حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 20

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 20

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 20، تابع : المرتية الثالثة-الإحسان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث جبريل وأهميته

يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح حديث جبريل عليه السلام وأهميته في تعليم أمور الدين، مبينا أنه يشمل مراتب الدين الثلاثة. كما يبين أهمية تعليم الناس مبادئ العلم والعقيدة.

أركان الإسلام والإيمان والإحسان وشرحها

يتطرق المقطع إلى شرح أركان الإسلام والإيمان والإحسان، مبينا معانيها وأدلتها من القرآن والسنة، والفرق بين المرتبة الأولى والثانية والثالثة من الدين. كما يشير إلى مسألة تصحيح الأحاديث الضعيفة بالصحيحة.

علامات الساعة ودلالاتها

يشرح المقطع علامات الساعة كما وردت في الأحاديث النبوية، ويبين أن العلامات تنقسم إلى قسمين: صغرى وكبرى، مع شرح لبعض العلامات الصغرى. كما يبين أن هذه العلامات تدل على قرب قيام الساعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، وهذه الأركان الخمسة هي الإسلام، وفي بعض الروايات: «فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم»، قال: «نعم»، فدل على أن من أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلما حقا، وهذا هو دليل المرتبة الأولى. وفسره بأعمال الجوارح الظاهرة. والإسلام هو الدين، قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وهو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه. وقد تقدم الكلام على معنى الإسلام والإيمان والإحسان، والفرق بينها، وروايات هذا الحديث، كما تقدم معنى كثيرة، وأصحها حديث بن عمر، حديث أبي هريرة، وهو العمدة في هذا الباب. وما جاء من روايات صحيحة خارج الصحيح، فوجد فيها شيء يخالف ما في الصحيحين، فينظر: إن تفرد بها أحد الرواة، فيشدد، خصوصا إذا خالف الكثير ممن هو أوثق منه، أو كانت في رواية محتملة للتصحيح، فتفرد فيها بعض الألفاظ، فهي مما يشد. فأصل الصحيح صحيح. مثل حديث بن عباس الذي تقدم، مختلف فيه بسبب شهر بن حوشب. وقد اختلف أهل العلم فيه. ثم هل يصحح الضعيف بالصحيح؟ في هذا خلاف. والصحيح: إنه لا يصحح به، لكن لا يعني ذلك ألا نقول: أن أصل الحديث صحيح، ما دام أنه قد أيد بحديث أخرى. فإذا كان الضعيف بالضعيف يرتقي إلى الحسن، فكيف لا يرتقي الضعيف بالصحيح إلى الحسن؟ من باب أولى أنه قد يرتقي، لكن بشرط أننا لا نصحح كل ألفاظه، وإنما نصحح من ألفاظه ما وافق الصحيح. وأما ما كان من ألفاظه خالف الصحيح، فيكون مما يشد، لأن في راويها من لا يصلح تفرده، وهو ثقة، إذا خالف الكثير من هو أوثق منه. فكيف إذا صار فيه ضعف؟ فهذا من باب أولى. قال رحمه الله تعالى: قال، قوله: «قال، فعجبنا له يسأله ويصدقه»، قال: عجب الصحابة رضي الله عنهم منه، فإن من شأن السائل أن يجهل ما يسأل عنه. وهذا الذي عجب منه الصحابة، لكونه ليس فقط لهذا، لغيره من الأمور الأخرى، في حال هذا الرجل. فكان العجب من السؤال والتصديق، وكونه بهذه الهيئة. وهذا من مواضع التعجب، لأنه جاء ببعض الروايات، فجعل الصحابة يتساءلون في أمره، ويعجبون منه، في كونه لا يعرف. فسأل بعضهم بعضا، ولم يعرفوا أحدا. قال رحمه الله تعالى: قوله: «قال، فأخبرني عن الإيمان»، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: «صدقت». قال: وقد ذكر الله الإيمان بهذه الأصول في مواضع من كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الستة هي أركان ومبانيه. ويعاد التؤمن عند ذكر القدر، للاهتمام بشأنه. وقد تقدم أن العامل إذا أعيد، دل على تأكيد ما يقصد في المعمول. وفيه من الاختصاص ما يعطي معنى زيادة الاعتناء، كما تقدم معنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. أولو الأمر ليس فيه عامل «أطيعوا» في لفظ الجلالة، وفي الرسول وأولو