الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 3

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 3

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وحدة رسالة الأنبياء وأهمية الإسلام

دين الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده وطاعة رسله. الإيمان بجميع الرسل شرط للإيمان بالله تعالى.

تمييز الحق من الباطل عبر المعجزات والابتلاء

التحديات التي واجهها الأنبياء تظهر الحق وتبرز عجز المعارضين. الدين الحق يزداد قوة مع الامتحان بينما يظهر فساد الباطل.

ضرورة اتباع الحق ووحدة الدين

الله جعل لكل حق باطلًا لتمييزه، وأهل الباطل يتناقضون بينما الحق واضح. ضرورة اتباع الإسلام كدين موحد.

التأكيد على النية والاستعداد للعمل بإذن الله

التعبير عن العزم على القيام بعمل ما بإذن الله وتأكيده على ذلك. تكرار العبارة للتأكيد على التصميم والتوكل على الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: تابع الجواب الصحيح من بدل دين المسيح، وكان دينه الذي طبعه الله لنفسه، ودين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، ولا يقبل من أحد دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو دين الأنبياء وأتباعهم. كما أخبر الله تعالى بذلك عن نوح ومن بعده، أي الحواريين. قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾. قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. وقال تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وأخبر تعالى عن السحرة: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ وَمَا نَقْمُ مِنْكَ إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. وقال تعالى عن بلقيس ملكة اليمن: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. وقال تعالى عن المسيح: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله عليه السلام. فليكن عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله، كالذين قال فيهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. فلا يكون مؤمنًا به إلا من عبده بطاعة رسله، ولا يكون مؤمنًا به ولا عابدًا له إلا من آمن بجميع رسله وطاع من أرسل إليه، فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي بعده، فتكون الطاعة للرسول الثاني. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن فَرَّقَ بَيْنَ رُسُلِهِ فَآمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ولم يكن بعده رسول ولا من يجدد الدين، لم يزل الله سبحانه وتعالى يقيم لتجديد الدين من الأسباب ما يكون مقتضيًا لظهوره، كما وعد به في الكتاب، فيظهر به محاسن الإيمان ومحامده، ويعرف به مساوئ الكفر ومفاسده. ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين، ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾. وقال الرسول: «يا رب، إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا». وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين، وتفى بربك هاديًا ونصيرًا. وذلك أن الحق إذا جحد وعرض بالشبهات، أقام الله تعالى له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات، بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة. فالقرآن لما كذب به المشركون واجتهدوا على إبطاله بكل طريق، مع أنه تحداهم بالإتيان مثله، ثم بالإتيان بعشر سور، ثم بالإتيان بصورة واحدة، كان ذلك مما دل ذوي الألباب على عجزهم عن المعارضة مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب. ولو اتبعوه من غير معارضة وإصرار على التبطيل، لم يظهر عجزهم عن معارضته التي بها يتم الدليل. وكذلك السحرة لما عارضوا موسى عليه السلام، وأبطل الله ما جاء به، كان ذلك مما بيّن الله تبارك وتعالى به صدق ما جاء به موسى عليه السلام. وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبراهينهم التي تسمى بالمعجزات، وبين ما قد يشتبه به من خوارق