذ من هذا الحديث؛ لأن هذه البدنة قد خرجت صدقة، خرجت صدقة، ومع ذلك جاز الانتفاع بها بهذا الشرط عند الحاجة. وإذا لم تكن حاجة فلا ينتفع بها. هذا خلاصة ما يذكر بالحديث، والله تعالى أعلم.