الأمر لم يذكر، فدل على أن طاعتهم تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله. هذا معنى استفيد من عدم ذكر العامل وذكره هناك. وإذا ذكر في الأخير مثلها هنا، أفاد التأكيد: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر»، يعني تأكيد للإيمان بالقدر، لكثرة من يفتتن به. وهذا هو الواقع. قال رحمه الله تعالى: قال، ويعاد التؤمن عند ذكر القدر للاهتمام بشأنه. وبهذا الحديث احتج عبد الله بن عمر، وقال في القدرية: «والذي يحلف به بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر». وفي رواية: «وتؤمن بالجنة والنار، فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن»، قال: «نعم». وهذا دليل المرتبة الثانية. وبسره بالأعمال الباطنة. ويدل الحديث على أن الإسلام والإيمان إذا اقترنا، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة. فتدخل في الأعمال الباطنة الأعمال الظاهرة، ولا يدخل في الأعمال الظاهرة الأعمال الباطنة، كما تقدم معنا في المثال الذي مثل به في الدوائر. فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. قال رحمه الله تعالى: قوله: «لم تكن ترحاه فإنه يراك»، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: هذا القدر من الحديث أصل من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد العلم، وهو من جوامع الكلمة التي أوتيها صلى الله عليه وسلم. فإن إحسان العبادة والإخلاص فيها، والخشوع، وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب لحالتين: أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه، والثانية: أن يستحضر الحق تعالى مطلعا عليه، يرى كل ما يعمل. وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله وخشته. والحالة الأولى أرفع من الثانية، كما ذكر. والثانية أقل من الأولى. ومن لم يكن من أهل الأولى ولا الثانية، فليس من المحسنين. لا يكون محسنا حتى يتحقق معه أحد هاتين الحالتين. قال: وفي رواية: «أن تخشى الله كأنك تراه»، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو الإحسان، وهو دليل المرتبة الثالثة. ففي هذا الحديث دليل هذه المراتب الثلاث، وأن أركانها. وهي ما عدها المصنف رحمه الله: يعني ركن واحد للإحسان، وستة للإيمان، وخمسة للإسلام. قال: وفي رواية: «فعجبنا له يسأله ويصدقه»، كما ذكر ذلك بعد الإسلام والإيمان. وفي رواية أبي فروة: «فلما سمعنا قول الرجل صدقت، أنكرناه». وفي رواية مطرف: «انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه»، كأنه أعلم منه. وفي حديث أنس: «انظروا هو يسأله وهو يصدقه»، كأنه أعلم منه. وفي رواية سليمان بن بريدة: قال القوم: «ما رأينا رجلا مثل هذا»، كأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: «صدقت، صدقت». وهذه الروايات كلها روايات صحيحة. قال: ولكن كما تقدم معنا: ينظر في الألفاظ من جهة الموافقة والمخالفة. وإلا فأصل الحديث صحيح. قال القرطبي: «إنما عجب من ذلك، لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته. وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولسماع منه. ثم هو يسأل سؤال عارف ما يسأل عنه، لأنه يخبره بأنه صادق. فتعجب من ذلك تعجب المستبعد لذلك». وهكذا، لأنه ينافي السؤال كونه يسأل ويقول: «صدقت». ولهذا قالوا: «كأنه يعلمه». فلما عرف أنه جبريل، زال الإشكال، وعلموا أن ذلك كان لأجل تعليم الناس. واستدل العلماء بهذا: جواز سؤال العالم مع تصديقه، لأجل التعليم. يجوز أن يسأل العالم: «يا فلان، ماذا تعرف عن الإسلام؟» فيقول: «الإسلام كذا وكذا وكذا»، فيقول: «صدقت». فهذا يجوز، من باب التعليم. فإن كان هو يعلم أن المسؤول يحسن الجواب، فيكون المقصود الآخرين ممن لا يحسن الجواب، فيعلمهم. ويجوز العكس كذلك، لأجل التعليم. أن يحضر الطالب عند العالم، فيسأل العالم سؤالا هو يعلم جوابه، لكن يريد بذلك إفادة من الحاضرين. يريد إفادة الحاضرين، لأن