الدرس في كتاب الصيام 17، الدرس السابع عشر : من : ( الحديث الثالث والتسعون بعد المائة ... ففضل الله واسع وبره كبير ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث فضل صيام وقيام داود عليه السلام وكيفية تطبيقه في الحياة اليومية. بين الشارح أن صيام يوم وإفطار يوم وقيام ثلث الليل هو أحب الصيام والصلاة إلى الله تعالى.
أهمية مراعاة المصلحة في قيام الليل والصيام، حيث يفضل أن يراعي الإنسان حالته واحتياجات أهله. الأفضل قد يعارضه ما هو أفضل منه في بعض الأحيان.
العبادة قسط وعدل، فيجب عدم الإسراف فيها ومراعاة حقوق النفس والأهل والعبادات الأخرى. العدل في العبادات من مقاصد الشرع ويتحقق بالاقتصاد والتوسط.
يتم ختام الدرس بالتأكيد على انتهاء الموضوع المطروح، مع توجيه الشكر والحمد لله رب العالمين. يشدد على أهمية ما سبق من دروس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: الحديث الثالث والتسعون بعد المئة، قال: عن عبد الله بن عمر بن العاص، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما». أورد المؤلف -رحمه الله الحاضر عبد الغني المقدسي- هذا الحديث في سياق ذكر الحديث في باب أفضل الصيام وغيره، وذلك لما في هذا الحديث من بيان أحب الصيام إلى الله، وهو أفضله، صيام داود عليه الصلاة والسلام. لفظ البخاري هو أقرب الألفاظ لما ذكره المؤلف -رحمه الله-، الحديث الذي قبل أن انتهينا منه؟ أو بقي فيه شيء؟ طيب، لفظه غنى، أقرب للفاظ إليه هو لفظ مسلم، وليس لفظ الإمام البخاري، لفظ الإمام مسلم في حديث ألف مئة وتسعة وخمسين، قال -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن عمر بن أوس عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه» الحديث. قال -رحمه الله تعالى الشارح-: المعنى الإجمالي، قال: تقدم ذكر سماحة هذه الشريعة ويسرها، فإن الذي خلق الثقلين أحب أن يعبدوه بما يسهل عليهم بلا كلفة ولا مشقة، فإن أحب الصيام إليه والصلاة ما كان النبي داود عليه الصلاة والسلام يتعبد بهما، وذلك أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان ينام النصف الأول من الليل ليقوم نشيطا على العبادة، فيصلي ثلثه، ثم ينام سدسه الأخير ليكون نشيطا لعبادة أول النهار. قال: وهذه الكيفية هي التي رغبها المشروع الحكيم، يعني فيما جعل النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنى ذلك أنه يصلي ثلث الليل، ثلثا واحدا، وينام ثلثين، اثنين، نصف زائد سدس، كم يساوي؟ نصف زائد سدس، كم يساوي؟ نبي معك نصف تفاحة، زد فوقها سدس التفاحة، كم يكون كله من التفاحة؟ تفاحة، نصفها أعطني إياها، ثم زد لي سدسها، سدس فوق النصف، كم يكون؟ قل لي بالرقم، نصف وسدس، أحد عشر من كم؟ نعم، نصف زائد سدس، نحتاج نأتيك بسبورة هنا، أنا أعمل عملية حسابية، وتوحيد المقام، ثلث زائد سدس، توحيد المقام يصير كم؟ ستة وثلاثة، طمع، عشر، نعم، ثلثين، الذي هو أربع أسدس، صحيح، فإذا ينام الثلثين ويصلي الثلث، ثلث الليل، ولكن يقسم هذا النيام إلى قسمين، نصف النوم، أو نصف الوقت، يجعله في أول الوقت، ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه. طيب، فإذا كان مثلا الليل الباقي من بعد صلاة العشاء، ننتهي من الصلاة الساعة الثامنة، وتتعشى الساعة التاسعة، وتنام الساعة التاسعة والنصف، نمتأ، تبدأ من التاسعة والنصف إلى الرابعة والنصف، مثلا، الأذان، كم ساعات؟ سبع ساعات، متأكد، تمام، سبع ساعات، سبع ساعات، بسمها إلى ثلاثة أثلاث، تصير من ساعتين وكم؟ ساعتين وثلث، يعني ساعتين وعشرين دقيقة، ساعتين وعشرين دقيقة، ثم ينام السدس، وهو الباقي، باقي الذي هو نصف الثلث، معناه ساعة وعشر دقائق، ساعة وعشر دقائق، ينام قبل الفجر حتى يقوم الفجر وهو صاحي ونشيط لصلاة الفجر، هذه السنة التطبيقية لأفضل القيام. من أراد أفضل القيام، وكان هدي النبي عليه الصلاة والسلام كما قال أهل العلم، أكمل الهدي، وذلك لأن مراعاة المصلحة من نشاط الإنسان وعدم نشاطه هو الأفضل في حق عبادة الله عز وجل، ولهذا قالت عائشة -رضي الله عنها-: من كل الليل قد قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني ما كان يلازم هذا المنهج، وهو قيام داود عليه الصلاة والسلام، لا، ليس معناه أنه عليه الصلاة والسلام ترك الأفضل، لا، لكن لأن هذا الأفضل قد يعارضه من المفضول ما هو أفضل منه لوجود مصلحة المفضول، قد يكون أفضل أحيانا لوجود مصلحة. فإذا كان الإنسان نشيطا في ليلة من الليالي، لا بأس أن يقوم كل الليل، وفعل هذا النبي عليه الصلاة والسلام مرة، قام الليل كله، وأحيانا يقوم أول الليل فقط، وأحيانا يقوم وسط الليل، وأحيانا يقوم آخر الليل، فالإنسان يراعي المصلحة، قد يكون الرجل غائب عن أهله، فلا يأتي ويقوم كل الليل، لأن أهله له عليه حق، إذن لا بأس أن يوصل لأول الليل، ويبقى باقي الوقت مع أهله، أو كذلك يكون الإنسان به شيء من المرض، يخاف أنه ما يستطيع يقوم آخر الليل، يقوم أول الليل، أو كذلك كان نشيطا، قام من أول الليل وزاد قليلا، وهكذا يراعي الإنسان المصلحة. ولهذا قالت عائشة -كذلك-: ما أحبت أن ترى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائما إلا رأته قائما، ولا أحبت أن تراه نائما إلا رأته نائما، ومتى المرأة تحب أن ترى زوجها نائما؟ إذا كانت إيش تحتاج إليه؟ ومعناه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي حاجة أهله، فلا تحب شيء إلا وتجد قد فعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، لا تحب أن تراه قائما إلا وتراه قائما، ولا تحب أن تراه نائما إلا وتراه نائما، وهذا معناه أنه كان عليه الصلاة والسلام يراعي حق أهله، وهكذا كذلك يراعي حق عبادته لربه عليه الصلاة والسلام. إذن، هذا أفضل الصيام لمن لا يعارضه حاله وأمره شيء أفضل منه، أو لا، فإذا عارض حاله وأمره شيء أفضل منه، أو لا، فعليه أن يراعي الأصلح والأكمل. وكما مر معنا قريبا أن الصيام من العبادات النافعة والطيبة التي حتى عليها الشرع، ومع ذلك إذا عارض الصيام طلب العلم، فأيهما أفضل؟ الصيام، طلب العلم، طلب العلم. سئل الإمام أحمد -رحمه الله-: الرجل يقوم من الليل، ما أحب إليك أن يصلي أو يطلب العلم؟ قال: يطلب العلم أحب إلي، فإنه إن صلى كان لنفسه، وإن طلب العلم كان للناس أجمعين، إن طلب العلم كان للناس أجمعين. وهكذا هي القاعدة الشرعية في دين الإسلام، فدين الإسلام دل على الأفضل والأكمل، ومع ذلك هذا الأفضل والأكمل إذا عارضه ما هو أفضل منه، ولو لغيره، فإنه يحرص على غيره. ولهذا كان هدي نبينا عليه الصلاة والسلام في الصيام وفي القيام هو أكمل الهدي، مع أن داود كان أعبد الناس، وفعل أفضل الصيام وأفضل القيام، إلا أن نبينا عليه الصلاة والسلام وفق لما هو أكمل منه. قال -رحمه الله تعالى-: ما يأخذ من الحديث، أولا: أن صيام يوم وفطر يوم هو أفضل الصيام، بما فيه صيام الدهر، يعني أفضل من صيام الدهر، وهو أن يصوم كل الأيام سردا، فإن هذا أي صيام كل الأيام سردا خلاف السنة، بل الصحيح أنه محرم، ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، من حديث أبي قتادة وغيره: «لا صام من صام الأبد»، وفي رواية: «لا صام ولا أفطر من صام الأبد»، وفي رواية: «لم يصم ولم يفطر من صام الأبد»، ومعنى هذا ماذا؟ معنى أن النبي عليه الصلاة والسلام يدعو على من فعل ذلك، وهذا يدل أنه غضب، وأن هذا خلاف هدي الإسلام وهدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثانيا، إن نوم النصف الأول من الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أفضل القيام، لما فيه من أخذ النفس حاجتها من الراحة أولا، ثم القيام وقت النزول الإلهي، يعني تفضل ربنا في آخر الليل، هذا هو وقت النزول الإلهي، يعني ينزل ربنا عز وجل كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» الحديث، قال: ثم نوم السدس الأخير ليكون أنشط لصلاة الصبح وأذكاره، فيجمع بذلك النشاط في الليل والنشاط في الفجر. بعض الناس ربما يقوم كل الليل أو يقوم كل آخر الليل، فيصبح وهو ضعيف، ما يستطيع يتحمل صلاة الصبح، ولا كذلك الأذكار بعد صلاة الصبح، لكن أكمل شيء هذا