السحرة وما للشياطين من التصرفات. فإن بين هذين فروقًا متعددة، منها ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾، ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. ومنها ما بيّنه في آيات التحدي، من أن آيات الأنبياء عليه السلام لا يمكن أن تعارض بالمثل، فضلًا عن الأقوى، ولا يمكن أحدًا إبطالها، بخلاف طوارق السحرة والشياطين، فإنه يمكن معارضتها بمثلها وأقوى منها، ويمكن إبطالها. وكذلك سائر أعداء الأنبياء من المجرمين، شياطين الإنس والجن، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، إذا أظهروا من حججهم ما يحتجون به على دينهم المخالف لدين الرسول، ويموهون في ذلك بما يلفقونه من منقول ومعقول، كان ذلك من أسباب ظهور الإيمان الذي وعد بظهوره على الدين كله بالبيان والحجة والبرهان، ثم بالسيف واليد والسنان. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وذلك بما يقيمه الله تبارك وتعالى من الآيات والزلازل التي يظهر بها الحق من الباطل، والذي يميز به بين العاطل والهدى، والصدق من المحال، والغي من الرشاد، والصلاح من الفساد. وهذا كالمحنة للرجال التي تميز بين الخبيث والطيب. قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. والفتنة هي الامتحان والاختبار، كما قال موسى عليه السلام: ﴿إِنَّهَا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ﴾، أي: امتحانك واختبارك، تضل به من خالف الرسل، وتهدي به من اتبعهم. والفتنة للإنسان كفتنة الذهب إذا أدخل كير الامتحان، فإنها تميز جيدًا من رديئه. فالحق كالذهب الخالص، كلما امتحن ازداد الجودة، والباطل كالمغشوش، إذا امتحن ظهر فساده. فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر وناظر عنه المناظر، ظهرت له البراه، وقوي به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين. والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل، ورام أن يقيم عوده المائل، أقام الله تبارك وتعالى من يقلب بالحق على الباطل، فيدمغه فإذا هو زاهق، وتبين أن صاحبه الأحمق الكاذب المائق. وظهر فيه من القبح والفساد والحلول والاتحاد والتناقض والإلحاد والكبر والضلال والجهل والمحال، ما يظهر به لعموم الرجال أنه من أضل الضلال. حتى يظهر فيه من الفساد ما لم يكن يعرفه أكثر العباد، ويتنبه بذلك من كان لا يميز الغي من الرشاد. ويحيى بالعلم والإيمان من كان ميت القلب، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا. مما أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا ينكر منكر المغضوب عليهم والضالين. فإنما ذم الله فيه اليهود والنصارى في كتابه، مثل تكذيبهم للحق، المقالف للهواء، والاستكبار عن قبوله، وحسب أهله، والبغي عليهم، واتباع سبيل الغي والباطل والجبن، وقسوة القلوب. ووصف الله سبحانه وتعالى بأمثال عيوب المخلوقين ونقائصهم، وجحد ما وصف به نفسه من صفات الكمال المقتصة به، التي لا يماثله فيها مخلوق. ومثل الغلو في الأنبياء والصالحين، والإشراك في العبادة لرب العالمين، والقول بالحلول والاتحاد، الذي يجعل العبد المخلوق هو رب العباد. والخروج في أعمال الدين عن شرائع الأنبياء والمرسلين، والعمل بمجرد هوى القلب وذوقه ووجده في الدين، من غير اتباع العلم الذي أنزله الله في كتابه المبين. واتخاذ أكابر العلماء والعباد أربابًا، يتبعون فيما يبتدعونه من الدين، المقالب للأنبياء عليه السلام. كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ومقابلة صريح العقول، وصحيح المنقول، مما يظن أنه من التنزلات الإلهية والفتوحات القدسية، مع كونه من وساوس اللعين، حتى يكون صاحبها ممن قال الله فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. إلى غير ذلك من أنواع الضلالات التي ذم الله بها أهل الكتابين، فإنها مما حذر الله منه هذه الأمة. وجعل ما حل بها عبرة يؤلي الأبصار. إلى هنا، إن شاء الله، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، أو في أول