الحاضرين وجدوا فرصة باجتماعهم حول هذا العالم، فيريد أن يدخل عليهم الفائدة. وينبغي أن يستفاد من هذا: وما أكثر مثل هذه الفرصة التي تضيع، فينبغي أن يستغلها طلبة العلم، فيفيد العوام بالسؤال، وخصوصا إذا تيسر مثل هذا الاجتماع. فمثلا يجتمعون في أيام الحج، فيجلس العالم يلقي الكلمة، ثم تنتهي الكلمة، يبقى الناس جلوسا، فيستحسن أن يعلم الناس السؤال. فإن كان ليس عندهم سؤال، فيسأل طلبة العلم، ليس سؤال تعنت، وسؤال أذية، وسؤال مفتخر بعلم، كلها أسئلة ساقطة مريضة، لا تنفع وتضر. لكن سؤال من يريد أن يعلم الناس ويرشدهم، سؤال فيه أدب، وفيه رحمة ورفق بحال الناس. لأن من السؤال من لا يكون نافعا، بل يكون ضارا. ما رأيكم في من يقول كذا وكذا؟ ليس وقته الآن. الآن الناس في الحج، وتريد تفرق الحجاج إلى ... يحومون حوم الثيران داخل الخيمة. ليس وقته الآن. علمهم العقيدة، علمهم العلم، علمهم العبادة، علمهم ما يحتاجونه من النسك. ولكل مقام مقال، لكل مقام مقال. فينبغي أن يكون هناك حكمة في وضع السؤال المناسب الذي يحتاجه الناس. فإذا كان هؤلاء الصحابة، وعلمهم جبريل مسائل العقيدة ومبادئ العلم، فهكذا نحن نحرص على تعليم الناس مبادئ العلم، نبني للمجتمع أساس قوي. فإذا بني الأساس القوي، فبإذن الله تعالى يصلح ما بعده. لكن إنسان من دون عقيدة، من دون عبادة، من دون أساس قوي في دينه، فإنه سيكون تابعا لكل ناعق. العلم هو مفتاح كل خير، في العقيدة وفي العبادة وفي المنهج وفي كل شيء. أصلح له قاعدة العلم والعقيدة والعبادة، وعند ذلك تصلح له الأمور الأخرى. وهناك أولويات في العلم، ينبغي أن تراعى هذه الأولويات. ولهذا كان العالم الرباني الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره، لأن الصغار هي التي ينبني عليها الكبار. الكبار يأتي فوق الصغار. فإذا كان عنده أساس قوي، فهو بإذن الله سيسير في هذا الطريق على أساس متين. ولهذا تجد من لا يحرص على تعلم صغار العلم قبل كباره، كالذي يبني بناء من دون أساس. سرعان ما يطلع البناء، وسرعان ما يسقط البناء. تجد بعض الناس أول ما يلتزم، يظن أن السلفية في الجرح والتعديل، فيترك تعلم العقيدة، يترك تعلم ما يحتاجه من العبادة، ما يحتاجه من إصلاح نفسه، من تهذيبها، من أخلاقه، وغير ذلك. فيكون فارغا في العلم وفي العمل، وفي الإيمان وفي العبادة، وفي الأخلاق والمعاملة. ومباشرة جرح وتعديل. وإذا به يرتقي بسرعة، ويظن أنه كلما سبق الناس بأخبار الجرح والتعديل، صار أثبت في السلفية. وهذا يمشي على الهواء. ولهذا يدخل ويرتفع بسرعة، وينتكس ويسقط بسرعة. وهذا هو الواقع. لكن الذي يبني نفسه بناء علميا عمليا، لا يسمع له صوت. وكما قال بعض المشايخ: «الأصوات تأتي من البرميل الفاضي». برميل الفاضي إذا ضربته، يطلع منه صوت. لكن البرميل الملآن ما يكون له صوت. وأكثر الفوضى التي تحصل في المجتمع، وفي الإنترنت، وفي الشبكات، من البرميل الفاضية. ما تأتي من البرميل الملآن، التي فيها علم، وفيها عمل. هؤلاء أهل هدوء، أهل رفق، أهل تأني. وهم مع العلماء. لا يعني أنهم يزهدون في الجرح والتعديل، لا. لكن له وقته، وله أهله، ولكل مقام مقال. فما أحسن أن يكون الإنسان معتنيا بإصلاح نفسه، وإصلاح أهله، وإصلاح ولده، وإصلاح مجتمعه، فيبني نفسه شيئا فشيئا. فينبغي أن نستفيد من هذا: كيف يتدرج الإنسان في العلم؟ قال رحمه الله تعالى: قال، ولفظ الصحيحين: قال، قوله: «فأخبرني عن الساعة»، قال. ولفظ الصحيحين: «متى الساعة؟» أي متى تقوم الساعة؟ والمراد يوم القيامة. وقد تقدم معنا: الساعة كل ما بعد الممات، فهو من الساعة، كما في حديث عائشة في الصحيحين، حين سأله أولئك الرجال: «متى تقوم الساعة؟ أو القيامة؟» فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصغارهم، فقال: «إي، متى تقم ساعتكم؟ أو قال: قيامتكم؟» ففيه دليل على أن الساعة، الساعة والقيامة واليوم الآخر، يبدأ من بعد موت الإنسان. فكل ما بعد الموت من اليوم الآخر، الذي يجب الإيمان به. وإن كان لفظ القيامة والساعة يطلق به عن وقت يوم محدود، وهو اليوم الذي أخبر الله عز وجل به: يوم يرث الأرض ومن عليها، فيكون الحشر إلى أرض المحشر. ولكن لا يعني ذلك أن لا يدخل معه ما قبله وما بعده، فكله يلحق به، كما جاءت به النصوص. قال رحمه الله: قوله: «قال، ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: وفي رواية أبي فروة: «فنكس، فلم يجبه، ثم عاد فلم يجبه ثلاثا، ثم رفع رأسه، فقال: ما المسؤول بأعلم من السائل». أي: أنا وأنت سواء في العلم بها، فإنها مما استأثر الله بعلمه، كما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. وفي الحديث: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله»، قال: «ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله». وفي حديث ابن عباس هنا: فقال: «سبحان الله، خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله»، ثم تلا الآية. وفيه التعميم تعريضا للسامعين: أن كل مسؤول وسائل عنها، فهو كذلك. وكف السامعين عن السؤال عن وقتها، فإنهم قد أكثروا عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك. وهذه الروايات التي أشار إليها، بعضها كما مر معنا خارج الصحيح، رواية أبي فروة. وبعضها في الصحيحين، أو في البخاري، كحديث: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله». وحديث ابن عباس تقدم معنا في شهر بن حوشب، والألباني يحسنه. وفيه تلا هذه الآية. وحديث: وفيه ثم تلا هذه الآية، هذا قطعة جاء في حديث ابن عباس. وحديث أبي هريرة في مسلم: أنه تلا الآية كذلك. في رواية لحديث أبي هريرة في مسلم، لنفس الحديث. والمقصود من هذا: أن علم الساعة مما استأثر الله عز وجل بعلمه. لكن له علامات، وذكر تلك العلامات، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليها. قال رحمه الله تعالى: قال، فأخبرني عن أماراتها. قال: وفي حديث أبي هريرة: «وسأخبرك عن أشراطها». فالأشراط هي الأمارات والعلامات. قال: وفي رواية أبي فروة: «ولكن لها علامات تعرف بها». وفي رواية سليمان التيمي: «ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها»، قال: «أجل». فالأشراط والعلامات والأمارات: جمع أمارة، بالفتح: الدلالة والبرهان على اقتراب قيامها. وأولها مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت والساعة كهاتين»، فأشار إلى إصبعيه. ومعناه: أنه ما بينه وبين الساعة مما مضى من أمري وعمري، الأرض أقرب مما مضى. يعني: ما بقي من أمر الساعة قريب بالنسبة لمبعثه، على ما مضى من عمر الأرض. فهذا تفسير. وتفسير آخر: أنه «بعث والساعة كهاتين»، أي: أنه آخر الأنبياء، فليس بعده نبي إلى قيام الساعة. فدل ذلك على قرب الساعة. ودل ذلك على قرب الساعة. وكلا التفسيرين صحيح. وهو يفيد أن الساعة قريبة بالنسبة لما مضى من عمر أهل الأرض. قال رحمه الله تعالى: قال، والمراد العلامات السابقة. وأما ما يقارنها، فكطلوع الشمس من مغربها. يعني: يريد أنه ذكرها هنا العلامات السابقة لقيام الساعة. وقد ذكر العلماء علامات الساعة أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها وقع ومضى، بعضه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضه في زمن هذا. وقسم منها سيأتي، وهو ما يسمى بالعلامات الصغرى. ومنه ما قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أتى. ومنه ما زال. ومما سيأتي. والقسم الثالث: العلامات الكبرى، وهي التي كالخرز، إذا ظهرت واحدة، تتابعت الباقيات، ولم يكن بينها وقت. وفي هذا دليل على أن العلامات الكبرى هي مقدم قيام الساعة، وليس بينها وبين قيام الساعة شيء. وأما العلامات الصغرى، فبينها وبين الساعة وقت، بدليل أنه لم يمثل بالخرز، فدل على أن بينها وبين الساعة وقت. ومن أمثلة ما مضى: مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم. ومن أمثلة ما سيأتي، أو من الصغرى: ما جاء في هذا الحديث: «أن ترى