الدرس في تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تحذير الله للمؤمنين من أن يكون أزواجهم وأولادهم عائقًا لهم عن طاعة الله، مشيرًا إلى ضرورة إعطاء الأولوية لطاعة الله دون منافسة من الارتباطات الأخرى. يُبرز أهمية عدم السماح للأهل والأولاد بأن يعيقوا المسلم عن أداء واجباته الدينية.
يُناقش هذا الفصل ضرورة توازن المسلم بين حبه لأهله وأولاده وأداء واجباته الدينية، محذرًا من أن يكون حب الأهل سببًا في التخلف عن أبواب الخير. يشدد على أهمية العفو والصفح، ويبين شروط قبول العذر بالجهل في مسائل الدين.
يستعرض هذا الفصل أهمية وضع كل حق في موضعه، مشيرًا إلى ضرورة عدم السماح لبعض الحقوق بتجاوز حقوق أخرى. يُبرز درسًا من الأحاديث النبوية حول هذا الموضوع، مثل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث سلمان مع أبي الدرداء.
بسم الله الرحمن الرحيم بحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من سورة التغابن، وفي هاتين الآيتين يذكر ربنا سبحانه وتعالى أمرًا عظيمًا مما قد يعترض أهل الإيمان ويكون سببًا في تثبيطهم عن الخير وتأخرهم عنه. قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، وكما تقدم معنا: إذا سمعنا نداء الإيمان فإنما بعده إما مما ينافي كماله فيُحذَّر، أو مما يستلزم كماله، ومن باب أولى ما ينافيه فيُحرص عليه. وهنا ذكر أمرًا عظيمًا، وهو مما ينافي الإيمان؛ فالمؤمن الكامل في إيمانه لا يقدم شيئًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. فإن قول المسلم «الله أكبر» - وهو أكبر من كل كبير، وهو أعظم من كل عظيم، وهو أحب من كل محبوب - وقول المؤمن «لا إله إلا الله» - أي لا معبود بحق إلا الله - تَستلزم ألا تزاحم هذه العبودية أي معنى من المعاني، ولو كانت محبة لقريب أو رحمة أو غير ذلك. وكما ذكر رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾، قال: «أن تطيعوهم في التخلف عن الخير كالجهاد والهجرة؛ فإن سبب نزول الآية لطاعة في ذلك»، يشير إلى ما أشار إليه بالتعليق بحديث ابن عباس رضي الله عنه - أرضاه - مرفوعًا، وروي موقوفًا: أنه سأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، قال: «هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني أن يهاجروا - قال: فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني بعد وقت فتأخروا - قال: رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم»، عندنا عمّ خطأ صوابه: «هموا أن يعاقبوهم» - يعني همّ هؤلاء أن يعاقبوا الزوجات والأبناء؛ إذ كانوا سببًا في تأخرهم في الهجرة واللحاق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فأنزل الله عز وجل هذه الآية، والتي فيها: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال المفسر رحمه الله: أي «عنهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير، معتلين بمشقة فراقكم عليهم». والمعنى: أنه كان ذلك الأمر خطأ، ولكن اعفوا عمن كان سببًا في هذا الخطأ. والحديث - حديث ابن عباس - ذكره شيخنا مقبل رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول»، وأشار إلى أنه من رواية سماك عن عكرمة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة - يعني كأنه تراجع عن تصحيحه - ولكنه له طريق أخرى أشار إليها بعض أهل العلم؛ قد جاء من طريق العوفي عن ابن عباس، وهكذا كذلك جاء موقوفًا، والموقوف في مثل هذا الباب له حكم الرفع؛ فيرتقي الحديث إلى الحسن، والله أعلم. فالشاهد من هذه الآية، ومع سبب نزولها، فيها الإشارة إلى أن المسلم والمؤمن يجب أن لا يزاحم حبه لأولاده وأزواجه حب الله سبحانه وتعالى، وأن لا يكونوا سببًا في تخلفه عن أي باب من أبواب الخير. وكذلك فيه: أن المسلم ينبغي أن لا يرد الخطأ بالخطأ؛ فهنا أمر الله عز وجل بالعفو والصفح والمغفرة لمَن صدر من هؤلاء؛ لأن هؤلاء فعلوا هذا عن جهل، ومن علم يؤاخذ أكثر مما يؤاخذ الجهل. فإذا كان العالم يتأثر بعواطف الجهال؛ فإنه يؤاخذ أكثر مما يؤاخذ ذاك الجاهل، فلا ينبغي لمن علم شيئًا من دين الله عز وجل أن يترك ما علم لعاطفة ورحمة وحب بعض من حوله ممن يثبطه عن الخير؛ فينبغي أن ينتبه لِمَثل هذا. وقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فيه كذلك إشارة إلى العذر بالجهل، وهذه آية من آيات كثيرة تدل على العذر بالجهل. والصحيح: أن العذر بالجهل يشمل جميع مسائل الدين؛ إلا ما كان معلومًا من الدين بالضرورة، فصار الدعوى بالجهل فيه مناف لِلْوَاقع؛ فإنه لا يُقبل. وأما ما كان قد يُعذر، وقد يُعذر؛ ما هو معلومًا من الدين بالضرورة، عند حديث عهد بالإسلام، أو من كان عائشًا يعيش في غير بلاد المسلمين، ممن لم يعرف الإسلام على حقيقته، ولو كان أصله مسلمًا؛ فكثير من المسلمين اليوم في بعض بلاد الكفار لهم من الإسلام الإسم فقط، ولا يعرفون من الإسلام شيئًا؛ فقط يعرف أنه ورث هذا الإسلام وراثة، وإلا فهو بعيد كل البعد عن دين الإسلام: عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك. وهذا من شؤم البقاء في بلاد الكفار؛ فأمثال هؤلاء أولاً قد تخفى عليهم بعض مسائل الدين، ولو كانت معلومة من الدين بالضرورة؛ لكن ليس في مثل تلك البلاد. لأجل أن نعرف خطأ قول من يقول: إن مسائل العقيدة ليس فيها عذر بالجهل، وهذا ليس بالصحيح؛ بل قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ فلا بد من بعث رسول حتى يكون عذاب، ومعناه العذر بالجهل في أصل الدين؛ فكيف بفروع مسائله، ولو كانت من مسائل العقيدة - على الصحيح -. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، قال: «لكم شاغلة عن أمور الآخرة»، أي: قد يكون سببًا في إشغالك وصرفك وتأخيرك عن أبواب الآخرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بأسانيد ضعيفة، لكن يشد بعضها بعضًا؛ عن عدد من الصحابة: عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة، وعن أبي مالك الأشعري، وعن أبي سعيد الخدري، وجماعة؛ قوله عليه الصلاة والسلام: «أولادكم مجبنة، وفي رواية: مبخلة، وفي رواية: محزنة». ومعناه: الحذر من أن يكون الأبناء والأزواج سببًا للبخل عن أبواب الخير في الإنفاق؛ فإن الإنسان قد يريد الإنفاق، فيمنعه البخل في إيثار ذلك لأهل بيته. ولكن ينبغي العدل في هذا الباب؛ ينفق بما لا يضر؛ «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت، أو من يعول». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس»، أو قال: «يتكففون الناس». ومع ذلك أمره أن يتصدق بثلث ماله، قال: «الثلث، والثلث كثير»؛ فلم يمنعه من التصدق بالثلث، ولكن منعه أن يتصدق بأكثر من الثلث؛ بما يكون فيه الإضرار بأهله وورثته. وهذا هو عدل الإسلام؛ وضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كمال وتمام. وهكذا في باب الجهاد في سبيل الله - في السيف والسنان، أو الحجة والبرهان - يكونون مجبنة؛ سببًا في التخلف عن هذا الواجب في مواضع وجوبه؛ لأجل الخوف على الأولاد والأزواج من بعد. ولكن إذا توكل على الله حق توكله؛ فينبغي أن يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ولن يخطئه ما أراد الله له. وليعلم أنه إذا أخذ بالأسباب الشرعية، واستجاب نداء الله؛ فإنه بإذن الله تعالى مأجور غير مأزور، ولن يكون مفرطًا في أولاده. ولكن الشأن كل الشأن: أن يزن ما يعرض عليه، وما يعرض بالموازين الشرعية الصحيحة؛ حتى يعرف ويميز بين الصواب من الخطأ، والواجب من غيره. وهكذا كذلك محزنة؛ سبب لدخول الحزن بما يكون من العاطفة لهم؛ فيشغل هذا الحزن الإنسان عن الطاعة؛ سواء في شيء مضى، أو في شيء سيأتي. فإن من الناس من يصاب بالهموم والغموم لسبب أشياء ماضية حصل فيها ما يحزنه، أو مستقبلة يخاف أن لا تأتي على ما يحبه؛ فيشغله ذلك ويؤخره ويثبطه عن أبواب الخير. بل ينبغي للإنسان أن تكون قاعدته: هو ابن يومه، لا ينظر إلى الماضي إلا نظر اعتبار، لا نظر حزن يشغله ويؤخره، ولا ينظر إلى المستقبل إلا نظر أمل وتفاؤل؛ حتى يدفعه ولا يؤخره. وينظر إلى حاضره ويومه بما يكون بإعماره على أكمل وجوهه وأحسنها، وبهذا - بإذن الله تعالى - يكون موفقًا في أموره كلها. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، قال: «فلا تفوته باشتغالكم بالأموال والأولاد»، يعني: لا تفوت هذا الأجر العظيم بما قد يشغلك من فتنة الأولاد والأزواج؛ حتى ولو كان في الأمور المستحبة. وقد ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب، فأتاه الحسن والحسين، فنزل عن المنبر وأخذ ولده، ثم قال: «صدق الله»، أو قال: «صدق الله ورسوله؛ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾». فالنبي صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتنه مشي هذا الحفيد بين يديه، وفي مثل هذا السن - يعني كان صغيرًا بالكاد أن يمشي - فقطع خطبته وكلامه، ثم أكمل عليه الصلاة والسلام؛ فهو لم يتأخر عن الخير، لكن ليبين لأصحابه رضي الله عنهم ورضاهم كيف أن الحب قد يشغل - يعني عن أبواب الخير -. فلا ينبغي للإنسان أن يشغله حبه عن مواضع الخير؛ فينبغي أن يضع كل شيء في موضعه، وفي وقته، وفي زمانه ومكانه؛ بما يلافي بما لا ينافي ما يحبه الله سبحانه وتعالى. فاجعل وقتًا لِقاعة الله، ولأبواب الخير، ووقتًا للأهل والأزواج والأولاد، ولا ينبغي أن تطغى الحقوق بعضها على بعض، وهذا هو الذي يدعو إليه الإسلام؛ أن يعدل المسلم في هذه الحقوق، ويعطي كل حق مرتبته التي تليق به؛ بما علمه من دين الله، ومن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولنا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث سلمان مع أبي الدرداء - والتكرر معنا كثيرًا - العظة والعبرة في هذا؛ بوضع الحقوق في مواضعها على الوجه الذي يليق بها، وأن لا تطغى هذه الحقوق بعضها على بعض. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.