تعليق - الرد على الأخنائي 37

تعليق - الرد على الأخنائي 37

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 37، الدرس السابع والثلاثون : من : (الوجه الحادي عشر:أن يقال الذين يأمرون بالحج إلى القبور ... مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الشرك واتخاذ القبور مساجد

يشرح الشيخ خطورة الشرك واتخاذ القبور مساجد مستدلاً بالأحاديث والآيات. يُؤكد أن الغلو يؤدي إلى الشرك بالله.

مقارنة بين الشرك وتنقص الرسل

يُبين أن الشرك وتكذيب الرسل أعظم إثمًا من تنقص الرسل، مشيرًا إلى أهمية التوحيد وتصديق الرسل.

أهمية التوحيد والإيمان بالكتاب والرسول

يتناول أهمية التوحيد والإيمان، ويبرز دور القرآن في الدعوة إلى التوحيد وتحدي المعارضين، مشيرًا إلى ضرورة الإخلاص والتوكل.

الرد على ادعاء التنقص للأنبياء وتوضيح الغلو

يفند المؤلف ادعاء التنقص للأنبياء ويوضح أن النهي عن السفر إلى قبورهم ليس تنقصًا، مشيرًا إلى أن الغلو والشرك سبب الادعاء الخاطئ.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى المساجد الثلاثة أو أفضل منهم، هم مشركون من جنس عباد الأوثان، قد جعلوا القبور أوثانًا، وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فقبره لا يمكن أحد أن يصل إليه حتى يتخذه وثنًا، وإنما يصل إلى مسجده، لكن يقصد المسافر إليه أن يتخذه وثنًا في قبر غيره أو يظن ذلك، ولكن لا يمكنه ذلك، بخلاف قبور غيره، فإن فيها ما اتخذ أوثانًا. وقد ثبت باستفاضة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ونهى أمته عن ذلك. فإذا كان من اتخذها مسجدًا يصلي فيه لله تعالى ويدعو الله ملعونًا، فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ويتضرع فيها لغير الله ويخشع فيها لغير الله أحق باللعنة. وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح. ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأنفاله ويسافرون لذلك، فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرًا بالشرك بالله واتخاذ أندادًا من دونه، آمرًا بما حرم الله ورسوله ولعن فاعله. وهو الشرك أعظم الذنوب، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». وأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومعلوم أن الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم عباد الله، ولأنهم أمروا بتوحيده وعبادته وبلغوا أمره ونهيه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. فالغلات في المخلوقين كالنصارى ونحوهم من أهل البدع صاروا بغلوهم مشركين. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. ومعلوم أنه إذا فرض ذنبان: أحدهما الشرك والغلو في المخلوق، والثاني تنقص رسول من بعض حقه، كمن يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول الله، ومعلوم أن نجاته ورفعه إلى السماء أعظم قدرًا من أن يسلط العدو عليه حتى يصلب، فلو نقصه رجل ذلك واعتقد أنه صلب ولم يعلم أن القرآن نفي صلبه، كان هذا النقص دون نقص من غلا فيه وأشرك به. ولو قال قائل: إنه لا تشرع زيارة القبور بحال، لا بسفر ولا بغير سفر، وقال آخر: بل يشرع السفر إليهم بدعائهم والتضرع لهم كما يفعله المشركون وأهل البدع، لكان هذا شركًا أعظم خطأ وضلالًا من ذلك النقص. فالشرك عند الله أعظم إثمًا، وصاحبه أعظم عقوبة وأبعد من المغفرة من المتنقص لهم عن كمال رتبتهم. فإنه إذا كان كلاهما كافرًا، فكفر المشركين أعظم. وكل شرك بالله فهو تكذيب للرسل وتنقص بهم، وليس كل من كذب بعض ما جاءوا به يكون مشركًا كافرًا، مثل كثير من أهل الكتاب. فالشرك أعظم الذنوب، وهؤلاء الجهال المضاهون للنصارى غلوا في التخلص من النقص حتى وقعوا في الشرك والغلو وتكذيب الرسول الذي هو أعظم إثمًا، كما أصاب النصارى، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار. وكان ما فروا إليه من الشرك والغلو وتكذيب الرسل وتنقصهم أعظم إثمًا وعقابًا مما فروا منه مما ظنوه تنقصًا. ولو فروا مما هو نقص لبعض أقدارهم فوقعوا في الشرك، كان ما فروا إليه شرًا مما فروا منه. والدين الحق دين الإسلام، عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسله، كما يدل عليه قولنا: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله». والله سبحانه جمع بين هذين الأصلين في غير موضع. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الآية، فبدأ بالتوحيد، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية. وفي أول سورة آل عمران قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ثم قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، فذكر التوحيد أولًا ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتب. وفي سورة القصص قال: ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، قال: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إلى قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾، فذكر مناداتهم لتحقيق التوحيد أولًا، ثم مناداتهم ماذا أجاب المرسلين. وذكر تبرأ المعبودين من العابدين، ثم قال: ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، فذكر هناك اعتراف المشركين بالتوحيد، وهنا اعتراف المعبودين. وذكر في سورة يونس نظير ما في البقرة، فقرر التوحيد أولًا ثم النبوة، فقال بعد قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، ثم نقول للذين أشركوا: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتُمْ تَصْرِفُونَ﴾، وذكر أنه ليس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فقرر النبوة، ثم تحداهم بالمعارضة ليبين عجزهم وعجز جميع الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، وأنه إنما أنزله الله. وكذلك سورة هود افتتحها بقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تُوْبُوا إِلَيْهِ﴾، وافتتحها بذكر الكتاب، فإنه الداعي إلى التوحيد. فإن هذه نزلت بمكة، ولم يكونوا مقرين بالتوحيد، بخلاف آل عمران، فإنها من أواخر ما نزل، نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر، والخطاب مع النصارى، وكانوا مقرين بالتوحيد، لكن ابتدعوا شركًا وغلوًا، واتبعوا المتشابه من جنس الذين يحجون إلى القبور ويتخذونها أوثانًا. ولهذا لما ذكر آية التحدي في هؤلاء قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾، وأظهر عجزهم، وإن القرآن منزل من الله بالإيمان بالكتاب والرسول وبالتوحيد. قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقوله: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ أي نزل متضمنًا لعلمه، أخبر فيه بعلمه، كما قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فتبين أن الذي تضمنه وعلم الله لا علم غيره. ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم. ومن قال: أنزله وهو يعلمه، ضعيف. فقوله ضعيف، فإنه يعلم كل شيء، وليس كلامه في إثبات علمه. ومثل هذا في القرآن مذكور في مواضع. وقد قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال أبو العالية: وهو من قدماء التابعين: «خلتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟». قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ الآية، فجمع في هذه الآية بين الإيمان بما أنزله على أنبيائه وبين عبادته وحده لا شريك له. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه الآية، وبآية من آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. وهذه الآية هي التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك النصارى في كتابه إليه. وآية البقرة قد قال قبلها: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية، وهذا هو التوحيد، ثم ذكر في هذه الآية الإيمان بما أنزل على أنبيائه. ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾، فأخلص في آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله لله، مع أن الربوبية شاملة، والأعمال مختصة لكل عامل عمله، والإخلاص يتناول الإخلاص في عبادته والإخلاص في التوكل عليه. وفي المأثور عن أبي الدرداء، رواها أبو نعيم في الحلية وغيره، أنه كان يقول: «ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضى بالقدر، والإخلاص للتوكل، والإسلام لله». وهذا للأصلين: توحيد الرب والإيمان برسله، لا بد منهما. ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وهذا يتضمن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين. وقد بسط الكلام على مسمى الإيمان والإسلام في مواضع، مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك. هذا الكلام المؤلف رحمه الله تعالى ظاهر، أراد رحمه الله تعالى أن يبين ويضيف في رده على المعترض وما ادعاه من أن فيه تنقصًا على الأنبياء، تبين وجه هذا الادعاء، وذلك أن حقيقة دين هؤلاء هو من جنس ما عند النصارى من الغلو، وما عند المشركين من الشرك، فلهذا ظن أن النهي عن السفر إلى قبورهم تنقص للأنبياء. وما قفى رحمه الله تعالى من سلام ظاهر لا يحتاج إلى تعليق، الله تعالى على شكرًا.