تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 6

تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 6

الدرس في تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في التقوى والطاعة

يبدأ المقطع الأول بالحديث عن التقوى والطاعة والإنفاق، مشيرًا إلى أهمية تقوى الله والاستماع والطاعة والإنفاق في سبيل الله. يُبرز المقطع ضرورة أن تكون التقوى قولًا وعملًا.

تفصيل الطاعة والإنفاق في القرآن

يشرح المقطع الثاني الآيات القرآنية التي تحث على الطاعة والإنفاق، ويوضح أهمية العمل بالسماع والامتثال لأوامر الله. كما يتطرق إلى معنى الفلاح وكمال الطاعات ومعنى قرض الله الحسن.

تفسير الآيات ومضاعفة الحسنات

يتناول المقطع الثالث شرح معاني الآيات القرآنية المتعلقة بمضاعفة الحسنات ومغفرة السيئات، ويبين أهمية الإخلاص والمتابعة في الأعمال. كما يفسر بعض الصفات الإلهية مثل الشكور والحليم.

ختام الدرس والتسليم

يشير المقطع الأخير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع التعبير عن العلم الإلهي والتسليم على النبي محمد وآله، ويُظهر نهاية النص بلغة تقليدية إسلامية.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون. إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم ويغفر لكم، والله شكور حليم، عالم الغيب والشهادة، العزيز الحكيم. قال المفسر رحمه الله: بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ناسخًا لقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، واسمعوا ما أمركم به سماع قبول، وأطيعوا، وأنفقوا في الطاعة خيرًا لأنفسكم، خبر يكون مقدرة جواب الأمر. ومن يوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون، الفائزون. إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا بأن تتصدقوا عن طيب قلب، يضاعفه لكم، وفي قراءة: يضاعفه بالتشديد، عشرًا إلى سبعمائة وأكثر، ويغفر لكم ما يشاء. والله شكور، أجزل عطاءً على الطاعة، حليم في العقاب على المعصية، عالم الغيب: السر والشهادة: العلانية، العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة، وفي خاتمتها، في هذه الآيات، يذكر ربنا سبحانه وتعالى، بعدما أمر من الأمر بألا يسير الإنسان ماله وولده ويكون فتنة له في الإقبال على ربه سبحانه وتعالى، يقول سبحانه بعدها: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا﴾. قال رحمه الله: قوله: ﴿اتقوا الله ما استطعتم﴾ ناسخ لقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، يشير إلى آية سورة آل عمران: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. وقد أشار هنا إلى أن هذا أحد قولين لأهل العلم، وقول آخر: أنه ليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ، وهذا الآخر هو الصواب، فلا تعارض من جهة المعنى، ولا دليل من جهة الرواية على وجود النسخ بين هاتين الآيتين، بل الصواب أن المسلم مأمور أن يشهد غاية المبالغة بأن يتق الله سبحانه وتعالى حق التقوى، بأن يأتي بها على أكمل وجوهها وأعلى درجاتها، ولا ينافي ذلك أنه يأتي ذلك بقدر استطاعته، فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». ولكن كذلك هذه الاستطاعة يستطيع المسلم أن يؤديها على أكمل وجوهها وأعلى درجاتها، بالصدق والإخلاص والكمال والتمام، ما يجعلها حق التقوى. ويستطيع أن يقصر في ذلك، فيكون هذا الاتقاء ليس فيه من الصدق والإخلاص ما يجعله يصل إلى تلك الدرجات والمقامات العالية والمقامات الرفيعة. فقوله سبحانه: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ أي: لا يكون التقوى قولًا فقط، ولكن ينبغي أن يكون قولًا وعملًا وحقًا وصدقًا. فما أكثر من يعرف معنى التقوى، وما أقل من يحقق هذه التقوى. فالتقوى ليست كلمة تقال باللسان ثم لا يوجد لها في الجوارح والأركان برهان، بل لا بد أن يتبعها من البراهين ما يبين صدق هذا التقوى الذي يدعيه هذا الإنسان. ولما كان مجاهدة النفس على شهواتها، وهكذا كذلك على الاتزان في محبوباتها وعواطفها، يحتاج إلى تقوى وإيمان، يستطيع به أن يتغلب على تلك