الدرس في تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالقدر جزء من الإيمان، ويشمل الرضا والتسليم لأمر الله. الناس مع القدر أربعة أقسام: الساخط، الصابر، الراضي، والشاكر.
يجب على المسلم أن يحسن الظن بالله ويرضى بقضائه ويشكره عليه. ما يختاره الله خير مما يختاره العبد لنفسه.
التوكل على الله جزء من كمال التوحيد والإيمان، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بالقضاء والقدر وتوحيد الله.
المقطع ينتهي بدعاء الله لمنح المؤمنين الإيمان والتسليم بقضائه، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدي قلبه والله بكل شيء عليم وأطيع الله وأطيع الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، قال المفسر رحمه الله تعالى: في قوله ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ في قضائه، ﴿ومن يؤمن بالله﴾ في قوله: إلا المصيبة في قضائه ﴿يهدي قلبه﴾ بالصبر عليها، ﴿والله بكل شيء عليم﴾، ﴿وأطيع الله وأطيع الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ البين، ﴿الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا بهذه الآيات من سورة التغابن، هذه السورة العظيمة التي حوت عددًا من العظات والعبر والحكم والأوامر والنواهي والأخبار الصادقة، أحكام العادلة. وفي هذه الآيات، كما سمعنا، في قوله جل وعلا: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾، ثم جاء بعد ذلك ذكر أمر القدر، وفي هذا إشارة إلى أن الإيمان بالقدر من لوازم الإيمان، ومما يكفر به أهل الكفران، كما قال سبحانه: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾. قال المفسرون: «بقضائه»، أي بقضاء الله وقدره. وقال بعدها: ﴿ومن يؤمن بالله يهدي قلبه﴾، قال غير واحد من أهل العلم بالتفسير: في هذا إشارة إلى أن الإيمان بالقدر من الإيمان، وأنه لا يتم إيمان مؤمن بغير الإيمان بالقدر. ولهذا صار الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة؛ فإنه لا يتم إيمان مؤمن حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، أنه من الله سبحانه وتعالى. ثم أهل الإيمان يتفاوتون في هذا الإيمان بحسب تفاوتهم بالتصديق والتسليم لقضاء الله وقدره. ولهذا قال بعدها: ﴿ومن يؤمن بالله﴾، أي الإيمان الكامل التام بكل معاني الإيمان وأركانه، ومن ذلك الإيمان بالقدر على الوجه الأكمل، بما فيه من الرضا والتسليم لأمر الله وقضائه سبحانه وتعالى. والناس مع القضاء والقدر أربعة أقسام: منهم الساخط، ومنهم الصابر، ومنهم الراضي، ومنهم الشاكر. فأعلى درجات هؤلاء الأربعة هم الشاكرون لقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، لعلمهم ويقينهم أن ما يختاره الله عز وجل لهم خير مما يختارونه لأنفسهم. وفي الصحيحين، من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه، أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، وإن أمره كله له خير؛ إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن». وفي مسند الإمام أحمد، بسند صحيح، من حديث عباد بن الصامت رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله». قال: يا رسول الله، دلني على شيء أيسر من ذلك. قال: «ألا تتهم الله في شيء قضى به»، أن لا تتهم الله في شيء قضى به. ومعنى أحسن الظن بربك سبحانه وتعالى في كل ما يقضيه، في كل ما يقضي به، إن كان خيرًا أو كان غير ذلك؛ فإن كان خيرًا شكرًا، وإن كان غير ذلك صبرًا، بل وشكرًا؛ فإن ذلك خير له، لعلمه ويقينه أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. وهذه أعلى درجات الإيمان بالقضاء والقدر، أن تشكر الله على قضائه، حتى ولو أصابته الضراء؛ فرب ضراء سبب لسراء. ولنا في آيات الله الشرعية وآياته الكونية عظة وعبرة؛ فانظروا إلى قصة الخضر مع موسى عليه الصلاة والسلام، كيف أن خرق السفينة كانت في ظاهرها ماذا؟ ضراء، ولكنها في الحقيقة كانت عند الله سبحانه وتعالى سراء؛ لأن الله عز وجل أنجى هذه السفينة من ذلك الملك الظالم بهذا الضراء، هذه الضراء كانت مضرّة يسيرة بمقابل دفع مضرّة ماذا؟ أكبر منها. وهكذا ينبغي أن نؤمن بأن ما يختاره الله لنا خير مما نختاره لأنفسنا؛ موت الغلام للأبوين الصالحين ضراء، ولكنه عند الله سبحانه وتعالى سراء؛ كانت مضرّة جسيرة في مقابل مضرّة أكبر منها، وهي سلامة الأبوين في إيمانهما. فلذلك من فقد حبيبًا أو لم يحصل مغلوبًا، فليكن على يقين أن ما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. فإذا كان كذلك، فينبغي ماذا؟ ليس فقط أن يصبر ويرضى، بل ينبغي أن يشكر الله سبحانه وتعالى؛ إذ بصره بما لم يغسر، وإذ أوصله إلى ما لا يستطيع الوصول إليه. فلولا الله سبحانه وتعالى ما وصلنا إلى ما أراده الله لنا من الخير؛ فليس بحولنا ولا بقوتنا، ولكن بتوفيق الله سبحانه وتعالى لنا. فالأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾؛ فإن الإنسان قد يكره شيئًا وفيه الخير، والعكس قد يحب شيئًا وفيه الشر. ولذلك يكون عند العبد من التسليم بقضاء الله وقدره والرضا، بل والشكر، ما يكون عنده برد اليقين في باب القضاء والقدر. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يهدي قلبه﴾، قال المفسر رحمه الله: للصبر عليها، بل يهدي قلبه بحسب ما كان من يقينه في الإيمان بالقضاء والقدر؛ فإن ارتقى إلى أعلى المراتب، وهي الشكر، هدى الله عز وجل قلبه لليقين، وكذلك التسليم الذي يكون معه كمال الطمأنينة والرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره. ﴿والله بكل شيء عليم﴾، سبحان الله، ختمت هذه الآية بسعة علم الله عز وجل؛ فإذا آمنا بأن الله عز وجل بكل شيء عليم، لم يكن عندنا شك أن الله يعلم أن ما اختاره لنا خير مما نختاره لأنفسنا. فالواجب الإيمان بمقتضى هذا المعنى الذي نحن نصدق به، ومنه الإيمان بالقضاء والقدر. ثم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين﴾، قال المفسر رحمه الله: «البين»، يعني البلاغ الواضح الذي لا يزاحمه شيء. وفيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوح والبيان ما قامت به الحجة على الخلق جميعًا. والأمر بطاعة الله وطاعة رسوله بعد الإيمان بالقدر ليتناول معنيين اثنين: المعنى الأول التسليم لأمره الشرعي، والتسليم لأمره الكوني؛ أمره الكوني فيما يقضيه، فيسلم ويرضى وبقضاء الله سبحانه وتعالى. وليس معنى ذلك بما يناهي الشرع؛ بل نحن أمرنا بأن نأخذ بالأسباب، بمجاهدة الأعداء ومدافعة الباطل؛ وليس الرضا بالباطل من التسليم للقدر، بل الله عز وجل أمرنا شرعًا أن ندفع الباطل وأن نحافظ على الحق، وغير ذلك مما هو معلوم. وقوله سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، هذه الآية تشبه قول الله عز وجل: ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا﴾؛ فصارت جملة «لا إله إلا هو» ﴿الله لا إله إلا هو﴾ ظاهرها الخبر، ولكنها تتضمن معنى الطلب. وكما قيل: خبر أريد به الإنشاء، أي معناه: وحدوا الله سبحانه وتعالى، واخلصوا له جل وعلا وحده. «وعلى الله فليتوكل المؤمنون»، تقديم حق التأخير يفيد الحصر؛ أي لا يتوكل المتوكل تمام التوكل إلا أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده. وفي هذا كذلك أن من كمال التوحيد تمام التوكل عليه سبحانه وتعالى؛ فمن لم يتوكل على الله حق توكله لم يحق توحيد الله حق تحقيقه. وهذا يناسب كذلك الآيات السابقات في القدر؛ لأنك إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، آمنت بالله عز وجل في معاني ربوبيته وألوهيته، وتحقق لك حسن التوكل عليه سبحانه وتعالى وحده، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك». الحديث، هذا له ارتباط وثيق بالإيمان بالقضاء والقدر؛ لأجل أن نعلم أن معاني التوحيد مترابطة، وإذا انحلت واحدة أضرت بالأخرى؛ فلا يتم الإيمان بالقدر إلا بكمال التوكل عليه، وكمال الإيمان به وتوحيده والإخلاص له. ومعنى أن من اختل إيمانه بالقضاء والقدر اختل توكله على الله سبحانه وتعالى، واختل إيمانه وتوحيده وإخلاصه لله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، أي المؤمنون الكاملون الذين آمنوا بالله حقًا وصدقًا، هم الذين يتحقق منهم ثلاثة أمور فيما ذكرت في هذه الآيات، وهي: الإيمان بالقدر، والذي يستلزم توكلًا عليه، والذي يستلزم توحيدًا سبحانه وتعالى، والإخلاص له. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا إيمانًا وتوكلا ورضا بقضائه وقدره. وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه السلام.