الفوز والنجاح بالتمسك بالكتاب والسنة

الفوز والنجاح بالتمسك بالكتاب والسنة

المحاضرة بعنوان الفوز والنجاح بالتمسك بالكتاب والسنة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

فضل مجالس أهل السنة وسبيل الفوز بالطاعة

تبرز المحاضرة فضل مجالس أهل السنة التي تجتمع لطلب العلم والتناصح في الله، مؤكدة أن السعادة الحقيقية والفوز العظيم يكمن في طاعة الله ورسوله لا في المال أو المناصب. وتستشهد بآيات قرآنية وقصص الأمم السابقة التي عوقبت على الإعراض عن الوحي لتأكيد هذا المبدأ.

وجوب التمسك بالقرآن والسنة وشفاء الصدور

يحذر المقطع من عاقبة الطغيان والكفر كما فعل فرعون، ويؤكد أن السعادة الحقيقية في طاعة الله واتباع كتابه وسنة نبيه. ويبين أن القرآن شفاء للصدور والأبدان، وأن الاعتصام بالسنة نجاة من الضلال داعياً المؤمنين للتسليم الكامل لحكم الله ورسوله.

اقتداء السلف الصالح بالانقياد الفوري للكتاب والسنة

يستعرض المقطع مواقف الصحابة رضي الله عنهم في سرعة الامتثال لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم كنزع النعال في الصلاة وتغيير القبلة وإراقة الخمر وستر النساء. ويؤكد أن دستور المسلم هو القرآن والسنة في جميع شؤون الحياة داعياً إلى التوبة والتمسك بالعلم النافع والوحدة على الحق.

