الدرس في كتاب الصيام 16، الدرس السادس عشر : من : ( الحديث الثاني والتسعون بعد المائة ... لأنه أنشط على العمل وأدوم عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ونصيحة النبي صلى الله عليه وسلم له بالاقتصاد في العبادة. أفضل الصيام هو صيام داود عليه السلام.
يُظهر الحديث أهمية المداومة على العمل الصالح وكراهية الإفراط في العبادة. النبي صلى الله عليه وسلم نصح عبد الله بن عمرو بالاعتدال.
لا يجوز صيام الدهر لأنه مخالفة للسنة، وأفضل الصيام صيام داود عليه السلام. كما لا يجوز التعدي على شريعة الله بتحليل أو تحريم بدون دليل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المولد رحمه الله تعالى: قال الحديث الثاني والتسعون بعد المئة، قال عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أني أقول: والله لأصومن النهار ولا أقومن الليل ما عشت». وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنت الذي قلت ذلك؟» فقلت له: «قد قلته، بأبي أنت وأمي». قال: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم أخطر ونم، وقم وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك مثل صيام الدهر». قال: قلت: «إني لأطيق أفضل من ذلك». قال: «فصم يوما وأفطر يومين». قال: قلت: «إني لأطيق أفضل من ذلك». قال: «فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام». قال: فقلت: «إني لأطيق أفضل من ذلك». فقال: «لا أفضل من ذلك». وفي رواية قال: «لا صوم فوق صوم أخي داود عليه السلام شطر الدهر، فصم يوما وأفطر يوما». أورد الحافظ عبد الغني المقبسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث الصيام، وفي ذلك أفضل الصيام وغيره، لينبه رحمه الله تعالى إلى أفضل الصيام، وهو صيام داود عليه الصلاة والسلام، وكذلك لأجل أن ينبه إلى ما يتعلق بهذا الحديث من أحكام، ومن ذلك الاقتصاد والاعتدال في الصيام، وفي العبادة مطلقا. وأقرب هذه الألفاظ، وأقرب لفظ الصحيحين لهذه الألفاظ، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث ألف وتسعمائة وستة وسبعين، قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عمر قال: أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم... الحديث، غير أنه حذف وأخر بقوله: «قم ونم». ففي لفظ البخاري: «قم ونم»، وفي لفظ العمدة: «نم وقم». أخبر النبي صلى الله عليه وسلم... طيب، قال: في لفظ البخاري: «قم ونم»، وفي مثل العمدة: «نم وقم». والصواب: «قم ونم»، فهو لفظ البخاري ومسلم. وهكذا كذلك، ليس في لفظ البخاري بهذا الإسناد جملة: «أنت الذي قلت ذلك». وباقي ألفاظ الحديث هي نفس لفظ العمدة. وأما قوله في رواية: «لا صوم فوق صوم أخي داود»، فهي رواية البخاري في حديث 1980، ورواية مسلم في حديث 159، فاصل 191. كما أن أصل الحديث الأول هو في مسلم بنفس الرقم، إلا أنه في الرقم التفريعي 181. قال الشيخ البسام رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، قال: مجمل معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن عبد الله بن عمر أقسم على أن يصوم فلا يفتر، ويقوم فلا ينام كل عمره، فسأله: هل قال ذلك؟ فقال: نعم. فقال: «إن هذا يشق عليك ولا تحتمله»، يعني: لا تستطيع أن تصوم النهار وتستمر، وتقوم الليل ولا تنام. قال: فقال: «إن هذا يشق عليك ولا تحتمله»، وأرشده إلى الطريق المثلى، وهو أن يصوم بعض الأيام ويفطر بعضا، ويقوم بعض الليل وينام بعضا، وأن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ليكون كمن صام الدهر. فأخبره أنه يطيق أكثر من ذلك، وما زال يطلب الزيادة من الصيام حتى انتهى إلى أفضل الصيام، وهو صيام داود عليه السلام، وذلك أن يصوم يوما ويفطر يوما. قال: فطلب المزيد لرغبته بالخير رضي الله عنه، فقال: «لا صوم أفضل من ذلك». هذا هو المعنى الإجمالي للحديث. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا، رغبة عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما في الخير، وقوته فيه، إذ أقسم على صيام الدهر وقيام كل الليل، ولأجل هذا القسم نهاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، وأخبره أن هذا مما لا يطيقه الإنسان، فضلا عن نهي الشرع عن ذلك. قال رحمه الله: ثانيا، معرفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مدى القدرة على العمل وعاقبته، إذ أخبره أنه لا يستطيع ذلك، بمعنى أنه سيشق عليه. وقد كان يعني صار في آخر حياته عبد الله بن عمر بن العاص لا يستطيع حتى على صيام يوم وإفطار يوم، فصار يتندم إذ لم يأخذ برقصة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكره أن يموت وقد خالف شيئا تركه عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فكان يتعب فيفطر أياما لا يستطيع أن يصوم يوما ويفطر يوما، فيضطر بعد ذلك إلى القضاء، يحسب الأيام التي أفطرها ثم يقضيها، ويسرد الصيام قضاء لما