هذا الفصل، مجموعة من المباحث. ويريد بها رحمه الله تعالى أن يبين ما تميز به هذا الدين مما يوجب على كل منصف متابعته. فأشار أولًا إلى أن دين الأنبياء واحد، وهو دين الإسلام. وما من دين بعث الله عز وجل به نبيًا إلا ونبي ذلك الدين يدعوهم إلى الإسلام، والذي هو الميل عن الشرك والاستقامة على التوحيد. فإذا كان كذلك، فالنصارى الذين هم من أهل أحد تلك الأديان، أمروا بهذا المعنى، ودين الإسلام ودين التوحيد. ولهذا سمي الإسلام إسلامًا، الميل عن الشرك والاستقامة على التوحيد. ومعناه أنه كان لزامًا على النصارى أن يمتثلوا ما أمرهم به نبيهم، وأن يتبعوا ما دعا إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عليه وعلى آله وسلم، فكله يخرج من مشكاة واحدة. وهذا توطئة لما سيأتي ذكره مما عند القوم من الشرك والضلال، الذي يوجب لكل منصف ممن عرف روح دين الأنبياء أن يترك ما عليه من الباطل، ويستجيب للحق الذي علمه في دينه، وفي دين الإسلام. وأنه يخرج من مشكاة واحدة. والمبحث الثاني: أبان رحمه الله تعالى أن الرسل عليه الصلاة والسلام إذا كانوا جاءوا بدعوة واحدة، وجب عدم التفريق بما جاءوا به. بل من آمن بواحد منهم، لزمه أن يؤمن بالآخرين، ما دام أنهم جاءوا من عند رب واحد وإله واحد، وهو الله سبحانه وتعالى الذي أرسلهم. ثم ذكر الأدلة على ذلك في الكتاب، وله أمثال عند اليهود والنصارى، أي: ما يدعوهم للإيمان بالرسل جميعًا، بل وعندهم ما فيه الإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام، على وجه الخصوص، كما سيأتي إن شاء الله، الإشارة إليه. ثم أشار رحمه الله تعالى، وهذا توطئة أخرى، إلى بعض أسباب ظهور الإيمان والدين. وأن من حكمة الله جل وعلا أن جعل لكل حق باطلًا، فإن الحق لا يعرف إلا بالباطل، كما أن النور لا يعرف إلا بالظلمة. لا يعرف فضل النور إلا بوجود الظلام، فلو كان الوقت كله نورًا ما عرف فضله، لكن بالظلام علم فضل النور، وبالباطل علم فضل الحق. فكان من سنة الله جل وعلا أن جعل لأهل الحق معارضين معاندين. ومعنى يا من استمسكت بدين النصارى، لا تكن من هؤلاء الهالكين الذين جعلهم الله عز وجل عبرة وآية لمعرفة الحق. ثم أشار إلى بعض الأمثلة على هذا المعنى، وأنه كيف جعل الله عز وجل لكل نبي عدوًا من شياطين الجن وشياطين الإنس. وهكذا انتقل إلى المبحث الثاني من هذه المباحث، وهو توطئة أخرى: أن ما من صاحب باطل يعارض الحق إلا وهو يعارض بالدعاوى الكاذبة والحجج الضعيفة، التي يكفي في ردها ما هو أكبر منها. فباطل أهل الباطل فهم فيما هم فيه متناقضون متعارضون متباطلون، كل باطل يبطل الباطل الآخر. وضرب مثالًا بمثل حال السحرة، فالسحرة كلهم على باطل، ولكن مما يبرهن أنهم على باطل أن بعضهم يبطل على بعض، وجميعًا لا يستطيعون أن يبطلوا الحق، كما أخبرنا ربنا جل وعلا في قصة موسى عليه السلام. وعند ذلك يأتي أمر الإقرار الذي يكون في فطرة كل إنسان، ولو كان من أقوى أصحاب الباطل تعصبًا لباطله، فإن في قرارة نفسه شيء لا يستطيع أن يرده، بأن هذا الذي يعارضه هو الحق. كما أخبر ربنا جل وعلا عن فرعون: أنه جحد بالآيات بلسانه، واستيقنت بها نفسه، يعني أنه يعرف أنه ما يستطيع أن يدفعه، وأنه مهما تلفظ بلسانه وجحد، ولبس على الناس وغطى، فإنه في حقيقة الأمر لن يستطيع أن يدفع الحق، فالحق حق. وشواهد ذلك كثيرة، وأشار رحمه الله إلى بعض ذلك. ثم ثلث رحمه الله تعالى بعد ذلك بذكر بعض هذا الباطل الذي عند أهل الباطل. ومن ذلك ما أشار إليه رحمه الله تعالى من كونهم يزعمون أنهم ينزل عليهم ما تنزل عليهم من الفتوحات القدسية والتنزلات الإلهية، ما يكون به التعبد والتنسك. وما هي بالحقيقة عند تحقيق الحق إلا وساوس من الشيطان، وزخرف من القول والفعل، يشغل به الشياطين الإنس والجن، والشيطان خاصة هذا الإنسان. عبادة ربه سبحانه وتعالى. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في الأبواب الآتية أو المباحث الآتية. سأقوم بإذن الله إن شاء الله، سأقوم بإذن الله.