جواهر البلاغة  114

جواهر البلاغة 114

الدرس في جواهر البلاغة 114، الدرس الرابع عشر بعد المائة:من( وينقسم الإيجاز إلى قسمين:إيجاز قصر وإيجاز حذف ... وقال أكتم بن صيفي خطيب العرب:البلاغة والإجاز ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف إيجاز القصر وأهميته في البلاغة

يناقش مفهوم إيجاز القصر وتضمينه للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، ويبرز أهميته في البلاغة العربية. يشير إلى أمثلة من القرآن الكريم مثل الآية ﴿ولكم في القصاص حياة﴾.

مقارنة بين الآية الكريمة والمثل الشائع من حيث الفصاحة والبلاغة

يتناول مقارنة بين 'القصاص حياة' و'القتل أنفى للقتل'، مبينا تفوق الآية في الاختصار وعدم التكرار والشمولية. يشير إلى استخدام الطباق والتصريح بالهدف في الآية الكريمة.

أمثلة وتطبيقات إيجاز القصر في القرآن والحديث

يُقدم أمثلة على إيجاز القصر في القرآن الكريم وكلام العرب والحديث النبوي، مثل حديث «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء». يبرز أهمية هذا النوع من الإيجاز في البلاغة النبوية والقرآنية.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وينقسم الإيجاز إلى قسمين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف». قال: فإيجاز القصر، ويسمى إيجاز البلاغة، يكون بتضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة من غير حذف، كقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾، فإن معناه كثير ولفظه يسير، إذ المراد أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل، امتنع عن القتل، وفي ذلك حياته وحياة غيره؛ لأن القتل أنفى للقتل، وبذلك تطول الأعمار وتكثر الذرية، ويقبل كل واحد على ما يعود عليه بالنفع، ويتم النظام، ويكثر العمران، فالقصاص هو سبب امتناع الناس عن القتل، فهو الحافظ للحياة. وهذا القسم مطمح نظر البلغاء، وبه تتفاوت أقدارهم، حتى إن بعضهم سئل عن البلاغة فقال: هي إيجاز القصر. وقال أكثم بن صيفي، خطيب العرب: «البلاغة والإيجاز». قوله رحمه الله: «ينقسم الإيجاز إلى قسمين»، مر معنا أن الكلام باعتبار طوله وقصره ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إيجاز، وإطناب، ومساواة، وأن الإيجاز من مواضع البلاغة. ولما كان كذلك، تتبع أهل هذا العلم كلام العرب في الإيجاز، فوجدوه بالاستقراء ينقسم إلى قسمين، فهذان القسمان المذكوران عرفا بالاستقراء باستقراء كلام العرب وتتبع مواضع الإيجاز فيه، فوجدوا أنه ينقسم إلى قسمين: الأول إيجاز القصر، والثاني إيجاز حذف. إيجاز القصر، كما ذكر في التعليق، هو ما تزيد فيه المعاني على الألفاظ، يعني الألفاظ قليلة والمعاني كثيرة. والفرق بينه وبين إيجاز الحذف أن إيجاز القصر لا يقدر فيه محذوف، وأما إيجاز الحذف، فيقدر فيه محذوف. ومثل رحمه الله بقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾، فهذه الآية مما ذكرها البلاغيون أنها من مواضع إيجاز القصر؛ لأن قوله سبحانه: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ تضمنت معاني كثيرة في ألفاظ قليلة. وهذه الآية مما وقع حولها بحث طويل ومجادلة مع بعض أهل العلمانية ومن هم أتباع الحداثة؛ فقد وجد أناس ممن سلك مسلك اللغة والتوسع في علومها، وجد في هؤلاء من له نفس حدا في علمانية، فحاول يشكك في بلاغة وفصاحة القرآن، وهو يريد هذا بزعم منه أنه عند العرب عبارة يأفصح وأكثر من أثار الجدل في هذا هو طه حسين، وله كتابات فيها هذا النفس الذي يدل على تبعيته للكفار ومقاصده السيئة تحت مسمى البحوث اللغوية. فزعم أن قول العرب «القتل أنفى للقتل» أبلغ من هذه الآية: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾. وقد رد عليه كتاب كثر في زمانه، وبيّنوا من الناحية اللغوية والبلاغية وغيرها كيف أن نص الآية أفصح وأبلغ من هذا المثل. ومن ذلك أي الفروق في بيان فصاحة الآية وبلاغتها عن هذا المثل: أن الآية جاءت مختصرة في كلمتين، بينما المثل كان أكثر من ذلك، فالآية «القصاص حياة»، وأما المثل فإنه اجتمع على أكثر من كلمتين، أي من لفظتين. والوجه الثاني من أوجه فصاحة وبيان الآية على المثل: أن الآية ليس فيها تكرار، والمثل فيه تكرار «القتل أنفى للقتل». وكما تقدم معنا في أوائل هذا الكتاب أن التكرار من مواضع قلة البيان. وهكذا كذلك من مواضع الترجيح وتأكيد الفصاحة والبيان في الآية عن المثل: أن الآية شاملة لمعنى كما يقال جامع مانع، بينما المثل ليس كذلك، فيحتاج لاستثناءات، فليس كل قتل يكون نافيا للقتل، ولكن كل قصاص تحصل به الحياة، فصارت الآية أبلغ بهذا المعنى من