الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 81

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 81

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 81، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على شبهات حول الإسلام والإخلاص

يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية شبهة حول الفرق بين "كونوا له مسلمين" و"ونحن له مسلمون" في القرآن، ويبين وجوب الإخلاص لله والإسلام له. يشرح أن السكوت عن دعاء الناس للإسلام في بعض المواضع لا ينافي الدعوة له.

دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام ومعنى الإسلام

يشرح المقطع دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام ويبين معنى الإسلام وضرورة التوحيد وعدم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله. يشير إلى الآيات القرآنية التي تدعو إلى الإسلام وتبرز عقوبة من يشاقق الله ورسوله.

الميثاق على الأنبياء وأممهم بالإيمان بالرسل ووجوب الإيمان بالإسلام

يشرح المقطع ميثاق الله على الأنبياء وأممهم بالإيمان بالرسل، ويؤكد وجوب الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كونه خاتم الرسل. كما يبين أن دين الله هو دين الإسلام وأن ابتغاء غيره باطل، ويجب الإيمان بالإسلام لمن أدركه كونه ناسخ لجميع الأديان السابقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصلا، قال: وقولهم إنه لم يقل «كونوا له مسلمين»، ولكن «ونحن له مسلمون»؛ أي: عن العرب التابعين له، ولما أتى به وجاء في كتابه، فيقال لهم: هذا ونظائره كلام من لم يفهم القرآن، بل ولا يفهم كلام سائر الناس. فإنه إذا عرف من صاحب كتاب يقول: إنه منزل من الله، أو يقول: إنه صنف، وهو يدعو قوما بالأقوال الصريحة الكثيرة والأعمال البينة الظاهرة، كان سكوتهم عن دعائهم في بعض الألفاظ لا ينافي دعاءهم له. لكن إن كان حكيما في كلامه، كان للسكوت عن دعائهم في بعض المواضع حكمة تناسب ذلك. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾، أفتراه لما أمر أمته أن يقول: «ونحن له مخلصون» لم يكن أهل الكتاب مأمورين بالإخلاص لله؟ يعني: أن هذا مثل ذاك. قال: فما كان جواب هنا، فهو جواب هناك. قال: وقد ذكر أمر أهل الكتاب بالإخلاص في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وكذلك دعاهم إلى الإسلام، وتوعدهم على التولي عنه في مثل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال: فقد بين سبحانه أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، أي: كانت نفسه سفيهة جاهلة. هذا أصح القولين في ذلك، وهو مذهب الكوفيين من النحاة، يجوزون أن يكون المنصوب على التمييز معرفة كما يكون نكرة. ثم أخبر عنه أنه إذ قال له ربه: «أسلم»، قال: «أسلمت لرب العالمين»، وذكر أن إبراهيم وصى بها بنيه، ويعقوب وصى بها بنيه أيضا، كلاهما قال لبنيه: «يا بني، إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون». ثم ذكر أن يعقوب عند موته قال لبنيه: «ما تعبدون من بعدي؟» قالوا: «نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون». فهؤلاء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، كلهم على الإسلام، وهم يأمرون بالإسلام. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال: فقد أخبر أنهم إن تولوا عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، المتضمن قولكم: «ونحن له مسلمون»، فإنما هم في شقاق. أي: مشاقون لله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ في العنكبوت، أي: في سورة العنكبوت، فهو مثل قوله: ﴿وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ﴾ في البقرة، أي: في سورة البقرة. قال: مع دعائهم إلى الإسلام، وكذلك في سورة آل عمران، في قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فقد دعاهم أولا إلى الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وهذه الآية هي التي كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك الروم لما دعاه إلى الإسلام. وقال في كتابه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين». وفي الحديث: «يؤتك الله أجرك مرتين». قال: «وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين». والأريسيون: قيل: أتباعه، وقيل: أهل مذهبه. قال: ﴿وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام في كتابه الذي أرسله إليه. وقال أيضا في آل عمران، أي: سورة آل عمران: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فذكر التوحيد في هذه الآية، وكفر من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا، فكيف بمن اتخذ الأحبار والرهبان أربابا؟ ثم ذكر الإيمان بخاتم الرسل، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. قال: فقد ذكر أنه أخذ الميثاق على النبيين وأممهم: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، لتؤمنن به ولتنصرنه. وهذا يتناول الأمر لكل أهل الكتاب إذا جاءهم رسول ثاني أن يؤمنوا به وينصرونه، وإن كان عندهم من الكتاب والحكمة ما كان. ولا يقولون: نحن مستغنون بما عندنا من الكتاب والحكمة، لا نؤمن بالرسول الذي جاءنا. ونخص الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه خاتم الرسل، وهو آخر الرسل، وهو آخر رسول جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب. فوجب على من جاءه أن يؤمن به وينصره، وإن كان عنده من الكتاب والحكمة ما كان. وهذا الميثاق أخذه الله على الأنبياء، وأخذوه على أممهم. ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه. فمن ابتغى غيره، فقد ابتغى غير دين الله، وهو دين الإسلام الذي قال فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. هذا الفصل أورده كما سمعنا وقرأنا، للرد على النصارى في زعمهم أن قول الله عز وجل: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يدل على تخصيص دعوة النبي عليه الصلاة والسلام للعرب والتابعين لهم. وهذا ليس بصحيح، بل كما أورد رحمه الله: أن هذا الأسلوب من أساليب العربية الفصيحة التي لا يقصد بها التخصيص، وضرب به بعض الأمثلة التي لا يخفى على عاقل أنها لا تفيد التخصيص. مثل: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾، فليس معنى هذا أن أهل الكتاب ليسوا مدعوين إلى الإخلاص. زيادة على ذلك أن هذا اللفظ مجمل، وبين وفصل في نصوص أخرى. وهكذا ينبغي للناظر في النصوص أن يجمع بين مطلقها ومقيدها، وعامها وخاصها، ومجملها ومبينها، وغير ذلك مما إذا أراد الإنصاف يصل إلى الحق. وأما إذا أراد المجادلة بالباطل، فإنه سيجد كما يجد غيره الكثير عليه، كما هو يجد على غيره. فكما تدين تدان. فإذا كان كذلك، فما يبقى حق في الأرض؛ لأن كل واحد سيجادل بهواه بما يتملص به من الحق. وأما إذا كان هناك إنصاف، فسيكون هناك إدعان للحق بعد النظر بجميع أوجه الأدلة، فيأخذ بإنصاف ما يقتضيه الدليل. وأورد رحمه الله الأدلة الكثيرة التي تدل أن أهل الكتاب قد أمروا بالإيمان بما يأتي من نبي ورسول وكتاب، فضلا عما جاء ذكره على وجه الخصوص بأمر نبينا عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنا إن شاء الله فصل خاص في الكلام على الأدلة التي أنزلت على أهل الكتاب فيما يدعوهم إلى الإيمان بما يأتي من أمر نبينا عليه الصلاة والسلام، وما ذكره من أمر الإسلام في خبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. فهذا كما مر معنا وتقدم: أن الإسلام يطلق بمعنيين: المعنى العام، والمعنى الخاص. المعنى العام هو دين التوحيد الذي بعث به الأنبياء جميعا، والمعنى الخاص هو المسمى الخاص لما بعث به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي هو دين الإسلام. وقد طولب الناس جميعا بالأمرين. طولب الناس جميعا بالإسلام الذي هو التوحيد، دعوة إبراهيم ومن تبعه. وطولب بالإسلام لمن أدركه، أي: بما يبعث به نبينا عليه الصلاة والسلام. فمن أدركه وجب عليه الإيمان به؛ فإنه ناسخ لجميع الأديان. وباقي الكلام ظاهر إن شاء الله، والله تعالى أعلم.