الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 8، الأصل الأول - معرفة الله تعالى . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ كيف أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية مستدلاً بآيات القرآن على أن الله هو الخالق والرازق والمتصرف في الكون. يُفصّل معاني الآيات ويبين دلالتها على وجوب إفراد الله بالعبادة.
يشرح المقطع مفهوم العبادة بأنها تشمل الأعمال الظاهرة والباطنة مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل. يُفرق بين العبادات الفطرية والشركية ويبين أمثلة على أنواع العبادة المختلفة.
يُحذر الشيخ من صرف العبادة لغير الله تعالى مستدلاً بآية "وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا". يبين أن العبادة تشمل الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة وأن صرفها لغير الله شرك بالله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نعم، يوجد عبارة لم نقرأها في الدرس السابق عند قوله رحمه الله: «واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون». هذا قال رحمه الله تعالى. وكما أنه المتفرد بخلق الليل والنهار والشمس والقمر وسائر المخلوقات، فهو المستحق أن يعبد وحده لا شريك له. وهذا كما تقدم من الاستدلال توحيد الربوبية على توحيد الألوهية، لأنه المتفرد بهذا وحده، فهو الذي يجب أن يعبد وحده لأنه الذي يستحق ذلك وحده جل وعلا. مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فما دمتم لا تعلمون خالقًا خلقكم وخلق سائر المخلوقات غيره سبحانه وتعالى، فإذا اعبدوه وحده جل وعلا ولا تشركوا معه غيره. قال رحمه الله تعالى: وقوله «لعلكم تتقون» قال: أي الذي أوجدكم ومن قبلكم من العدم. قال: فلا تجعلوا المخلوق شريكًا للخالق في عبادته، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، بل وحدوه سبحانه لعلكم تنجون من عقابه وأليم عذابه. وهذا كما تقدم، فهو من الاستدلال بتوحيد الربوبية على الألوهية. فإن من كان له هذا الوصف هو وحده الذي يستحق أن يعبد، فلا يشرك معه غيره. وإن فعلتم ذلك فلعلكم تتقون. «لعل» للترجي، ويدل هذا دلالة ظاهرة أن هناك شيء آخر يكمل التوحيد، وهو طاعة الله سبحانه وتعالى وعدم معصيته. فإن تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه أن تجعل بينك وبين غضب الله عز وجل وقاية. فالتوحيد حقيقة يتناول حق الله المتعلق بتوحيده، وهكذا حقه سبحانه وتعالى المتعلق بعبادته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وهكذا أداء ما أمرك الله في حق المخلوقين من أداء الحقوق وعدم التعدي فيها. فإن أديت ذلك وصدقت بالأخبار وآمنت بالكتب وما أرسل من الرسل وكل ما يتعلق بالأمور الغيبية من أركان الإيمان الستة وأركان الإسلام الخمسة، فأنت بإذن الله تعالى حققت التوحيد. قال رحمه الله تعالى: وقوله «الذي جعل لكم الأرض فراشًا» قال: أي بساطًا عندكم غير حزن. هكذا عندنا. قال: تتمكنون من المسير فيها والمكث على ظهرها وتنتفعون منها بأنواع المنافع. والبساط معروف المنبسط. فالله عز وجل جعل الأرض فراشًا منبسطًا حتى ينتفع بها الناس، حتى الجبال جعل فيها بسط فيبنون عليها البيوت ويزرعون أنواع الزروع. فهو سبحانه وتعالى ذلل الأرض لبني آدم، وهذا من نعم الله. قال: وقوله «والسماء بناء» قال: أي قبة مضروبة عليكم وسقفًا محفوظًا مزينًا بالمصابيح والعلامات التي تهتدون بها في ظلمات البر والبحر. فالسماء مبنية لكن بغير عمد كما أخبر الله عز وجل، ليس لها أعمدة. وهذا من عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى. وإلا فالسقف يحتاج لعمد، والسماء على عظمها جعلها الله عز وجل بغير عمد، فهي قبة مضروبة وسقف محفوظ لا يدخل ولا يخرج منه إلا بإذن الله سبحانه وتعالى. وهي مزينة بالمصابيح، والسماء كذلك زيناها بالمصابيح وجعلها رجومًا للشياطين وعلامات يهتد بها في البر والبحر وللزمان والمكان. فكان في هذا تمام الإنعام على بني آدم والتسخير لهذه النعم أن ينتفعوا بها. قال: وقوله «وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم» أي: وأنزل من السحاب المطر. فإن كل ما علاك فهو سماء، كما قال سبحانه: ﴿من في السماء﴾ أي: في العلو. وقال سبحانه: ﴿وينزل من السماء﴾ أي: من العلو، لكن علو عن علو يختلف. فنزول المطر من السماء أي: من السحاب المسخر بين السماء والأرض كما أخبر الله عز وجل بذلك في آيات. وهذا هو قوله: ﴿فإن كل ما علاك فهو سماء﴾. قال: فأخرج بالماء من جميع أنواع الثمرات رزقًا لكم، تتمتعون به وتستعينون به على عبادة وحده. وكل صفة من هذه الصفات مفيدة ومقتضية إفراد رب العالمين بالعبادة. وهو كما ذكر رحمه الله. قال: أي قوله: «فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون» أي: ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن تعبدوا وحده، لا تجعلوا له أندادًا أمثالًا ونظراء، بصرف شيء من أنواع العبادة لهم. والندية معلومة مأخوذة من معنى النظير المضاد. فإذا جعل لله عز وجل إلهًا يعبد وتُصرف له أنواع من أنواع العبادة، فضلًا عنها جميعًا، فقد اتخذت وجعلت لله ندًا. وإن كان هذا الند بريئًا، فالأحجار والأشجار والملائكة والأنبياء والصالحين كلها بريئة مما تفعله بني آدم في عبادتها مع الله سبحانه وتعالى. كما قال الله عز وجل: «عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب». فهذا عيسى عليه الصلاة والسلام يتبرأ مما فعله المشركون في عبادته. وهكذا كل شيء عبد من دون الله. قال رحمه الله: «وأنتم تعلمون أنها لا تماثله بوجه من الوجوه» أو «كنتم تعلمون تفرده بإيجاد المخلوقات وإنزال المطر وجعل الأرض فراشًا والسماء بناء وأنه لا يرزقكم غيره». يحتج تعالى عليهم بما أقروا به وعلموه من توحيد الربوبية على ما جحدوه وأنكروه من توحيد الألوهية. فإنه تعالى كثيرًا ما يقرر في كتابه توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، لأنه يستلزمه. توحيد الربوبية من لوازم توحيد الربوبية، من أقر لله بالربوبية لزمه أن يوحده في الألوهية. قال: فإن توحيد الربوبية هو الدليل الأوضح والبرهان الأعظم على توحيد الألوهية. لأنك إذا أفردت الرب سبحانه وتعالى بهذه الصفات، لم يبق إلا أن تتجه إليه بعبادته، لا تشرك معه غيره. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «قال هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي الحافظ صاحب التفسير المشهور والتأريخ وغيرهما، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة». وهو علم من أعلام المسلمين المشهورين، الحافظ بن كثير، الحافظ بن كثير صاحب المصنفات والمؤلفات والتحقيقات في عديد من كتبه ومؤلفاته. قال رحمه الله: قوله «الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة» يعني: أن الآيات دلت على أن الذي خلق هذه الأشياء وأوجدها من العدم على غير مثال سبق هو المستحق للعبادة وحده دون من لم يكن له شركة فيها ولا في غيرها وإن قل. يعني: ليس لهم حتى القليل، فهم ما يملكون من قطمير. كما قال الله عز وجل: ﴿فالقليل الذي هو بمثابة قشرة النواة أو حتى فتيل ما في النواة شيء حقير لا يذكر لا يملكه من يعبد من دون الله﴾. فكيف يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى؟ قال: بل من سواه تعالى وتقدس مخلوق مربوب متصرف فيه، فيكون في ذلك أوضح برهان أنه سبحانه المستحق أن يعبده وحده دون كل من سواه، لا إله غيره ولا رب سواه. وتأملوا: ولله المثل الأعلى، لو أن إنسانًا نظر إلى مصنوع من مصنوعات الإنسان فأعجبه هذا المصنوع بما فيه من الكمال والجمال النسبي وما فيه من القوة والإحكام النسبي. فهل يصح أن يتجه إليه وهو يرى أنه مدبر مسير فيطلبه أن يصنع له مثل الذي معه أو دون ذلك؟ لو فعل هذا لكان هذا جنونًا ولكان هذا حمقًا. كيف تتجه إلى من هو مفتقر إلى من صنعه؟ لكن الصواب أن تسأل هذا المصنوع له صانع صنعه هو أكمل منه كمالًا وجمالًا نسبيًا وهو أقدر منه قوة وإحكامًا نسبيًا. فتذهب إليه فتطلب منه حاجتك. هذا فيما يتعلق بأمر الدنيا. فكيف بأمر الآخرة وأمر الله العظيم؟ ألا تدل هذه المخلوقات على عظمها وعلى كثرتها وما فيها من كمال وجمال وما فيها من إحكام وإتقان على الله سبحانه وتعالى وحده الذي يجب أن يرجع إليه ويلتجئ إليه فيعبد ولا يشرك معه غيره سبحانه وتعالى؟ لأن كل من سواه مفتقر إليه جل وعلا. ولا يمكن أن تكون هذه المخلوقات على عظمها وكثرتها وجمالها وكمالها وإتقانها وإحكامها ليس لها خالق كما يقول الدهريون أو الملحدون. بل بلا شك ولا ريب أن لها خالقًا عظيمًا أعظم قوة وأكمل كذلك كمالًا وجمالًا سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وقوله «وأنواع العبادة التي أمر الله بها» أي: وأصناف العبادة التي شرع الله لعباده القيام بها وتعبدهم بها. والنوع كل ضرب أو صنف من كل شيء. وهو أخص من الجنس. فعندنا جنس وعندنا نوع. فمثلًا التمر جنس وتحت التمر أنواع. تقول: هذا تمر سكري، هذا برحي، هذا مديني، هذا جزاز ونحو ذلك من أنواع التمر. وتقول: هذه سيارة، وهذه سفينة. وتحت السيارة أنواع السيارات، وتحت السفينة أنواع. فهذا جنس، وهذا نوع. فالنوع يسمى صنفًا. ولحاظ لهذا نقول: إذا قال لك عندي تمر، تقول: من أي أنواع التمر؟ أو تقول: كذلك من أي أصناف التمر؟ فالصنف بمعنى النوع. قال رحمه الله تعالى: وقوله «مثل الإسلام والإيمان» أي: قال مثل الشيء شبيه ونظيره. وهذه الثلاثة أعلى مراتب الدين وأهم أنواع العبادة، فلذلك بدأ بها المصنف رحمه الله. ولأن العبادة تدخل تحت هذه المراتب الثلاثة من مراتب الدين. وقد مر معنا أنه بين العبادة رحمه الله. والآن شرع في بيان أنواع العبادة. وقوله «مثل» يدل أن هذا ليس كل العبادة، وإنما هذا بعضها. ولهذا قال بعضهم: «أنواع العبادة مبتدأ خبره محذوف تقديره كثيرة، من هذا الكثير الإسلام والإيمان والإحسان». فكأنه قال: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها كثيرة، ثم من هذا الكثير الإسلام والإيمان والإحسان». قال رحمه الله تعالى: وقوله «والإحسان» قال: يعني نعم. قال: ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة. قال: يعني أن أنواع العبادة ليست مخصوصة بهذه الأنواع، ولا محصورة في هذه الأنواع التي عدها رحمه الله، بل هي أنواع كثيرة. وتجمل بأن يقال: منها ما هو أعمال باطنة، ومنها ما هي أعمال ظاهرة، ومنها ما هي أعمال قولية، ومنها ما هي أعمال فعلية من الظاهرة. فكلها تدخل في معنى العبادة وهي كثيرة، على كثرة الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة. والضابط لها كما تقدم: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فهي عبادة. فإذا كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والباطنة فهي من العبادة التي يجب