جواهر البلاغة  130

جواهر البلاغة 130

الدرس في جواهر البلاغة 130، الدرس الثلاثون بعد المائة:من( 9-والعموم:هو كون الشيء شاملاً لكثير ... والقرينة على مجازية ما تقدم هي ذكر ما يمنع إرادة المعنى الأصلي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في المجاز المرسل وعلاقاته في القرآن الكريم

يتناول هذا الفصل شرحًا لعلاقات المجاز المرسل في القرآن الكريم مثل العموم والخصوص واعتبار ما كان واعتبار ما يكون والحالية، مع تقديم أمثلة قرآنية توضح كل علاقة. يبين أهمية فهم هذه العلاقات في تفسير الآيات القرآنية.

أنواع المجاز المرسل وتفسيرات العلماء

يناقش هذا الفصل بعض أنواع المجاز المرسل في اللغة العربية مثل المحلية والبدلية والمبدلية، ويبين آراء بعض العلماء في تفسيرها وتوضيح معانيها. يقدم أمثلة من القرآن الكريم واللغة العربية لتوضيح هذه المفاهيم.

التجوز في اللغة العربية وتطبيقاته القرآنية

يستعرض هذا الفصل مفهوم التجوز في اللغة العربية ويقدم أمثلة من القرآن الكريم على استخدامه، مثل إطلاق المصدر على اسم المفعول وتبادل الأسماء المشتقة. يوضح أن هذه التعبيرات ليست مجازية بل هي حقيقية وتضيف معاني جديدة وزيادة في الفصاحة والبيان.