الحفاة العرال على رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». وهذا قد وقع. سبحان الله، اليوم أكثر من يتطاول في البنيان هم أهل البادية، رعاء الشاء. جعلت لهم أسباب لم يجعل لأهل الحاضرة. فصار أهل البادية ينافسون أهل الحاضرة في البنيان. وهذا واقع، حتى صار الغنى والترف فيهم أكثر من أهل البنيان. فالمدن التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا معلومة، هي اليوم تعتبر أفقر. وأهلها أفقر، وأقل تملكا لمثل هذا البنيان. ومن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البادية والحفاة العراة العالة رعاء الشاء، اليوم هم الذين يتطاولون في البنيان. وهذا من علامات الصغرى. قال: قوله: «أن تلد الأمة ربتها»، قال: أي سيدتها. والمعنى: أن السراري تكثر في العرب، حتى يوجد أن الأمة تلد سيدتها، لأنها تكون أم ولد، فالأمة أم، والبنت تبع للأب حر، حرة أو حر. وفسر بغير ذلك، وحاصله: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربي مربيا، والسافل عاليا. وهذا مثال. لأنه فسر بالعقوق، وفسر بما سمعنا من كثرة التسري. وكلا الأمرين قد وقع. فقد كثر التسري بعد حياة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أرضاهم، حتى ذكر لبعضهم أكثر من ألف امرأة تسر بها. فكم سيكون له من الولد إذا كان كل واحد أنجبت له؟ وغير ذلك مما ذكر من كثرة التسري الذي كان بعد هذا، بعد ذاك الزمان. وذكر عن بعض ملوك مصر: أنه كان يتسر في اليوم بأكثر من امرأة. فعلى عمره وملكه، كم تسر بكل سنة؟ أكثر من ثلاثمائة وستين امرأة. فهذا كما جاء، وهو ليس مدحا، بل ذنب. هذا ذنب. يعني ذكر على وجه الذنب. يعني تنعكس الأمور كما ذكر. ويكون فيه من معاني البعد عن الدين ما لا يخفى. فهي من علامات البعد عن الدين، والغفلة، والانشغال بالدنيا، مما يدل على قيام الساعة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق»، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل تأتي ريح طيبة فتأخذ روح كل مؤمن، فلا يبقى إلا شرار الخلق، فتقوم عليهم الساعة. وبعضهم ذكر أقوال أخرى. فقد ذكر الحافظ ابن حجر أربعة أقوال بتفسير هذا المعنى، وهذه العلامة من علامات الساعة. وبعضهم أوصلها إلى أكثر من سبعة أقوال، وغير ذلك. لكن المقصود كما ذكر رحمه الله: المسألة فيها أقوال كثيرة. لكن المقصود هو انتكاس الأمور، أن الأمور تكون على خلاف ما ينبغي أن تكون. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وأن ترى الحفاة العرات العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان»، قال: أي ومن أماراتها أن ترى الحفاة: جمحف، وهو الذي لا نعال عليه. العراه: جمع عار، وهو الذي لا ثياب عليه. العالة: جمع عائل، والعائل هو الفقير. رعاء الشاء: يعني الغنم. يتطاولون في البنيان. قال: والعرب كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حفاة عراه، كما في هذا الحديث. وكانوا في أشد حال وأدناها. فمن الله عليه بالإسلام، وقواهم، حتى استنفقوا خزائن كسرى وقيصر. ثم وصلوا إلى أن وقعوا فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: أنه من علامات قيام الساعة. ولفظ الصحيحين من حديث أبي هريرة: «وإذا رأيت الحفاة العرات رؤوس الناس»، أي ملوكهم، «فذلك من أشراطها». «وإذا تطاول الرعاء البهم في البنيان»، فذلك من أشراطها. فعدها ثلاثا. فإذا المقصود: التوسع في الدنيا، وانقلاب الأمور، حتى يصير هؤلاء لهم الرئاسة بالسلطان وبالملك. وهكذا كذلك بالمال. قال: والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساء، وتكثر أموالهم، حتى يتباهى بطول البنيان وزخرفته. وفي الحديث: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة». لأنه يفسد نظام الدين والدنيا. وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان، وانعكاس الأمور. ولأن الغالب كذلك: أن أمثال هؤلاء إذا جاءهم الغنى بغته وفجأة، فإنه يكون من البطر