طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 39

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 39

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 39، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون وإثبات القدر

شرح تفسير ابن عباس للآية وأنها تدل على إثبات القدر وكتابة أعمال بني آدم. الله خلق الخلق وأعمالهم بقدر ولا ينافي ذلك مؤاخذتهم على أعمالهم بإرادتهم.

القدر وعلاقته بإرادة العباد ومشيئتهم

يناقش مفهوم القدر وعلاقته بإرادة العباد، القدر لا ينافي إرادة الإنسان ويمكنه الاختيار بين الهداية والضلال. من يستدل بعلم الله السابق على أفعاله الخاطئة لا حجة له ويستحق العقوبة.

تحويل الله بين المرء وقلبه وعلاقته بالهداية والضلال وحفظ العبد

الله يحول بين المرء وقلبه إذا توجه إليه فيعينه، والعكس صحيح. الإقبال على الله يحمي القلب والجوارح. إذا كان العبد قريبا من الله حفظه الله، وإذا ابتعد وكله الله إلى نفسه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾، قال: كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة. قال: والملائكة تستنسخ ما يعمل بن آدم يومًا بيوم، فذلك قوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾. والمعنى أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية أنها من الآيات الدالة على إثبات القدر، وأن الله عز وجل أمر الملائكة أن تنسخ أعمال بني آدم وما هم يعملونه إلى يوم القيامة. فإذا من الكتابة ما يكون قبل العمل، ومن الكتابة ما يكون أثناء العمل، ومنه: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، فهناك كتابة أثناء العمل، وهناك كتابة قبل العمل. وإنما العقاب والثواب على ماذا؟ على الثاني، على الثاني، إذن لا يجوز لأحد أن يستدل بالقدر على معاصيه وعلى معايبه؛ لأن الله عز وجل إنما يؤاخذك بعد أن تعمل أنت، فإذا عملت فأنت الذي عملت، فلا تحتج بالقدر، الله عز وجل كتب عليك بعد أن عملت. قال رحمه الله تعالى: في الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابة لما يعمل بني آدم بعد أن يعملوه، يعني هذا القول الآخر أن النسخ قبل العمل أو النسخ أثناء وبعد العمل. ولكن الصحيح أنها كتابتان: كتابة قبل العمل، وكتابة أثناء وبعد العمل، والمؤاخذة إنما تكون على الكتابة ماذا؟ بعد العمل. قال رحمه الله: وقد يقال: وهو الأظهر أن الآية تعم الأمرين، فيأمر الله ملائكته فتنسخ من أم الكتاب أعمال بني آدم، ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة، ولا تنقصها، وهو الصحيح كما أشار رحمه الله. فما جاء أنه قبل العمل فهو من التفسير ببعض المعنى، وما جاء أنه بعد العمل وأثناء العمل فهو من التفسير ببعض المعنى، والصحيح أنه يشمل الاثنين: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ أي كل ما كنتم تعملون قبل العمل وأثناء العمل وبعد العمل. قال رحمه الله تعالى: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق الخير والشر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة. وهذا كذلك كما تقدم: كل شيء خلقه الله عز وجل بقدر، ومن ذلك ما يعمل الناس من خير أو شر خلقه الله سبحانه وتعالى، كله من خلق الله، والله خلقكم وما تعملون، أي خلقكم وعملكم، فالله خلق الخلق وخلق أعمالهم، فكل أعمال العباد مخلوقة لله سبحانه وتعالى، فهي بقدر الله، ولا ينافي ذلك أن الله يؤاخذهم عليها؛ لأنهم يعملون ذلك بإرادتهم حقيقة، ولا منافاة بين ذلك وبين سابق علم الله عز وجل وقدره. وراوية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مشهورة، فيها كلام، ولكن