خاتمة وتأكيد على أهمية العلم

يشير هذا الفصل إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يعكس أهمية التواضع في العلم والاعتراف بحدود المعرفة البشرية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المُلفِّق رحمه الله تعالى: تاسعًا - يعني مما تقدم من علاقات المجاز المفرد المرسل -: والعموم هو كون الشيء شاملًا لكثير، نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ أي النبي صلى الله عليه وسلم، فالناس مجاز مرسل علاقته العموم. ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، فإن المراد من الناس واحد، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي. وهذا كذلك زعم أن فيه صرفًا للفظ عن ظاهره، وليس كذلك، بل لا مانع أن يرد اللفظ العام ويراد به الشيء الخاص. وفيه زيادة نكتة بلاغية، وذلك إظهار أن هذا - إن كان في خلق - أنه من خلقهم؛ أم يحسدون الناس؟ يعني ليس هو أول من حسد، بل هذا من خلق اليهود ومن خلق المنافقين كثرة الحسد. وهكذا كذلك: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، أي أن ذلك وإن كان القائل واحدًا، لكنه معان بغيره. قال: العاشر: والخصوص هو كون اللفظ خاصًا بشيء واحد، كإطلاق اسم الشخص على القبيلة، نحو «ربيع» و«قريش»، والمراد به قبيلة كاملة. لكن لا شك أن هذه القبيلة ترجع من جهة النسب إلى أصل واحد، كالأبناء مع الأب. فالدعاء المجاز - باصطلاح المتأخرين - لا يصح. قالوا: اعتبار ما كان. الحادي عشر: واعتبار ما كان، وهو النظر إلى الماضي، أي تسمية الشيء باسم ما كان عليه، نحو: ﴿وآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾، أي الذين كانوا يتامى؛ لأنه بعد البلوغ والرشد لا يسمى يتيما. قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فاليتامى مجاز مرسل علاقة اعتبار ما كان. وهذا إذا جرينا على أن دلالة الصفة على الحاصر حقيقتها، وعلى ما عداه مجاز، وهذا يحتاج إلى دليل؛ أي كونه في ذلك حقيقة وفيما عداه مجاز. ولكن لا مانع أن يأتي السياق باعتبار ما كان، للمح الصفة التي يكون بها في هذا المقام التذكير بعدم التعدي؛ لأن تعدي مال اليتيم فيه زيادة حرمة وظلم. قال: الثاني عشر: واعتبار ما يكون، هو النظر إلى المستقبل، وذلك فيما إذا أطلق اسم الشيء على ما يؤول إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يعني عن صاحبي السجن، أي عصيرًا يؤول أمره إلى خمر؛ لأنه حال عصره لا يكون خمرًا. فالعلاقة هنا اعتبار ما يؤول إليه. وهذا كذلك ادعاء صرف اللفظ عن ظاهره، باعتبار أنه في أحدهم ما أصل، وفي الآخر مجاز؛ في أحدهم ما حقيقة، وفي الآخر مجاز يحتاج لحجة وبرهان. وكونه يعبر بمثل هذا التعبير، هذا فيه زيادة بلاغة وبيان، ويكثر مثل هذا. قال رحمه الله: ونحو ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، قال: والمولود حين يولد لا يكون فاجرا ولا كافرا، ولكنه قد يكون كذلك بعد الطفولة. فأطلق المولود الفاجر، وأريد به الرجل الفاجر، والعلاقة اعتبار ما يكون. وهذا كذلك على ما أورده وجه المجاز فيه كونه في الحقيقة لا يطلق إلا على الصغير، فيطلق على الصغير بهذا الوصف، وهو لا يكون كذلك إلا إذا كبر، من المجاز. فيجاب بأنه كذلك، أما على المجاز بتعريف المتأخرين فلا يصح. هنا لا مانع أن يقال: يمكن أن يأتي التعبير باعتبار ما يقول إليه، وذلك كثير في اللغة. وقد يكون كذلك باعتبار فعل الفجور والكفر من الصغر الذي يلزم منه بقاء ذلك في الكبر، وهذا كذلك حقيقة؛ أي في أطفال المشركين والكفار. قال: الثالث عشر: والحالية هي كون الشيء حالًا في غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ الحال وأريد المحل لما بينهما من الملازمة، نحو: ﴿فِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فالمراد من الرحمة الجنة التي تحل فيها رحمة الله. ففيه مجاز مرسل، وعلاقته الحالية. وكقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، أي لباسكم؛ لحلول