والخروج عن الاستقامة والعدل، ما هو داعي لعذاب الله وغضبه وسخطه. وذلك من علامات الساعة. وهذا هو الواقع. فإن لله وإن إليه راجعون. فإن الكثير ممن بلوا بسعة الرزق، لم يسخروه في طاعة الله، إلا من رحم الله. وقليل ما هم. وأكثرهم سخره فيما يضر بنفسه وبغيره، في الدين والدنيا. وهو من معاني الانتكاس، وتوسيد الأمر إلى غير أهله. قال رحمه الله: قال، فمضى، فلبثنا مليا. قال: أي زمانا بعد انصرافه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم بعد مضي وقت. لكنه في ذلك المجلس، بدليل الحديث. قال: إلا أن في رواية الترمذي وغيره: «فلبث ثلاثة». ولفظ الصحيحين: «ثم أدبر، فقال: ردوه، فأخذوا لي ردوه، فلم يروا شيئا». وفي رواية سليمان التيمي: «فولى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه». فقال: «هل تدرون؟» إلى آخره. يعني أخبرهم أنه جبريل. قال: وفي رواية أخرى تدل على بر عمر، فلعله خطاب له وحده، أو من تصرف بعض الرواة. وقال بعضهم: يمكن الجمع بين الروايات، فيكون إخبار النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر بالبحث عنه وطلبه، كان في المجلس. ثم أكد ذلك بعد ثلاث أيام، فيكون الحديث تكرر، والمجلس تكرر في ذكر خبر جبريل أكثر من مرة، تأكيدا على أنه جبريل عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: قوله: «قلت: الله ورسوله أعلم»، قال: هذا فيه أن من سئل عن علم لا يعلم، أن يكل العلم إلى عالمه، ولا يتكلف ما ليس له به علم، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما حكى الله عنه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. فإن من أعظم التكلف: أن تسأل الإنسان عن شيء، فيتكلف العلم به. ولهذا قيل فيه: «فيه الله أعلم نصف العلم»، كما روي عن ابن مسعود وغيره. فإن من العلم: أن يقول المرء لما لا يعلم: «الله أعلم». أن يقول المرء لما لا يعلم: «الله أعلم». وكما روي عن ابن عمر: «العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». فهذا من العلم. قال: يعني أن العلم ينقسم إلى قسمين: وظيفة ما تعلم أن تجيب عنه بما تعلمه. وما لا تعلمه تقول فيه: «الله أعلم». لأن من العلم: أن تقول فيما لا تعلم: «الله أعلم». كما روي عن ابن مسعود. ومعنى عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة، ومن بعدهم. قال: قوله: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»، قال: وفي رواية: «يعلمكم دينكم». فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ما ذكر في هذا الحديث هو أمر الدين، بل هو الدين. فإنه قد اجتمعت على أصول الدين والعقائد. بل انحصرت العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه. وعقيدة أهل السنة والجماعة عليه. وشرفه وجلالته أمر مجمع عليه. يعني هذا الحديث حديث شريف، وجليل، وله منزلة عظيمة عند أهل الإسلام، لأنه يتناول مراتب الدين الثلاثة، ومجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، وما يجب أن يكون عليه المسلم في دينه. ولهذا رد ابن عمر على القدرية بهذا الحديث، لأنه يتناول جميع مسائل الدين. والله تعالى أعلم. طيب، هذا يقول: هل يفهم من قول ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كفرهم بأعيانهم، أو يدل على الكفر المطلق؟ الظاهر أنه يريد الثاني. يريد الثاني. والإيمان بالقدر كما تقدم معنا من أركان الإيمان. وقد تقدم أن قول السلف فيه على قولين. وسواء قلنا هذا أو هذا، كله صحيح. قال به جماعة من السلف، كما قد تقدم معنا من كلام ابن رجب وغيره. ولو كفروا، لكان له وجه. لكن ظاهر السياق: أنه يخوفهم أن يقعوا في الكفر. فبعد أن أقام عليهم الحجة، لو أصروا، لكفروا. خصوصا من أنكر العلم. فباتفاق علماء الإسلام من السلف، ومن تبعهم بإحسان من الخلف: أنه يوجب الردة والكفر من أنكر العلم في القدر. نعم، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على النبي محمد وآله وصحبه وسلم.