الدرس في القواعد والأصول الجامعة 108، الدرس مائة وثمانية : من : (القاعدة الستون ... فهذا آخر القسم الأول من الكتاب وهو القواعد والأصول). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح أسماء الشرط والاستفهام ودلالتها على العموم في القرآن الكريم، مع بيان أقسام أسماء الشرط. يوضح أهمية هذه الأسماء في فهم العموم في اللغة العربية.
يناقش أهمية ألفاظ العموم في الشريعة وأصول الفقه، ويبين كيفية الحكم بعموم مدخول هذه الألفاظ وتأثير القرائن اللفظية والحالية والنية في دلالتها على العموم.
يتناول شرح ألفاظ العموم في القرآن الكريم مثل "من" و"ما" و"أل" والمفرد المضاف، ويبين كيف تفيد العموم في الآيات القرآنية المختلفة.
أعلن المؤلف انتهاء القسم الأول من الكتاب وهو القواعد والأصول الجامعة، ويشير إلى البدء في القسم التالي حول التقاسيم والفروق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة الستون. قال: «من، وما، وأي، ومتى، والمفرد المضاف» يدل كل واحد منها على العموم. هكذا ذكر رحمه الله تعالى. وقال بعض أهل العلم: لو أنه أجمل لكان أحسن، فلو قال مثلا: «أسماء الشرط والموصولة والاستفهام كلها يفيد العموم»، لكان أخصر وأشمل. ولكن لعله رحمه الله تعالى فصل هذا التفصيل لأجل أن يبين أي الأسماء التي تفيد العموم، وكذلك لأنه ليس كل أسماء الشرط تفيد العموم. وذلك لأن أسماء الشرط عاملة وغير عاملة، وشرطية واستفهامية. فالشرطية، سواء أكانت استفهامية أو غير استفهامية، فإنها تفيد العموم. مثل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فكل من يتوكل على الله فهو حسبه، فهي تفيد العموم. وهكذا الاستفهامية: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، فكل من يقنط فهو من الضالين. وأما غير العاملة الشرطية غير العاملة، فقد مر معنا في دروس سابقة بأنها على ثلاثة أقسام. فإما أن تكون بالجمع، فإذا كان الجواب طلبا فإنها تفيد العموم. مثل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، الجواب طلب، فإذا كان كذلك فإنه يفيد العموم، ومعناه: كل من يخوض في آيات الله أعرض عنه، فهي تفيد العموم. ما أن «إذا» غير عاملة شرطية غير عاملة، لكنها اكتسبت بالجمع «يخوضون الذين يخوضون»، وجوابها أمر، فأفادت العموم. وأما إذا كان الخبر ماضيا فإنه لا يفيد العموم. مثل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ﴾، الجواب: «قالوا نشهد»، «قالوا نشهد»، فهذا لا يفيد العموم، وهي قاعدة؛ ولأن معناها في الحقيقة الحكاية والخبر، وما كان حكاية وخبر لا يفيد العموم. وأما الثالث: إذا كان الفعل للاستقبال، فكما قال ابن القيم: أفاد هذه الفوائد الثلاث رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد»: أنه إذا كان الفعل للاستقبال -أي الجواب- فالأكثر أنها تفيد العموم. ومن هذا الأكثر قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، وهذا حال كل مطفف غالبا، هذا حال كل مطفف غالبا. ومن القليل الذي لا يفيد العموم قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، فهنا الجواب فعل للاستقبال، ومع ذلك لم يفيد العموم. فإن قيل: ما هو الضابط الذي نميز به ما يفيد العموم مما لا يفيد العموم من القليل والكثير؟ الجواب: الضابط: ما كان حكاية وخبر فلا يفيد العموم، وما كان وصفا فإنه يفيد العموم غالبا؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، فأفاد ذلك العموم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «كل واحد من هذه الستة أصل كبير». والصحيح أن إفادة العموم ليس منحصر بهذه الستة، ولكن هذا هو الغالب العام. وإلا، فمبحث العام وألفاظ العموم عند الأصوليين كثيرة، أوصلهم بعضهم إلى أكثر من عشرين، بل بعضهم إلى ثلاثين نوعا. قال رحمه الله تعالى: «كل واحد من هذه الستة أصل كبير يتفرع عليه من الأمثلة في الكتاب والسنة شيء كثير». يعني: يفيد العموم، فأنت إذا تأملت كم هي من الشرطية التي يستفاد منها العموم في القرآن، وجدت شيئا كثيرا، أو في السنة وجدت شيئا كثيرا، وهكذا ما بعدها. قال رحمه الله تعالى: «فمتى وجدتها فاحكم لها بعموم مدخولها» -يعني ما دخلت عليه- بأنها تفيد العموم. ولا شك أن إفادة العموم في بعضها أقوى من بعض. فمثلا: ما تأتي استفهامية وشرطية وموصولة، وإفادة العموم في الشرطية أقوى وأكثر من الاستفهامية والموصولة. ولكن هذا يعلم بماذا؟ بالاستقراء والبحث. وإلا، فالأصل هي تفيد العموم. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك في كلام الفقهاء في الأحكام التي يرتبونها على الألفاظ في أبواب متعددة، خصوصا في الوقف والوصية والعتق والطلاق والإقرار وغيرها؛ لأن ألفاظ المتكلمين يستفاد منها عموم أو خصوص، إطلاق أو تقييد، تعميم أو تخصيص». فلو أوقف الإنسان وقفا فجعله لإنسان معين، كان على ذاك الإنسان، أو لوصف معين، كان لأهل ذاك الوصف، أو أطلقه، كان مطلقا. وهذا يستفاد من لفظه -نطقه الذي نطق وشهد عليه به- أو ما كتب به. وهكذا الوصية، وهكذا العقل، وهكذا الطلاق كذلك، وهكذا الإقرار. لو أقر لو أقر على نفسه بشيء، قال: «فلا تخرج عن هذا الموضوع إلا لتخصيص يقترن بها لفظا أو قرينة حالية أو نية تصرف عن موضوعها». أما التخصيص الذي يقترن بها لفظا، كأن يقول مثلا: «أوقفت مالي لكل من أتى وهو محتاج»، مثلا، فقال: «إلا من كان من بلدة كذا»، فهذا استثناء، قرينة لفظية. أو قرينة حالية، كأن يكون كلامه في حال كلامه عن جهة معينة أو وصف معين، فيقيد بتلك القرينة. أو نية تصرفها عن موضوعها، وهذا يحتاج إلى تصريح، يقول: «أنا نويت بهذا كذا وكذا»، فيشهد على ذلك الشهود. قال: «مثال ذلك من القرآن: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾»، فمن هنا من ألفاظ العموم، فكل من يتق الله يجعل له مخرجا. وإذا أردت أن تتأكد أنها تفيد العموم أو لا تفيد، ضع كل مكان لفظ العموم، وانظر هل يصح التعبير أو لا يصح؟ فإن صح التعبير فهو يفيد العموم غالبا. قال: «وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ كذلك -أي كافيه- فكل من اتقى اتقى الله، وكل من توكل عليه حصل له هذا الجزاء» -يعني أن الله يرزق من حيث لا يحتسب، وأن الله حسبه يعني كافيه وناصره ومغنيه-. قال: «وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ كذلك، ما تفيد العموم». قال: «فكل من قدم خيرا قوليا أو فعليا أو اعتقاديا وجده عند الله على هذا الوصف، فلا يضيعه الله سبحانه وتعالى». قال: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره». قال: «فكل من عمل خيرا أو شرا ولو كان أقل القليل، وجده جزاءه؛ لأن «من» من ألفاظ العموم، وخيرا كذلك نكرة في سياق الشرط، فأفادت العموم». قال: «وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وهذا كذلك فيه فيه معنى العموم. أين العموم؟ ها أين العموم؟ ها يبقى معا، آت يا بكر، آت. رضعت يدك. أنت أيما تدعو؟ نعم. قال: «وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ الآية، والشاهد في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾؛ لأنه معرف بأل، ولكن نقيد بأن الأل المراد هنا التي ليست عهدية وليست زائدة، فأل تفيد العموم». قال رحمه الله تعالى: «فكل إنسان خاسر إلا من استثناه الله». وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قول: ﴿يَعِدُ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، فكل وصف دخلت عليه «أل» -يعني في هذه الآية- يعم، يدخل بذلك الوصف. وتقيد التي ليست للعهد، وليست زائدة. ومر معنا التي للعهد -سواء العهد الذكري أو الذهني- فهي تفيد التقييد، أو كذلك التي هي زائدة، مثل: «الداخل على اليزيد والوليد» ونحوه. قال: «وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فهذا مفرد مضاف، يشمل كل نعمة ظاهرة وباطنة، دينية أو دنيوية. ومعناه أن المفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم. وهل هذا خاص بالمفرد الصحيح؟ لا، بل هو في المفرد وفي غير المفرد، وسواء أضيف لإسم ظاهر مثل: «بنعمة ربك»، أو أضيف إلى الضمير، فكله يفيد العموم. فمثال الجمع قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فهذا جمع مضاف إلى ضمير، وهو يفيد العموم. وهكذا كذلك، حتى لو كان مفرد أضيف إلى ضمير فإنه كذلك يفيد العموم. مثل: «أدب ولدك»، فليس ولدك المقصود به ولد واحد، المقصود كل الأولاد. فالمفرد إذا أضيف -سواء إلى اسم ظاهر مثل: «بنعمة ربك»، فـ«ربك» اسم ظاهر- أو أضيف إلى الضمير مثل: «أولادكم» أو «ولدك»، فإنه كذلك يفيد العموم، إلا أن تدخل قرينة لفظية أو حالية على أنه لا يفيد العموم. قال رحمه الله: «وقص على هذه الأمثلة ما أشبهها والله أعلم» -يعني مما يفيد العموم- وهذا كثير. وقلنا: بسط أهل علم الأصول في ذلك فصولا طويلة -فصولا في المطولات-. قال: «فهذا آخر القسم الأول من هذا الكتاب، وهو القواعد والأصول -يعني الجامعة- وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة. وإن شاء الله في الدرس اللاحق ندخل في التقاسيم والفروق». طيب. لهنا والله تعالى أعلم.