الذي سمعناه. قال: ثالثا، إن العبادة قسط وعدل، فلا يغفل عن عبادته ولا يغلو فيها، لأن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فآتي كل ذي حق حقه، وهكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراعي هذه الحقوق، فإن لكل جهة حق ينبغي أن يراعيها الإنسان. قال -رحمه الله-: قال شيخ الإسلام -ومن ثمة- رحمه الله: الشرع جاء بالعدل في كل شيء، والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشرع، ومعنى الإسراف يعني المبالغة، قال: وأمر بالاستصلاح في العبادات، ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، وهذا من العدل في العبادات، قال: ونهى عن الوصال، وهو الاستمرار بالصيام إلى ما بعد وقت الإفطار، قال: فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشرع، والأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها، وهذا العدل يعرف بالشرع، لا يعرف بالعقل ولا بالعاطفة ولا بالرأي. قال: رابعا، إن الله -تبارك وتعالى- يتعبدك بأنواع كثيرة من العبادات، فإن أوغلت في نوع منها، تركت الباقي، فينبغي إبقاء شيء من القوة لسائر العبادات، يعني أن العبادات منوعة، فأنت لم تخلق للصيام فقط، فلذلك أبقي لنفسك من القوة ما تنشط به في العبادات الأخرى، عندك طلب العلم، عندك الجهاد، عندك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عندك تربية الأبناء والزوجات، عندك كذلك إقامك بتربية نفسك، وكل هذا يحتاج منك إلى وقت، ويحتاج منك إلى قوة، ويحتاج منك إلى فكر، وغير ذلك مما لا يمكن إلا بالاعتزال في العبادات. قال: كما أن العادات التي على الإنسان من معاشرة أهله وزيارة أصدقائه وطلبه الرزق في الدنيا ومحادثة أولاده ونومه، إذا نوى بذلك الأجر وأداء الحقوق، كانت هذه العادات عبادات، ففضل الله واسع وبره كبير، ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكتب للعبد في كل شيء صدقة، حتى ما تجعل في في امرأتك اللقمة، تأخذها وتحطها في فم امرأتك، تؤجر على ذلك، تؤجر على اللقمة، وتؤجر على حسن الخلق والمعاشرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن كل لهو يلهو به ابن آدم باطل إلا ثلاثة»، ما هي هذه الثلاثة؟ ملاعبة الرجل أهله، واحد، والسباحة، والرمي، هذه ثلاثة أشياء يلهو بها ابن آدم، ومع ذلك يكتب له فيها أجر، يكتب له فيها أجر، ففضل الله -كما قال- رحمه الله- واسع وبره كبير. ومن فوائد هذا الحديث كذلك حسن أثر العبادة على صاحبها، فإن نبي الله داود حين كما ثبت في حديث أبي هريرة الصحيح، حين نثر ربنا عز وجل من صلب آدم ذريته بين يديه مثل الذر، رأى نورا في تلك الذرية، قال: من هذا؟ قال: هذا ولد من أولادك يقال له داود، وفسر هذا النور من أهل العلم بأنه عبادة هذا النبي الصالح داود عليه الصلاة والسلام، فإنه كان أعبد الناس، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى فسر لذلك النور في هذه الذرية التي نثرت بين يدي أبينا آدم عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل، مع ما قبله، ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم من عرض أموره على أهل العلم وعلى الشريعة، فإنه لا يستحسن الشيء بهواه وبعاطفته، ولو كان في ظنه أنه من الخير والبر والعبادة، فانظر، هذه عبادة، ومع ذلك أنكرها النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا حتى العبادات والقربات ينبغي أن تعرضها على شرع الله وعلى أهل العلم. وفي هذا الحديث والذي قبله كذلك أهمية التثبت في الأخبار، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بلغه أن عبد الله بن عمر قال ما قال، لم يجزم حتى استنطق عبد الله بن عمر: هل أنت قلت الذي قلت؟ فقال: نعم، يا رسول الله، أو في رواية البخاري: بأبي أنت وأمي، فقلت ذلك، يا رسول الله. وفيه كذلك من المسائل أن يحرص الإنسان -وهذه من أهم المسائل التي ينبغي أن يراعيها الإنسان في عبادتي لربه- أن يحرص الإنسان على المداومة على العمل الصالح، فأحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.