أن تصرف لله سبحانه وتعالى. فخرج بذلك ما لم يتعبدنا الله به حبًا وخضوعًا وذلًا كالأفعال الفطرية. فإنه باعتبار ذاته ليس عبادة، وباعتبار ما يحتسبه العبد عبادة. مثل حب الأب لابنه والابن لأبويه. فإن مثل هذا حب فطري لا ينافي العبادة. فإذا صرف في موضعه التي فطر الله عز وجل الناس عليها، فهذا لا ينافي العبادة وليس من الشرك. بخلاف الحب الذي هو عبادة، فيه معنى الخضوع والذل والتعظيم. وهذا غابط ما يحبه الله مما هو عبادة. كما تقدم معنى في تعريف العبادة باعتبار الفعل والمفعول. فإن المفعول الذي فيه معنى فعل العبادة من الذل والخضوع والمحبة والتعظيم لا يجوز أن يكون إلا لله. بل يجب أن يكون لله وحده. يجب أن يكون لله وحده. ولذلك صار حب المشركين لآلهتهم ليس حبًا فطريًا، ليس كذلك. بل هو حب تعبدي، صار مما يزاحم وينافي حب الله سبحانه وتعالى. وهو حب. وهكذا الخوف، خوف المشركين من آلهتهم ليس خوفًا فطريًا كون الإنسان يخاف من النار أو يخاف مما يضره، هذا خوف فطري ليس فيه معنى المحبة والتعظيم والخضوع والذل. فإذا كان فيه معنى التعظيم والخضوع والذل صار ماذا؟ عبادة. فخوف المجوس من النار خوف عبادة، وخوف المسلم من النار خوف ماذا؟ فطري. ولهذا فخوف المسلم من باب اجتناب الأسباب. وأما خوف المجوسي فهو خوف من باب التعلق بالأسباب والاعتقاد في الأسباب حتى جعلها مسببًا وليس سببًا. ولهذا فهو يخاف مع وجودها وما عدمها. والمسلم على العكس، المسلم الموحد الأسباب لا تضره حتى لو أقبلت وأدبرت. إذا قوي إيمانه وتوكله بالله سبحانه وتعالى لا يؤثر فيه إقبال وإدبار الأسباب. لعلمه أن ما أصابه ماذا؟ لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. مع وجود معنى الخوف في قلبه والحذر من هذه الأسباب الضارة بما أمره الله. وما علم من دين الله وما أخذ من خبرة في هذه الحياة، لكنه لا يعتقد فيها بخلاف المجوسي. وهكذا قل في الكثير من الأقوال التي قد يكون معناها واحد، لكنها باعتبار ما فيها من خضوع وذل ومحبة وتعظيم تصير عبادة. وباعتبار تخليها عن معنى الحب والمحبة والتعظيم تصير عادة. وهكذا حب المشركين وخوفهم، الرغبة والرهبة عند المشركين فيها معنى الشرك عند من يؤلهونه ويعبدونه من دون الله. فهذا الذي يخاف من الولي إن لم يحضر الزيارة وإن لم يقرب ما أمر بتقريبه، خاف أن تصيبه مصيبة. بل ربما إذا أصابته مصيبة لم يجعلها من الله بل جعلها من هذا الولي الذي عاقبه لأجل تأخره في القربان وضعفه في التعظيم وتأدية الحق. فهذا خوف شركي، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين. وهذا من الرهبة الشركية التي توقع في الشرك. ومثله الرغبة، قد يرغب إنسان في صالح في دعائه، لكن ما يعتقد فيه يرجو أن الله عز وجل يتقبل منه دعائه وهو حي موجود قادر. فيعتقد أن الله قد يتقبل منه ما لا يتقبل من نفسه. فهذا إن جعله سببًا فهو جائز، مع أن دعائه لربه مباشرة هو الأفضل. لكن آخر رغب في هذا المخلوق مع موته أو بعده أو عجزه عما يطلب منه، لكن صارت عنده رغبة إليه أنه يملك النفع والضر. فحصل عنده من الخضوع والحب والتذلل والتعظيم ما لا يجوز أن يصرف إلا لله سبحانه وتعالى. فرغبة مثل هذا في هذا المخلوق ليست كرغبة الأول. وحب مثل هذا لهذا المخلوق ليس مثل حب الأول. لأن حب الثاني حب يزاحم معنى العبادة لله سبحانه وتعالى. فتعلق قلبه بالمخلوق تعلقًا فيه معنى الشرك الذي نهى الله عز وجل عنه. قال رحمه الله تعالى: قوله «التي أمر الله بها» قال: إشارة إلى بعض حدودها. عند بعض العلماء أنها ما أمر بها شرعًا من غير الطراد العرفي ولا اقتضاء عقلي. يعني قوله «التي أمر الله بها» كأنه تعريف أو إشارة إلى ما عرف العلماء به العبادة: أن العبادة ما أمر به شرعًا من غير الطراد العرفي ولا اقتضاء عقلي. فخرج الاطراد العرفي والاقتضاء العقلي. وعلم أنه المأمور به شرعًا. فإن قيل: وهل الشرع استوعب كل الأقوال والأفعال؟ فيقال: جملة نعم. وبهذا الإجمال مع بعض التفصيل المذكور علم حقيقة معنى هذه العبادة. قال رحمه الله: أحسن وأجمع ما عرفت به: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». وعد نحوًا مما عده المصنف، وهو من أشمل ما عرفت به يعني العبادة. فكل فرد من أفراد العبادة داخل تحت هذه العبارة. فيدخل فيها ما ذكر ويدخل فيها ما شمله الحد، يعني مما لم يذكر. لأن الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كثيرة لا تعد ولا تحصى. وضابطها أن الله يحبها ويرضاها وأن فيها معنى الحب والتعظيم والخضوع والذل. قال: فالعبادة شملت جميع أنواع الطاعات، بل حتى ترك المعاصي والسيئات من العبادة. تعبدنا الله بالأفعال وبالتروك، التروك تعبدنا بها والأفعال تعبدنا بها. لأن هذا يدخل في الأقوال والأفعال. فالأقوال والأفعال طلب، وهذا الطلب إما طلب فعل أو طلب ترك. وكله تعبدنا به. قال: قوله رحمه الله «كلها لله تعالى» أي: كل جميع أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده. فهو يتناول ما ذكر وغيره مما لا يتسع المقام لذكره. وإنما ذكر هذا من باب ذكر الأهم الذي يظن أنه يكفي، بالإشارة إلى غيره. ومما يكثر الابتلاء به. قال رحمه الله: وقوله «كلها لله تعالى» يلزم جميع أنواع العبادة مما ذكره وغيره لله وحده. لا يصلح منه شيء لغير الله عز وجل، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما. ولا أضل ولا أظلم ممن يجعل لمخلوق مربوب منها شيئًا. فهو أضل شيء أن يجعل المخلوق شيئًا من هذه العبادات لغير الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: والدليل «وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا». قال: أي في المساجد تفسيران، أحدهما أنها المواضع التي بنيت لعبادة الله، فالمعنى أنها إنما بنيت لعبادة الله وحده، فلا تعبدوا فيها غيره. وهذا أحد التفسيرين كما تقدم. والثانية أنها الأعضاء التي خلقها ليسجد له عليها، وهي الوجه واليدان والركبتان والقدمان. فلا يسجد بها لغيره. بل نص بعض العلماء أنها أوسع من ذلك، فكل جسدك لا ينبغي أن يسجد إلا لله. فالإنحناء من السجود الذي لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. ولهذا كان الإنحناء للمخلوق ممنوعًا كما جاء في حديث معاذ حين جاء فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فسره العلماء ليس سجودًا على الأرض، ولكنه انحناء كما يفعله الناس بعضهم لبعض وملوكهم. وفسره معاذ بذلك، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا. وقال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها، ولكنه لا يسجد إلا لله». فعلم أولًا أن السجود لا يكون إلا لله. وأن من السجود الإنحناء، وأن ما يفعله بعض الناس في بعض الجهات مما بقي من عوائد أهل الشرك والجاهلية وظلال أهل الكتاب وبقايا من سبق من الإنحناء، إنحناء المرأة للرجل والصغير للكبير لا يجوز في الإسلام ولو كان من العوائد. وهذا منتشر في بعض الجهات في أفريقيا، في شرق آسيا، وبعض البلاد يعدون هذا من تمام الإحترام، من تمام الإحترام الإنحناء. ويختلف هذا الإنحناء، ربما يكون الإنحناء في بعض البلاد بتوطئة الظهر مع الرأس. وفي بعض البلاد فقط بتوطئة الرأس، وفي بعض البلاد بالجلوس مع أن يكون مستوفزًا، يعني تنحن المرأة وتصعد. وفي بعض البلاد أن يجلس على ركبتيه. وكل هذا وغيره من معاني السجود الذي لا يجوز إلا لله سبحانه وتعالى وحده. وفعل ذلك محرم في دين الإسلام. فإن قال قائل: كيف بالنسبة لتقبيل اليد؟ هل هي من السجدة الصغرى كما قال بعض أهل العلم؟ الجواب: إن كان فيها هذا المعنى فنعم، وإن لم يكن وإنما كان لأجل أخذ اليد، تأخذ اليد وترفعها مع التوطئة لتمكن من تقبيلها. لأن تقبيل اليد على الصحيح يجوز، لا مانع منه. وقد صح عن السلف فعله، ولم يزل العلماء يقرونه مع من يستحق ذلك من الأبوين أو الكبير حسًا أو معنى. فإن ذلك يجوز، وإن ترك خشية الالتباس فلا بأس. لكن إذا كان يفعل على وجه ليس فيه معنى التعبد والتعظيم والخضوع والذل، فهذا مأذون. أما فيه خضوع وذل وتعظيم فلا يجوز، مثل الصوفية مع مشايخهم. ولهذا تجد فيه التذلل من التوطي والتذلل والخضوع حسًا ومعنى. فهذا لا يجوز. فإذا نفصل في هذا الانحناء الذي يكون لأجل تقبيل اليد مع رفعها إلى الأعلى، هذا جائز. والأحسن منه أن تقبل الرأس إذا أردت الإكرام، فافعل كما فعل أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم، قبل رأسه. فأنت قبل رأس من تحبه وتحترم وتعظمه تعظيمًا فطريًا لا تعظيمًا تعبديًا. قال رحمه الله تعالى: قال «فلا يسجدوا بها لغيره». وكما قلنا أوسع من هذه الأعضاء السبعة. قال: «وأحدًا» كلمة شاملة عامة نكرة في سياق النهي، شملت الملائكة. وهي تفيد الإطلاق بل العموم. قال: «والأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم» فلا يدعى مع الله أحد من الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم. فقد شملت جميع الخلق. فعلي بهذا أنها فيها دليل على وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة وحده. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. هذا السؤال يقول: لو كان الإنسان في باص ولم يتوقف السائق لصلاة الفجر، فكيف يفعل الركاب إذا كانت السيارة لا تتوقف؟ هذا سؤال آخر. طيب، أولًا بالنسبة لمثل هذه الحالة، وللأسف كثر هذا لكثرة ضعف المسلمين. وإلا لو كان أهل الحافلة كلهم حريصون على الصلاة، سيقف سيقف ولو على أنفه. لماذا؟ لأن الجميع يريد أن يقف، لا يمكن أن يتردد. لكن للأسف تجد أكثر المسلمين فيهم ضعف وخور وتفريط وتضيع للصلاة. فيقوم واحد أو اثنان ويريدون أن يقف الباص، فينظر ويرى فقط واحد أو اثنين لا يبالي. فإذا لابد من بث العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ينتشر في الناس الخير. فإذا وقع مثل هذا، انصح وجرب، حاول وحاول وحاول. فإن لم يفعل، إن استطعت أن تنزل من السيارة، انزل. ولن يضيعك الله حتى تعطيه ولسائر من في الباص درسًا. فإن خشيت المضرة أو كان بك مرض أو عند قلة نفقة، فصل على ما أنت فوق الباص، ولا تجعل صلاة الفجر تفوتك. «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا». مع نصيحة المسلمين بحكمة ورفق. وربما بعضهم يفعل فكرة ويحتال عليه، يقول: نريد أن ننزل نقضي الحاجة. إذا جرب وكلمه ونقضي الحاجة يقف، قضاء الحاجة يقف، لكن الصلاة ما يقف. فإذا توقف، توضأ وصلي وخلاص. ويقول: إذا كان الإنسان في حالة مرض ولا يستطيع الوضوء بالماء إلا التيمم، وقد أمطرت السماء وبيته ليس من طين، فكيف يتيمم؟ يستطيع أن يتيمم بالغبار الذي داخل البيت، يبحث تحت السرير، فوق الدواليب، في أطراف الجدران، ستجد غبار تتيمم به. ليس من شرط التيمم أن يكون بعين التراب، بل بكل ما ظهر على الأرض مما فيه معنى التراب. فتتطهر به. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.