أكثر أهل التفسير على قبولها باعتبارات، ولهذا يذكرها كثير من المفسرين. قال: وبيّن صريح مسلم عن نبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حسين: «أرأيت ما يعمل الناس اليوم، يقدحون في شيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبقت، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟» قال: قلت: «بل فيما قضي عليهم ومضى»، قال: «أفَيكون ذلك ظلمًا؟» قال: ففزعت فزعًا شديدًا، وقلت: «إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون»، فقال: «سددك الله، إنما سألتك لأحرز عقلك». إن رجلًا من مزينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس يتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟» قال: «فيما قضي عليهم ومضى»، فقال الرجل: «ففيما العمل؟» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فيستعمله لها». وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾. وهذا كذلك من القدر، أن الله عز وجل خلق الخلق واستعملهم فيما خلق لهم، وهذا الاستعمال وما كان من قدر الله عز وجل لا ينافي إرادة العباد ومشيئتهم؛ فالله عز وجل أثبت لهم إرادة ومشيئة: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾، الله ألهم، والعباد عملوا، والله عز وجل هدى، والهداية هدايتان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق. فهؤلاء الذين هداهم الله بيّن لهم بالدلالة والإرشاد طريق الخير من طريق الهدى، طريق الخير والهدى من طريق الضلال والغواية، فمن هداه الله فأخذ طريق الهداية أعانه الله على ذلك، ومن أخذ طريق الغواية تركه الله ونفسه، فعند ذلك يُكَلُّ إِلَى مَا لَا عَوْنَ فِيهِ فَيَتَمَادَى بِمَا هُوَ فِيهِ، فَمَنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ أَوْرَدَتْهُ الْمَهَالِكَ. فلذلك كان هذا لا يُنافي القدر؛ لأن الإنسان يعمل بإرادته وبمشيئته التي لا تُنافي إرادة ومشيئة الله سبحانه وتعالى. وهذا هو قول في الحديث: «من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فيستعمله لها»، خلقه الله لإحدى المنزلتين لا يُنافي أنه يأخذ هذه المنزلة بفعله وبإرادته. وقد تقدم معنا من قبل تفسير ذلك. قال رحمه الله: وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها، وعلم الله عز وجل السابق ليس حجة لإبليس على معصيته، ولو احتج إبليس بعلم الله السابق على معصيته لاستحق العقوبة مرتين. وهكذا أبالسة الإنس، وكل من شطن عن الحق فهو إبليس، كل من شطن عن الحق سمي شيطانًا، ولهذا يسمى الحيوان الذي يخرج عن الاعتدال شيطانًا، وهكذا الإنسان الذي يخرج عن العدل والاعتدال شيطانًا، وهناك شيطان الجن، وهناك شيطان الإنس، وهناك شيطان الحيوان، فمن خرج عن الاعتدال لا حجة له أن يستدل بسابق علم الله عز وجل، ولو استدل استحق العقوبة مرتين كما تقدم معنا. قال: وقال تعالى: ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾، ففريق الهداية هو من أخذ طريق الهداية فهداه الله، كما قال الله عز وجل: ﴿فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾، الله هداهم معنى أرشدهم إلى طريق الهداية، أرسل لهم رسلًا وأنزل لهم كتبًا، وهذا من هدايتهم، أراد الله عز وجل أن يهديهم وأحب لهم ذلك، لكنهم ماذا؟ استحبوا العمى على الهدى، ومن فعل ذلك يستحقوا العقوبة أم لا؟ استحقوا العقوبة، والله علم قبل أن يرسل لهم هذه الهداية فيهديهم أن ثمود لن تقبل الهداية وأنهم سيختاروا العمى على الهدى، فهل يصح أن تستدل ثمود على هذا العلم السابق أن لا يعذبهم الله؟ الجواب: لا، لو فعلوا ذلك لاستحقوا العقوبة مرتين: أولًا لسلوكهم طريق العمى وتركهم طريق الهداية، وثانيًا لأنهم استدلوا بما لا يصح الاستدلال به. قال رحمه الله تعالى: قال ابن عباس: «إن الله سبحانه بدأ خلق آدم مؤمنًا وكافرًا، ثم قال: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا». الله عز وجل خلق آدم في الجنة، ثم كان من ذريته مؤمن وكافر، ولكن تأمل قول الله عز وجل: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، ليس من الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي في صحيح مسلم: «والشر ليس إليك»، فالكفر من الناس، ليس من الله، ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، والإيمان من الناس، هم الذين فعلوا الإيمان، أو هم الذين فعلوا الكفر؟ فأما ثمود: ﴿هديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾، استحبوا يعني هم أقبلوا على ذلك برغبة وحب، فاختاروا طريق العمى. قال رحمه الله تعالى: وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾، قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. فالله عز وجل يحول المؤمن إذا توجه إلى الله هداه الله وحفظه: «احفظ الله يحفظك»، لكن في البداية ماذا؟ احفظ الله توجه إلى الله بالهداية والحفظ، ستجد النتيجة ماذا؟ أن يحفظك الله. فالله يحول بين المرء وقلبه إذا توجهت بقلبك إلى الله أعانك الله على نفسك وقلبك وجوارحك، فعند ذلك يحول بينك وبين الكفر والمعاصي، والعكس بالعكس إذا أقبلت بقلبك على الكفر أو المعاصي غير الله عز وجل قلبك من الفطرة النظيفة المستقيمة إلى الفطرة المنكوسة بفعلك أنت. قال الله عز وجل: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا بي أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، وقال الله عز وجل: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، إذا الله لا يهدي القوم الفاسقين، لكن يهدي القوم ماذا؟ مفهوم الفاسق ضده الفاجر البر، والفاسق المتق، فالله يهدي المتقين، يحب المتقين، يحب المحسنين، فإذا أقبل على الله ستجد العون من الله، فيحول الله عز وجل قلبك من الكفر والمعاصي. فمن أراد أن يحمي قلبه وجوارحه ونفسه من الكفر والمعاصي فليقبل على الله، ولهذا أمر الله العباد بهذه الطاعات أمرًا واجبًا وفرضها فرائض، لماذا؟ لأجل أن يحفظ العباد أنفسهم من الكفر والمعاصي: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»، إذا قبلت على الصلاة حفظك الله من الفحشاء والمنكر، ولذلك يستحيل أن يجتمع صلاة صحيحة مع فحشاء ومنكر، لا يجتمع، وإذا وجد فهذه الصلاة إما ناقصة أو معدومة، إما ناقصة أو معدومة. لا يجتمع إيمان وكفر أبدًا، إذا وجد الإيمان اندفع الكفر والنفاق، إذا وجدت توحيد اندفع الشرك، إذا وجدت طاعة اندفعت المعصية، إذا وجدت سنة اندفعت البدعة. هل يوجد سني يحب البدعة؟ لا يوجد، هل يوجد مؤمن يحب الكفر أو النفاق؟ لا يوجد، هل يوجد موحد يحب الشرك؟ أبدًا لا يوجد، هل يوجد طائع يحب المعصية؟ يوجد، لا، الواقع يوجد، لماذا؟ لأن حبه للطاعة ناقص، حبه للطاعة ناقص، لو كمل حبه للطاعة لا يمكن أن يحب المعصية، لا يمكن أن يحب المعصية. فمن وجد في قلبه حب المعصية فمعناه أن حبه للطاعة ماذا؟ ناقص. وقارن بهذا: هل يوجد موحد يحب الشرك؟ ستقول لا، لا يمكن، نعم صحيح، لكن إذا لم يكمل توحيده قد يحب نوع من الشرك، وهو الشرك الأصغر، الشرك الخفي لعدم كمال توحيده، لعدم كمال توحيده يقع عنده هذا الخلق، وهكذا. فإذا أقبلت على الله حفظك الله، وإذا ابتعدت عن الله وكلك الله إلى نفسك، فعند ذلك يتغير قلبك كما جاء في هذه الآية وغيرها من الأدلة. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.