المثل. ولهذا يحتاج هذا المثل أن يقيد «القتل بالقصاص أنفى للقتل»؛ لأن لفظ «القتل أنفى للقتل» ليس على إطلاقه، وإنما القتل بالقصاص أنفى للقتل، فاحتاج المثل أن يقيد، وأما الآية ما تحتاج لتقييد، وهذا يدل على فصاحة هذا الموضع على هذا الموضع في المثل. وهكذا كذلك من مواضع الترجيح: شدة توافق لفظ الآية، فإن للكلمات كما يقال مواضع محسوسة عند السامع والقارئ توجب له توافق الكلام وقوته، أو تنافره وضعفه، وهو ما يسميه بعض المعاصرين باستواء النظام الصوتي لأحرف الألفاظ، فلا يجد فيها تنافرا وإنما يجد فيها توافقا وقوة، وهذا يجده الإنسان جليا في الآية، وليس كذلك بالنسبة للمثل. وهكذا كذلك ذكروا من مواضع الترجيح خامسا: أن الآية فيها مبحث الطباق، وهو ما كان فيه من جمع بين معنى القصاص ومعنى الحياة، وهذا موضع آخر من مواضع الفصاحة والبيان في الآية، وليس مثله موجود في المثل. وهكذا كذلك سادسا: في الآية التصريح بالهدف المطلوب من القصاص الذي يكون فيه إدخال الحجة والقناعة على السامعين والقارئين ومن يبلغه الآية لفظها وحكمها، فصار في هذا زيادة فصاحة وبيان، ففي الآية التصريح بالمطلوب وهو الحياة والتنصيص عليه، فيكون أزجر للقتل بغير حق وأدعى لحصول القصاص والالتزام به، وكل هذا حصل بكلمة واحدة، وهذا لا يوجد أبدا في المثل. وهكذا سابعا: فيه كذلك من معاني الفصاحة والبيان إدخال معنى القصاص كونه منبعا للحياة، فصار في هذا التعبير والسياق كأن القصاص منبع للحياة، فإذا أوقف أوقفت الحياة كعين الماء وأصل البئر، وهذا معنى آخر يزيد في قوة بيان وفصاحة هذا الموضع من الآية، وكل هذا حصل بكلمة مختصرة. وقد أدرك أهل العربية هذه المعاني في الآيات، فلذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بشيء أفصح منه، بل ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، لعلمهم أن مثل هذا التركيب مما يعجز عنه العرب. وبهذه المقارنة نعرف ما وصل إليه فصاحة وبيان القرآن مما عجز العرب عن الإتيان بمثله، ولو آية، ولو عشر آيات، فضلا أن يدعى أن في كلام العرب ما هو أفصح. وكما قيل: «رب ضار نافعة»، أراد هؤلاء الليبراليون ومن سلك مسلكهم أن يشككوا في القرآن، فما زاد ذلك أهل القرآن إلا إجلالا وتعظيما لكتاب الله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله تعالى: «وهذا القسم مطمح نظر البلغاء وبه تتفاوت أقدارهم»، أي هذا الموضع من مباحث الإيجاز يتشرف له أهل البلاغة والفصاحة؛ لأنه أهم مواضع الإيجاز وهو المقصود: كيف تستطيع أن تأتي بعبارة قليلة تحتوي على معنى كثير، وليس هذا فحسب، بل زيادة على ذلك وبدون حذف، فهو أبلغ من الحذف. ولهذا قال: «حتى إن بعضهم سئل عن البلاغة فقال: هي إيجاز القصر»، يعني كاد أن يحصر البلاغة كلها في إيجاز القصر لأهمية هذا المبحث. وقوله: «وقال أكثم بن صيفي خطيب العرب: البلاغة والإيجاز»، أكثم بن صيفي من فصحاء العرب وبلغائهم، ولفصاحته وبيانه ذكر أهل العربية عنه جملا من خطبه ومن أمثاله، حتى صارت أكثر كلماته كالأمثال يتداولها العرب. ومما يروى عنه، ولو عبارات كثيرة ذكرت في أمثال العرب: أنه قال: «مقتل الرجل بين فكيه»، وهذا فيه كذلك معنى الإيجاز والقصر. ومن كلماته: «من ضيع زاده اعتمد على زاد غيره». ومن كلماته كذلك: «احذر الأمين ولا تأمن الخائن». ومن كلماته: «المكثار كحاطب ليل»، المكثار أي الذي يكثر من الشيء كحاطب ليل، يعني قيل أن حاطب الليل قد يضع بين حطبه ما يضره. وهكذا كذلك من عباراته: أنه كان يقول: «تباعدوا بالديار وتواصوا في المزار»، يعني مما يبقي الألفة قلة الخلطة، مما يبقي الألفة قلة الخلطة. فكلمات أبي حنش أكثم بن صيفي خطيب العرب فيها من هذا النوع من الإيجاز الشيء الكثير، وهو ما يسمى بإيجاز القصر. وأشار في التعليق كذلك إلى بعض الأمثلة الأخرى، مثل قول الله عز وجل: ﴿والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس﴾، فالآية استوعبت جميع أنواع المتاجر وصنوف المرافق التي لا يبلغها العد، وذلك في قوله: ﴿بما ينفع الناس﴾، فللناس فيه منافع في تنقلهم وفي مصالحهم. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، هذا من مواضع إيجاز القصر. ويروى عن عبد الله بن عمر أنه ذكر هذه الآية فقال: «لم يبق شيء لم تطلبه»، يعني أنها استوعبت كل شيء، فلله عز وجل كل شيء. والحديث الذي أشار إليه: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وعود كل جسم ما اعتاد»، فالشاهد نستفيد من هذا المبحث أنه من مواضع الإيجاز التي يحرص عليها الإيجاز بالقصر، وهو كيف تستطيع أن تأتي بمعاني كثيرة لكنها بعبارات قليلة. نقف هنا، والله تعالى أعلم.