الشهوات، وأن لا يضعف أمام تلك العواطف والمحبوبات، وهذا من أعظم ما تقع به الفتنة مع الأموال والأولاد، أتبعت هذه الآية لما سبقها. فالإنسان يجتهد في الوصول إلى تقوى الله بحفظ دينه واتزانه في التعامل مع شهوات نفسه ومع عواطفه ومحبوباته، حتى لا تطغى عليه تلك المحبوبات والعواطف والشهوات بما يخرجه عن معنى التقوى. وقد تقدم معنى التقوى: هو لزوم طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وقوله سبحانه: ﴿واسمعوا وأطيعوا﴾، قال: «اسمعوا ما أمرتم به سماع قبول»، لأن ليس المقصود أن تسمع الآذان فقط، ولكن كذلك أن تستجيب الجوارح والأركان، هذا المقصود من السماع. أسمعنا الله عز وجل هذه الآيات وغيرها كثير مما فيه من المواعظ التي تنفع الإنسان لو عمل بها. وليس المقصود هو السماع فقط، ولكن سماع قبول يكون ثمرته استجابة الجوارح والأركان لما أسمعنا الله عز وجل من الواعظات. وقوله سبحانه: ﴿وأطيعوا وأنفقوا﴾، قال: في الطاعة، وهذا تأكيد أن المقصود من السماع هو الطاعة والإنفاق، فهذا من العمل بالسماع، فلا يكون السماع صادقًا وحقيقيًا حتى يتحقق أمر العمل، وبه يتأكد أن الآية ليست ناسخة لما سبق. فقوله: ﴿وأطيعوا﴾ مثل قوله سبحانه في الآية السابقة: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، فحق التقوى هو العمل بهذه التقوى، لا فقط القول بها، بل وكذلك تفصيل بعد إجمال. فالإنفاق من الطاعة، ولكن جاء ذكرها على وجه الخصوص لأن الآيات السابقات في هذا السياق، حتى لا يمنع الإنسان حب مال أو كذلك خوف على مستقبل من أن ينفق في الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وقوله رحمه الله: «خبر يكون مقدرة جواب الأمر»، يعني في قوله: ﴿خيرًا لأنفسكم﴾، فإن هذه الجملة فيها تقدير، ويفهم هذا من السياق، فلا تتحقق هذه الطاعة وهذا الإنفاق إلا أن يكون المرء حريصًا على الخير، وحرصه على الخير منفعته راجع إليه. ومن يوقَ شح نفسه، وأولئك هم المفلحون، قال: «الفائزون». وكما تقدم معنا وتقرر وتكرر: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالمفلح فائز، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. فالمفلح ليس الذي فاز فقط، فقد قد يفوز ولكن لا يصل إلى درجة الفلاح، ولكن من أفلح فاز ووصل إلى درجة الفلاح. وذلك أن يصل إلى ما يحبه الله، وهو ما يدعو الله عز وجل في كثير من الأعمال الصالحة، حتى في الأذان: «حي على الصلاة، حي على الفلاح». ففلاح الإنسان أن يوفق لجميع الطاعات، ومنها الصلاة، وفلاحه في الآخرة أن يوفق إلى المجازاة الكاملة على تلك الطاعات. وكلما أكمل من الطاعات، اكتمل ماذا؟ فلاحه. فكمال فلاحه بكمال طاعاته، ولهذا أثيب بها بعد الأمر بالطاعة: ﴿وأطيعوا﴾، ثم في آخر الآية: ﴿فأولئك هم المفلحون﴾. وتقدم معنى في جملة في مثل هذه الجملة: أن تعريف طرفي الجملة فيه فوائد من أهمها الحصر، فإنه كأنه يقول: لا مفلحين ذلك اليوم إلا هؤلاء. من هم الذين حققوا الصفات المذكورة قبلها؟ فمن حقق الصفات المذكورة قبلها، فإنه يكون من المفلحين الذين لا يفلح غيرهم. وقول سبحانه: ﴿إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾، قال: «بأن تتصدقوا عن طيب قلب». وسمى الله عز وجل الصدقة قرضًا، لأن فيها إشارة إلى أن ما يدفعه الإنسان يحفظ له، وهذا من كرم الله سبحانه وتعالى، ومن كذلك تلطفه بعباده. فالله عز وجل كريم رحيم ودود، فقد أكرم هذا الإنسان بأن جعل له ما يعينه على الطاعات، فجعله بأحسن صورة وأحسن تقويم وأحسن خلقة، فجعل له من الأمور الحسية والمعنوية ما هي حجة عظيمة وكبيرة عليه. ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى أكرمه بأن ضاعف له الحسنات وتجاوز عن الكثير من السيئات، وليس هذا فحسب، بل عجل له بعض آثار الحسنات في الدنيا، ويستقبل له كذلك هذه الحسنات في الآخرة، فيحفظها له ويعطيها إياه مضاعفة. وكل هذا من المرغبات في المسارعة إلى الطاعة والإنفاق والعمل الصالح المذكور في الآيات السابقة. وقوله: «عن طيب قلب»، لقوله سبحانه: ﴿قرضًا حسنًا﴾. والحسن هو ما وافق الشرع وتحقق فيه الإخلاص. فإذا وافق الشرع، وكلما كان أكثر موافقة لأداب الشرع وحدوده كان أكمل، وهكذا كذلك أن يخلص ويصدق مع الله عز وجل فيه، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يقبل، وإذا قبل قد لا يقبل قبولًا كاملًا، كما قال الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وكل عمل لا يتحقق فيه الإخلاص فهو مردود على صاحبه. وهكذا كذلك موافقة الصواب وما يحب الله في لزوم كتابه وسنة نبيه جملة وتفصيلًا، حتى في آدابها، كما قال الله عز وجل: «لا تبطل صدقاتكم بالمن والأذى»، فالمن والأذى القول والفعل يبطل الصدقة، وهذا مما ينافي المتابعة والموافقة لآداب الكتاب والسنة في هذا الاستقراض الذي يستقرضنا الله عز وجل. وقوله سبحانه: ﴿يضاعفه لكم﴾، قاله: في قراءة: «يضاعفه لكم» بالتشديد، كما أشار في التعليق، قراءة لابن كثير وابن عامر، وهي كذلك لأبي جعفر ويعقوب، فقرأ هؤلاء الأربعة بالتشديد، وقرأ الباقون بغير التشديد. وكما تقدم: أن اللغة العربية لغة المباني والمعاني، فإذا اختلفت المباني اختلفت المعاني بما لا يضاد تلك المباني، لكن تزيد في المعنى بحسب زيادة المبنى. فزيادة المباني تزيد في المعاني، فيضاعفه مضاعفة مقدرة، ويضاعفه مضاعفة مكثرة. وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». فالسنة تفسر القرآن، فيضاعفه عشر حسنات، ويضاعفه إلى ما هو أضعاف تلك العشر، هكذا فسره العلماء بالجمع بين الآية والحديث. فمن مضاعفات العشر: المئة والألف وهكذا، لأنه قال: «إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». ومعناه أن هذه المضاعفة والتضعيف يكون بحسب عمل العاملين. فالذي يعمل عملًا صالحًا وكان عنده من الإخلاص والصدق والخشوع والخضوع والذل وحسن التعبد على أكمل الوجوه، تبلغ تلك المضاعفة إلى أعلى الدرجات والمضاعفات. ومن كان عنده تقصير في هذه المضاعفة، فإنه يكتب له بحسب ما كان من إحسان وما كان من تقصير. وفضل الله سبحانه وتعالى واسع. ومع ذلك يقول الله سبحانه: ﴿ويغفر لكم﴾، يعني ما يشاء مما قد يقع من تقصير، فيغفر السيئات، ويغفر كذلك في الإكرام بالحسنات، ويكرم. فإذا أكرمك قد تجاوز عنك كذلك، إذا أعطاك فوق ما تستحق، أعطاك فوق ما تستحق، فستر نقصك وغفره بأن أعطاك فوق ما تستحق. ومثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، ففيهم فلان. قالت الملائكة لله عز وجل: لم يأت إلا لحاجة. ومع ذلك لأنه حضر مجلس العلم، فمن بركة مجلس العلم أنه يغفر لهم ومن معهم، ومن معهم مع أنه جاء بالحقيقة ليس للعلم. فيقول الله عز وجل: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». انظر إلى الكلب ذكره الله عز وجل في القرآن لأنه رافق أولئك الفتية الصالحين، حتى الكلب أكرمه الله بالذكر لهذه الرفقة الصالحة. فبعض الأعمال تقصر بصاحبها، لكن يكرم الله عز وجل هذا العبد لسبب أو لآخر، فيكون هذا من واسع فضله وعظيم عطائه، وكذلك تجاوزه ومغفرته، وهكذا كذلك في السيئات. قال: «والله شكور»، قال: «مجازٍ على الطاعة»، يعني هذه الصيغة كما قلنا: صيغة تدل على المبالغة، أي: كثير الشكر على الطاعات. ومن شكره لطاعات عباده أنه يكرم فيها الإكرام الجزيل سبحانه وتعالى. وقوله: «حليم»، قال: «في العقاب على المعصية»، وهذا كذلك من تودده ورحمته وتلطفه بعباده سبحانه وتعالى. ومع ذلك فإنه يمهل ولا يهمل، فهو كما أنه غفور رحيم، وهو كذلك كريم وحليم، فهو شديد العقاب وسريع الحساب سبحانه وتعالى. عالم الغيب، قال: «بالسر والشهادة بالعلانية». وكما مر معنا: أنه إذا جمع بين الغيب والشهادة كان أحدهما للسر والآخر للعلانية، كان أحدهما للظاهر والآخر للباطن. والعزيز، قال: «في ملكه»، الحكيم في صنعه. وهذا من التفسير ببعض المعنى، فهو عزيز في ملكه، وكذلك في كل أفعاله سبحانه، وهو حكيم في صنعه، وفي كل أفعاله سبحانه وتعالى، ولكن هذا من التفسير ببعض المعنى بما يناسب المقام. إلى هنا والله تعالى أعلم. تنبيه: مرة معنا في درس سابق حديث صهيب، وأنه في الصحيحين نقلًا عن ابن كثير، والصواب أنه في صحيح مسلم، وليس بالصحيحين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.