خاتمة المجلس بالدعاء والثناء على الحضور

يختتم المتحدث حديثه بالدعاء لله أن يرزق الحضور العلم النافع والعمل الصالح، ويحمد الله رب العالمين. ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الفوز والنجاح بالتمسك بالكتاب والسنة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. أن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فهكذا إخواني في الله، مجالس أهل السنة، وهكذا مجالس طلاب العلم يجتمعون من أماكن بعيدة، ويجتمعون من أماكن شتى، ليس حرصا على دنيا ولا على مناصب ولا على رئاسات ولا لتوزيع وزارات، وإنما اجتماع أهل الإسلام واجتماع أهل السنة لأجل طلب العلم، ولأجل التواصل والتزاور في الله ومن أجل الله، لأجل التناصح. فهذه مجالس خيرة، وهذه مجالس مباركة أن تكون لله ومن أجل الله تبارك وتعالى. هنيئا لهؤلاء الذين إن شاء الله داخلون في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الشهداء والأنبياء، وليسوا بشهداء ولا أنبياء». قالوا: يا رسول الله، صفهم لنا لعلنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابوا في الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم من نور على منابر من نور، لا يخافون يوم يخاف الناس، ولا يحزنون يوم يحزن الناس». ثم تلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فهنيئا لكم معشر الحضور هذا الحرص وهذا الاجتماع، وهنيئا للجميع هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها علينا معشر أهل الإسلام ومعشر أهل السنة، أن وفقنا الله عز وجل إلى التمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ذلك مدار السعادة في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. هكذا ابتدأ الله تبارك وتعالى هذه الآيات الكريمات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. لا تكونوا كالكفار الذين أخبر الله عز وجل عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. لا تكونوا كأهل الكتاب الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. ولكن كما أمرنا الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تَوَلَّوْا وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾. آيات في كتاب الله، وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دعوة لنا لما فيه حياتنا، لما فيه كمالنا، لما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة. فإن الله تبارك وتعالى يدعونا من فوق سبع سماوات إلى ما فيه حياتنا الكاملة، إلى ما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة. فاحرصوا عباد الله على التمسك بهذا الخير، والمسارعة إلى مرضات الله، والمنافسة في ميراث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في هذا الوقت الذي يحلس كثير من الناس على مطامع، وعلى مناصب، وعلى حبوض الدنيا الفانية. فهنيئا لمن وفقه الله عز وجل في خضم هذه الفتن المتلاطمة، وهذه الفتن العظيمة والكثيرة، هنيئا لمن وفقه الله للتمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه السعادة، وهذا هو الفوز الذي يحبه الله عز وجل منا: أن نفوز في الدنيا بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونفوز في الأخرى بالنجاة من النار ودخول الجنة. ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. هذا الفوز عباد الله الذي ينبغي علينا أن نتنافس فيه وأن نسارع إليه، هذا الفوز الذي يحبه الله عز وجل منا. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. ويقول الله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ليس الفوز عباد الله في أن تكون من أهل المليارات، أو أن تكون من أهل الثروات. ليس الفوز عباد الله أن نكون من أهل الإمارات والوزارات والمناصب. ليس الفوز عباد الله في تحصيل الزوجات والأولاد. فهذه نعم زائلة ونعم مؤقتة تنفع صاحبها مادام حيا، فإذا مات فلا المال ينفع ولا الولد يدفع. وإنما كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. كم أخبر الله عز وجل عن أولئك القرون المتقدمة: تمتعوا بالملذات والشهوات، وأجر الله عز وجل لهم الأنهار، وكانت لهم البساتين والحدائق والجنات، فأعربوا عن طاعة الله وكذبوا رسل الله، فعاقبهم الله تبارك وتعالى أشد العقوبة. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. هكذا يقول الله تبارك وتعالى. وهكذا قارون الذي آتاه الله عز وجل من الأموال الشيء الكثير، حتى إن مفاتحه لا تنوء بالعصبة أولي القوة. آتاه الله من الكنوز والأموال والجواهر ما تعجز العصابة القوية القوية من الناس عن حمل هذه المفاتيح، فكيف بهذه الخزائن وكيف بهذه الكنوز عباد الله؟ لكن لما عصى الله تبارك وتعالى، قال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾. وهكذا فرعون الذي طغى في البلاد وعثى أشد العتو، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾، وهو القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾. فأجر الله تبارك وتعالى الماء من فوق رأسه، نعم عباد الله، وأغرقه وجنوده. فعلينا أن نعتبر عباد الله، وأن نعلم أن سعادتنا وأن فوزنا في عبوديتنا لله، في طاعتنا لله. هذه حياة المؤمنين: أن يعيش في الدنيا على طاعة الله وطاعة رسوله، فيكرمهم الله تبارك وتعالى من جنات والأنهار والفوز. نعم عباد الله، علينا أن نعتبر. فإن قصور أوروبا وأمريكا أعظم من قصورنا، وبيوتهم أجمل من بيوتنا، ومناخهم أحسن من مناخنا. والله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. نعم عباد الله، آخرة المتقي خير له من دنياه. ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. فاحمدوا الله عباد الله إذ بصرنا الله عز وجل وأكرمنا بهذا الدين، ومن علينا بدعوة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. ففي هذه البلاد اليمنية، أكرم الله عز وجل أهلها الطيبين، أكرمهم بدعوة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دعوة صافية ودعوة نقية: من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا تدعو الناس إلى عصبية، ولا تدعوهم إلى عنصرية، ولا تدعوهم إلى حزبية، ولا تدعوهم إلى دنيا، ولا تمنّي الناس بالمناصب والأموال وكذا وكذا. وإنما يدعون أنفسهم ويدعون المسلمين إلى التمسك بكتاب الله. كتاب الله عز وجل الهادي: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ما من خير تحتاج إليه البشرية إلا في كتاب الله. فيه نبأ من كان قبلنا، وخبر من بعدنا، والحكم فيما بيننا. كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. من تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، وجد السعادة والرحمة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. هذا الذي يبغي أن نفرح به عباد الله: أن نفرح بالإيمان، وأن نفرح بالهدى، وأن نفرح بالاستقامة، وأن نفرح بالعلم النافع، وأن نفرح بالعمل الصالح. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. هذا كتاب الله، من تمسك به فإنه لا يظل أبدا. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يظل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة». هنيئا عباد الله لمن وفقه الله عز وجل للتمسك بكتابه في جميع أموره. فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾. نعم، جعل الله عز وجل مباركا، جعله الله هادية، جعله الله سبيلا إلى النجاة والسلامة من الفتن والشهوات والبدع والخرافات. فيه شفاء لجميع أمراضنا الحسية والمعنوية. أليس الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. تزول أمراض القلب من الشهوة والشبهة والشكوك والنفاق ومحبة الكفر والمعاصي والبدع وأهلها. هكذا فيه علاج لأمراض أبداننا: إذا وجد مريض ووجد له راق موقن بكتاب الله، وهكذا المريض موقن بكتاب الله، كلاهما معتمد على الله ومحسن الظن بالله تبارك وتعالى، فإن لهذا الكتاب ولهذه الآيات تأثيرا عظيما وعجيبا في حصول الشفاء والعافية. يمر أبو سعيد مع نفر من الصحابة على قبيلة من قبائل العرب، وكانوا كفارا، فطلبوا منهم الضيافة على العادة العربية الحسنة في القيام بحاجة الضيوف ولو كانوا أعداء. فلأجل كفرهم وبغضهم لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أبوا أن يضيفوهم، منعوهم هذا الحق الذي اعتادته العرب. لكن الله سبحانه وتعالى قد كتب لهم رزقا من هذه القبيلة التي بخلت بأقل الأشياء، ما هي إلا لحظات، ويقدر الله سبحانه وتعالى أن يلدغ شيخ القبيلة ورئيس العشيرة، فيقولون لهؤلاء النفر من الصحابة: هل فيكم راق؟ قالوا: والله ما نرقي إلا بجعل، إلا بشيء. فجعلوا لهم قطيعا من الغنم. فجعل أبو سعيد يقرأ الفاتحة وينفث ويمسح، فقام كأنما نشط من عقال، بريئا بإذن الله تبارك وتعالى. هكذا يقول الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا عباد الله، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وقال الله: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وقال الله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقال الله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. وقال الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. وقال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. آيات في كتاب الله فيها الحث على التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد جعله الله هاديا في نفسه، وجعله هاديا لمن تمسك بسنته وعض عليها بالنواجذ منها وتمسك بها. نعم عباد الله، عصمة من الضلال وسلامة من الانحراف. من تمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجا، كما قال الزهري رحمه الله: «كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة، الاعتصام بالسنة هو النجاة». وهكذا يقول الإمام مالك رحمه الله: «السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى». فاحرصوا عباد الله على تعظيم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. احرصوا عباد الله على تعظيم القرآن والسنة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾. نعم، ليس للمؤمن خيار مع حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ما عليه إلا التنفيذ، ما عليه إلا التسليم. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۚ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وهكذا كان السلف الصالح، كانوا معظمين لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أشد التعظيم. جاء جابر بن سليم، وكان لا يعرف شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى رجلا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئا إلا وصدروا عنه وتمسكوا به، فقال: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم عباد الله، كانوا معظمين للسنة، ممتثلين لأوامر رسول الله، محتكمين إليها. صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم في نعلين، فصلى صحابة رضي الله تعالى عنهم في نعلين، فخلع النبي عليه الصلاة والسلام نعليه في الصلاة فجأة، فخلعوا نعالهم. فلما انصرف من صلاة قال: «ما بالكم؟ ما بالكم خلعتم نعالكم؟» قالوا: يا رسول الله، رأيناك خلعت نعلين فخلعنا نعالنا. قال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما أذى». وهكذا اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما، ثم اتخذ الصحابة خواتم، فرمى به، فرمى الصحابة خواتمهم. وهكذا عباد الله، لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، وكانت قبلتهم إلى بيت المقدس، مر رجل على الصحابة وهم في مسجد قباء، ولم يعرفوا بتحول القبلة، فقال: «إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة». فاستقبلوها، كانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا هم في الصلاة، فتوجهوا إلى الكعبة، سرعة انقياد وكمال إيمان وسرعة متابعة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. لما أنزل الله تحريم الخمر، خرج المنادي ينادي: «إن الله عز وجل حرم الخمر». فأمرهم بإراقتها، فبادروا إلى إراقة الخمور، حتى جرت سكك المدينة بهذه الخمور. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾. فما من رجل إنه رجع إلى قريبته، إلى زوجته، إلى أخته، إلى عمته وخالته، يتلو عليها من كتاب الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية. فصلينا صلاة الفجر وكأن على رؤوسهن الغربان. حتى النساء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعون. هكذا كانوا مسارعين، وكانوا ممتثلين. وهكذا عباد الله، ينبغي علينا أن لا نتقدم على كتاب الله ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم برأي، ولا بهوى، ولا بذوق، ولا باستحسان، ولا بعصبية، ولا بمذهب، ولا بأطروحة، ولا بمبدأ. وإنما دستورنا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جميع شؤون حياتنا: في باب العبادات، وفي باب العقيدة، وفي باب المعاملة، وفي باب السياسة، وفي باب الأخلاق، وفي باب المنهاج، وفي باب الدعوة، في جميع شؤون حياتنا. فالله عز وجل أكرمنا بهذه الشريعة العادلة، وهذه العقيدة الصحيحة، وهذه الأخلاق الرفيعة، وهذا الدين العظيم الكامل. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فندعو أنفسنا عباد الله، وندعو إخواننا المسلمين إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. لا عصبية، ولا حزبية، ولا مذهبية، ولا عنصرية، ولا دعوة إلى جاهلية، وإنما دعوة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. الأمة في أمس الحاجة في أن تعود إلى الله. ليس دين الله عز وجل في حاجة إلينا، بل نحن في أمس الحاجة إلى أن نغنم هذا الخير، وأن نتمتع بهذا الدين، وأن نكرم بإتباع المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنحن حينما نقيم حياتنا على مقتضى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يعني ذلك أن الله بحاجة إلينا. الله غني عنا، غني عن صلواتنا، غني عن صيامنا، غني عن بذلنا وإنفاقنا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فالله غني عنا عباد الله، لكننا الفقراء، ولكننا المحتاجون إلى ربنا تبارك وتعالى. فاحرصوا عباد الله على العودة والإنابة والرجوع إلى دين الله، والتوبة من المعاصي والذنوب. فكلنا خطاء، وكلنا مقصر. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم». فع علينا أن نعود إلى ربنا. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فع علينا عباد الله أن نعود إلى ربنا، نتمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نحرص على تحقيق الأخوة فيما بيننا، نحرص على إزالة الشحناء والعداوات والبغضاء. فإن ديننا يأمرنا بالاجتماع والألفة والمودة والمحبة. الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نكون أمة واحدة، وأن نكون كتلة واحدة، وأن نكون جماعة واحدة. ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. هذه دعوة الإسلام، وهذه دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه دعوة أهل السنة: تدعو المجتمع إلى الاجتماع. لكن ليس على البدع، وليس على الأهواء، وليس على الحزبيات، وليس على المصالح والمطامع، ولكن اجتماعا على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. من كان كذلك رفعه الله وأعزه الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ولكن المنافقين لا يفقهون. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. فلنلتمس عباد الله العزة بطاعة الله، ولنلتمس عباد الله العزة بطاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أيها الإخوة، نحرص إذا أردنا أن نتمسك التمسك الصحيح بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، على طلب العلم النافع. فإن العلم يهدي إلى كل خير. العلم نور، والجهل ظلام. العلم هدى، والجهل ضلال. العالم بمنزلة البصير، والجاهل بمنزلة الأعمى. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. احرصوا عباد الله على طلب العلم النافع. احرصوا عباد الله على أن تكونوا على بصيرة من أمركم ودينكم. نسأل الله عز وجل أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.