الدرس في شرح مختصر السيرة 50، الدرس الخمسون :فيه : ( قصة سراقة بن مالك ... وكان آخره حارساً لهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي قصة سراق بن مالك أثناء هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وتغيير موقفه بعد دعاء النبي عليه. سراق بن مالك كان يطارد النبي وأبا بكر.
دعا النبي صلى الله عليه وسلم على سراق بن مالك فتغير موقفه وأصبح حارسا لهما. هذه القصة وردت في صحيح البخاري وبإسناد حسن عند البزار.
وجود الدنيا في اليد مع تعلق القلب بالآخرة والعلم النافع جائز، بينما تعلق القلب بالدنيا مذموم. الصحابة كانوا مثالا على التوازن بين الدنيا والآخرة.
الهم بالدنيا يؤدي إلى الفقر وعدم الرضا بما قسمه الله. من كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ولم يأتي منها إلا ما كتب له.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: قصة سراق بن مالك. قال: «فلما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء فيهما دية كل واحد منهما، لم يأتي بهما لمن يأتي بهما أو بأحدهما، وديته مئة من الإبل». قال: «أو بأحدهما، فجد الناس في الطلب، والله غالب على أمره». يعني اجتهد الناس في الطلب، وقد صح هذا معناه في صحيح مسلم، وجاء كذلك خارج الصحيح من طرق. قال: «فلما مروا بحي مدلج مصعدين من قديد، وقديد في طريق السائر من مكة إلى المدينة على طريق الساحل، وهي بلدة معروفة اليوم في طريق مكة جدة المدينة». قال: «بصر بهم رجل، فوقف على الحي، فقال: لقد رأيت آنفا أسودا، ما وراءهما إلا محمدا وأصحابه». ففطين بالأمر سراق بن مالك، فأراد أن يكون الضفر له، وقد سبق له من الضفر ما لم يكن في حسابه، يعني من خير الآخرة وخير الدنيا مما كتبه الله له. فقال: «بل هما فلان وفلان»، يعني يعمي على أصحابه، يريد أن ينال الهدية والجائزة التي وعد بها المشركون. قال: «بل هما فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما». ثم مكث قليلا، ثم قام فدخل خباءه، وقال لجاريته: «أخرجي بالفرس من وراء الخباء، وموعدك وراء الأكمة»، ويريد بذلك أن لا يراه أحد حتى ينفرد بالجائزة والهدية. قال: «ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه، فلما قرب منهم وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يكثر الالتفات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت». قال أبو بكر: «يا رسول الله، هذا سراق بن مالك قد رحقنا»، يعني قرب منا وأدركنا. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، «فساخت يدا فرسه في الأرض»، وغالبا يكون هذا في الأرض السبخة، وهي الأرض الرطبة من أثر رطوبة الماء المالحة. قال: «فساخت يدا فرسه في الأرض، فقال: علمت أن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي ولكما أن أرد الناس عنكما». فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلصت يدا فرسه، فانطلق وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتابا، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم، يعني في قطعة من جلد. وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة، فجاء به، ووفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرجع فوجد الناس في الطلب، فجعل يقول: «قد استبرأت لكم الخبر، وقد كفيتم ها هنا»، يعني لا يوجد أحد هنا، اذهب إلى مكان آخر. فكان أول النهار جاهدا عليهما، وكان آخره حارسا لهما. وهذه القصة أصلها بالصحيح في صحيح البخاري، وهكذا كذلك جاء معناه عند البزار بإسناد حسن، ولكن ليس بهذه التفاصيل التي ذكرها المؤلف، وأغلبها وأكثرها مما صح، مما صحت به الأخبار، وروي بأسانيد مقبولة. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. يقول: ما الجمع بين هذا الحديث ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل رزقه كفافا؟ وما الأنظر لطالب أن يكتنب في أن يكون غنيا أو يكتنب السعي، ويقتصر على طلب العلم والعيش كفافا؟ نعم. الثاني، وانظر ما نبهت إليه، وهو أن لا يكون أمر الدنيا في القلب، إذا كان أمر الدنيا في القلب، معناه صاحبه همه الدنيا وجمعها، وهذا مذموم. وأما إذا كانت في يده، فهو يسير بطريق الخير من علم نافع وعمل صالح، ويتسبب، وهذا التسبب قد يجعل الله عز وجل فيه البركة، فيأتيه الخير في يده، وقلبه معلق بماذا؟ بما أمره الله، وحته الله عليه من علم نافع وعمل صالح. ففرق بين المسألتين، ولا معارضة إن شاء الله بين الأمرين. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم أتاهم الخير في أيديهم لا في قلوبهم، كان الواحد منهم يتمنى التمرة، ثم صار الواحد منهم يملك الألف دينار، بل والألف ألف دينار. توفي بعض الصحابة وترك لبعض ورثته أكثر من ألف ألف دينار، يعني قليل مليون دينار. والدينار الواحد يعني يعادل واحدا من عشرين من النصاب، والنصاب اليوم قرابة كم؟ أربعمائة وخمسين ألف أو خمسمائة ألف. اقسموا خمسمائة قسمة عشرين، بكم؟ خمسمائة قسمة عشرين، صفر تبقى خمسين، خمسة وعشرين. هكذا خمسمائة مئتين وخمسين، صفر تبقى خمسين، خمسة وعشرين ألف، خمسة وعشرين ألف في مليون، يعني كم؟ نقاط حسب يا عبد الله، خمسة وعشرين ألف في مليون، أيش يقال لتسعة نقاط؟ مليار أو ماذا؟ مليار، يعني خمسة وعشرين مليار كان نصيب بعض ورثة بعض الصحابة لما يعادل عملتنا اليوم. وهذا لا يعني أن قلوبهم معلقة بالدنيا، لا، أتى الله بالدنيا إلى أيديهم وهم لا يريدونها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس: «من كانت الآخرة همه، يعني أغنى الله قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، وأتته الدنيا وهي راغمة». وأما من كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأتي من الدنيا إلا ما كتب له. طيب، هذا والله تعالى أعلم.