الزينة فيه. فالزينة حال، واللباس محلها. ونحو: «وأرى بياضًا يظهر ويختفي، وأرى حركة تعلو وتسفل». وهذا كذلك معناه - على ما أراد من مبحث المجاز - أنه في الحقيقة إنما هو للمحل. فالرحمة المراد بها الجنة، فإطلاق الجنة - إطلاق اسم الرحمة على الجنة - مجاز، هكذا قال؛ لأنه في الحقيقة إنما هو وصف، إطلاقه على المحل من المجاز. والصواب: أن هذا وما ذكر ليس فيه معنى المجاز على تعبير المتأخرين؛ لأنه لا وجود له لا في الشرع ولا في اللغة. ولكن يقال: هذا من التعبير بالعام الذي يدخل في أفراده بعض معانيه. ﴿فِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يشمل الجنة وغير الجنة؛ فمن رحمة الله الجنة، ومن رحمة الله رضوان الله، ومن رحمة الله رؤية الله، ومن رحمة الله نزع الغل بينهم، وغير ذلك يدخل في رحمة الله. فليست رحمة الله منحصرة بالجنة، فالتعبير به مقصود حقيقة، ليس فيه شيء مما يدعى فيه المجاز. قال: الرابع عشر: والمحلية، يكون الشيء يحل فيه غيره، وذلك فيما إذا ذكر لفظ المحلي وأريد به الحال فيه، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، والمراد من يحل في النادي. وهذا كذلك يريد أنه في الحقيقة لا يطلق عليه على هذا المعنى، وإنما - كما قال - إنما يطلق على المكان، ثم أريد به من يحل في هذا المكان، فصار بهذا الاعتبار فيه شيء من التجوز. فيقال: هذا المجاز المدعى هنا - على فهم واصطلاح المتأخرين - ليس بصحيح، بل هو على ظاهره. ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي جمعه الذين يجتمعون في ذلك المكان. وقد يطلق الجماعة - باعتبار المحل - فينسبون إليه باعتبار حلولهم فيه، وهو في هذا حقيقة، ليس به شيء من التجوز. فيقال: «جاء المكيون»، أي من يسكنون مكة. «وجاء المدنيون»، و«جاء كذا وكذا»، وهو فيه حقيقة. وكذلك هنا قال: وكقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أي ألسنتهم؛ لأن القول لا يكون عادة إلا بها - يعني باللسان. وهذا كذلك وجه كونه مجازًا - أي أنه صرف عن ظاهره - فالأفواه الفم بأكملها، وليس الفم الذي يقول، ولكن الذي يقول هو اللسان. فعلى فهمهم واصطلاحهم صار فيه مجاز؛ إذ صرف اللفظ عن ظاهره. والصواب: أنه ليس فيه معنى المجاز على الصلاح المتأخرين، ولكن يقال: أن هذا من إطلاق الكل والمراد به البعض، وهذا كثير في اللغة. بل ربما لو قال قائل: حقيقة حصول القول ليس باللسان فقط، فاللسان يحتاج إلى الفم. وفي أشعار العرب الكثير من التعابير التي يطلق القول فيها على الفم؛ لأنه يصدر منه جملة. قال: الخامس عشر: والبدلية، هي كون الشيء بدلا عن شيء آخر، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾، والمراد الأداء. وهذا كذلك معناه - على قولهم - أن إطلاق القضاء على الأداء فيه شيء من التجوز، وأنه حصل بهذا صرف اللغ عن ظاهره، وهذا خطأ. والصواب: أنه فيه حقيقة؛ لأن المراد بالقضاء ها هنا ليس على ما اصطلح عليه عند بعض الفقهاء من صلاة الصلاة في غير وقتها؛ لأن هذا ليس له أصل في الشرع، حتى أنكر بعض أهل العلم لفظ القضاء بهذا التعبير عند بعض الفقهاء. والصحيح: أنها أداء؛ أنها أداء في وقتها أو في غير وقتها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها؛ فصلاة النائم والناسي للصلاة بعد خروج الوقت ليست قضاء، بل هي أداء». فتسمية صلاة المصلي قضاء ليس هو بهذا المفهوم، ولكنه من الإنقضاء. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾، أي انتهيتم من الصلاة، فهذا حقيقة على ظاهره، ليس فيه شيء من المجاز. قال: السادس عشر: والمبدلية، يكون الشيء مبدلا منه شيء آخر، نحو: «أكلت دم زيد»، أي ديته. فالدم مجاز مرسل علاقته المبدلية؛ لأن الدم مبدل عنه الدية. وهذا التعبير كذلك - على استلاحهم - حصل فيه شيء من صرف اللفظ عن ظاهره؛ إذ الدم يطلق ويراد به السائل الخارج من الإنسان، وإطلاقه على الدية فيه شيء من التجوز. فيقال: هذا - لو صح التعبير به - أي أن أحدا من أهل الفصاحة والبيان يعبر بمثل هذا التعبير لو صح - لقيل: أنه ليس من باب المجاز على استلاح المتأخرين، وإنما من باب ذكر السبب أو إضافة الشيء إلى سببه، وهذا له نظائر في اللغة. قال: السابع عشر: والمجاورة، هي كون الشيء مجاورا لشيء آخر، نحو: «كلمت الجدار والعمود»، أي الجالس بجوارهما. فالجدار والعمود مجازان مرسلان علاقتهما المجاورة؛ يعني وإلا في الأصل لا يكون كلام لهما، فحصل بهذا شيء من التجوز. وعلى القول الصحيح بعدم وجود المجاز في الشرع واللغة، يقال: لو صح هذا التعبير لكان مما فيه مضاف محذوف، مثل: ﴿فَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، والعير، والمراد أهل القرية. وحذف ما يعلم بما يدل عليه السياق سائغ في اللغة، وهو كثير. وقد يكون كذلك على ظاهره؛ أي اسأل كل شيء، فإن البنيان - لو استطاع أن يحدثك - لحدثك أننا صادقون. وكذلك هنا. قال: والتعلق. الثامن عشر: والتعلق الاشتقاقي، وهو إقامة صيغة مقام أخرى، وذلك كإطلاق المصدر على اسم المفعول في قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أي مصنوع. فهنا أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول؛ أي مصنوع الله الذي أتقن كل شيء، أي في مصنوعاته. فكذلك يقال ها هنا: ليس في هذا شيء. أما معنى التجوز أولا: مرادهم من كونه أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول، فهذا فيه تجوز. فيقال: ليس هذا فيه شيء مما يدعى من المجاز على الصلاح المتأخرين، بل المراد منه أن هذا اللفظ أتي وأريد به معنى آخر، وهذا سائغ في اللغة أن يكون لبعض الاشتقاقات تعلق بعضها ببعض في المعاني، ليس فقط في هذا. وكل ما سيأتي مما يدل على أن هذا سائغ في اللغة، وهو فيه حقيقة، ليس فيه شيء من التجوز المدعى. فمثلا: قول الله جل وعلا: ﴿لَا يَحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، أي معلومه، ليس فيه شيء من التجوز، بل هو على ظاهره. فكأنه عبر بالشيء الذي يدل على معناه وزيادة، وهذا ليس نقص، بل هذا كمال؛ زيادة في الكمال. فالتعبير بالمصدر فيه زيادة معنى أكثر من التعبير باسم المفعول؛ لأن معاني اسم المفعول قد تنحصر، بخلاف المصدر. قال: وكإطلاق اسم الفاعل على المصدر في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، أي تكذيب. «وأكذب من ماء دافق»، أو «نعم من ماء دافق»، أي مدفوق. فيريد هذا الإطلاق لإسم الفاعل، وقد أريد به المصدر، نوع من التجوز. والصواب: أنه ليس فيه شيء مما الدعي من المجاز على استلاح المتأخرين، بل هو فيه حقيقة. والإتيان ببعض الصياغ في الاشتقاق بمعاني صياغ أخرى وارد وسائغ في اللغة، وهو كثير. فنقول: يأتي «فعال» بمعنى «مفعول»، ولا يعني ذلك حصول التجوز، بل هو من باب التضمن. ومن باب التضمن: وفي إطلاق اسم الفاعل على المصدر لفت إلى معنى مقصود؛ إذ أن فيه شيء من التخصيص. فقد يكون الكلام يحتاج لشيء من التخصيص، فيؤتى به بهذا التعبير. فهنا: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، المراد التخصيص في هذا المعنى الخاص. وهكذا كذلك الماء الخاص، حتى يؤتى بهذا المعنى الذي أريد به التخصيص، عبر عن المصدر باسم الفاعل. قال: وكإطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول في قوله: «لا عاصم اليوم من أمر الله»، أي لا معصوم. وهذا كذلك أراد أن هذا التعبير حصل فيه تجوز. والصواب: أنه ليس فيه معنى المجاز على الصلاح المتأخرين، بل هو فيه حقيقة. وتبادل الأسماء المشتقة سائغ وكثير في اللغة، وليس هو من باب التجوز، ولكن من باب إدخال معنى على معنى؛ من باب إدخال معنى على معنى، ففيه زيادة فصاحة وبيان بتداخل المعاني. قال: وكإطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل بقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾، أي ساترا. والقرينة على مجازية ما تقدم هي ذكر ما يمنع إرادة المعنى الأصلي. والصواب: يقال فيه كما تقدم: أن المقصود منه زيادة معنى بهذه التعابير. طيب، والله تعالى أعلم.