أفطر، كراهية أن يموت على شيء خالف فيه ما تركه عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وكان بهذا قد شق على نفسه رضي الله عنه أرضاه. وفي هذا دليل على أن ما أنزل الله عز وجل من شريعة فيها أكمل ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وأعدل ما يكون عليه العابد من حال، فإنه لا يمكنه الوصول إلى ذلك بعقله، ولا بعاطفته، ولا حتى بحسن تنسكه وعبادته لربه، بل يصل إلى ذلك بالشرع، بالوحي الذي أنزله الله عز وجل. فالله سبحانه أعلم بأنفسنا من أنفسنا، قد الإنسان يكون عنده همة عالية ونية قوية، لكنه في حقيقة الأمر لا يعرف منتهى هذه الهمة، وكذلك حقيقة هذه النية، فإنها ربما تكون على شيء لا يطيقه الجسد، ولا كذلك يستطيع أن يداوم عليه الإنسان. قال رحمه الله تعالى: فإن عبد الله تمنى في آخر أيامه أنه لو قام مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عمله يدينه ويطبر عليه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حذره حذره من أن يفتر عن هذا العمل. وكان من كلامه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة: «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل». ليس الشأن بنقص البدايات، ولكن الشأن بكمال النهايات. فليس الشأن أن تقوم ليلة كاملة أو ليلتين أو ثلاثة أو عشر، ثم بعد ذلك تترك قيام الليل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «يا عبد الله، لا تكن كفلان، كان يقوم الليل ثم تركه». لماذا؟ لأن فلان كلف نفسه ما لا يطيق، اجتهد أيام ثم ترك القيام. فكما قلنا: ليس العبرة بنقص البدايات، ولكن العبرة بكمال النهايات، أن يداوم الإنسان على العبادة ولو قليلة، خير له من أن يجتهد يوما أو يومين، ثم بعد ذلك لا يستطيع المواصلة والاستمرار. قال رحمه الله تعالى: ثالثا، تقدير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العلم بقدرة صاحبه، إذ قصر عبد الله أولا على ثلاثة أيام من كل شهر، فلما طلب المزيد ورأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه الرغبة والقدرة، قال: «فصم يوما وأفطر يومين». فلما أظهر الرغبة بطلب الزيادة، أرشده إلى أفضل الصيام، فقال: «فصم يوما وأفطر يوما». ومراده رحمه الله أن الإنسان ينبغي أن يبتدئ بالأقل، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام. فإن الإنسان إذا ابتدأ بالأقل أعانه ذلك على الاستمرار بالطاعة، مثلا جاءك حماس على أن تصلي ما كنت تصلي الوتر ولا الليل، فجاءك حماس، فلا تبتدئ بقراءة شيء كثير وتطويل عند ذلك تمل وتفتر، لا ابتدئ بشيء يسير معقول، لو صليت 11 ركعة صلي 11 ركعة معتدلة خفيفة حتى تستمر، فإذا حصل الاستمرار وثبت على هذه العبادة، فلا بأس أن تزيد شيئا فشيئا، قليلا فقليلا بما لا يخالف السنة. قال رحمه الله تعالى: رابعا، إن آخر حد للصيام الفاضل هو صيام يوم وفطر يوم، وهو صيام داود عليه السلام، يعني حد الصيام الجائز المشروع فيما يستحب نهايته أن يصوم يوما ويفطر يوما، ما زاد عن ذلك فهو تعدي وعدوان وإضرار بالنفس ومخالفة للشرع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أفضل من ذلك». لا أفضل من هذه العبادة، أفضل الصيام صيام يوم وفطر يوم، إذن لا يزيد الإنسان. قال خامسا: كراهة صيام الدهر، لأنه مخالفة لقوله عليه الصلاة والسلام: «فصم وأفطر». والحديث: «لا صام من صام الأبد». وقد مر معنى الكلام على هذا المعنى فيما سبق في المواصلة. وهكذا كذلك في استمرار الصيام، ليس من السنة أن تستمر في الصيام كل يوم، تصوم تصوم تصوم تصوم، بل لو صمت يومين وأفطرت يوم، هذا خلاف السنة. تستمر على ذلك، تستمر على ذلك خلاف السنة. إذا تريد أن تستمر، فصم يوما وأفطر يوما، فهذا صيام نبي الله داود، هو أفضل الصيام. قال سادسا: سماحة هذه الشريعة، حيث يكره فيها التعمق والتنطع، ويطلب فيها السهولة واليسر، لأنه أنشط على العمل وأدوم عليه. ولكن ميزان السهولة واليسر، وميزان التنطع والتعمق المذموم هو الشرع، ليس بالعاطفة ولا بالرأي. بعض الناس ربما إذا رأى ولده يذهب إلى المسجد، قال: ها ولد، انتبه لا تذهب إلى المسجد ترجع مجنون. ليش يظن أن الذهاب إلى المساجد يأتي بالجنون؟ هذا خطأ. يوجد ناس صحيح، نحن ما ننكر هذا، يوجد ناس فهم الدين فهم خاطئ، مثل المتصوفة، فإن من دينهم الاستدلال والعمل بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها. ومنها: «اذكر الله حتى يقال عنك مجنون». هذا من الأحاديث التي يعملون بها: اذكر الله بأي ذكر حتى يقول الناس عنه مجنون، فإذا قالوا: فلان مجنون مسكين، تجنن، يقول: خلاص بلغت المنزلة، بلغ منزلك الأولياء أو قارب الأولياء. وهذا هو المذموم. أما أن الإنسان يحافظ على الأحكام الشرعية، فهذا ليس تعمقا ولا تنطعا. كما أن اليسر والسهولة ليس معناه ترك الدين، كما يظن بعض الناس. ليس: تحلق لحيتك، قال: الدين يسر. سبحان الله، الدين يسر معناه تحلق اللحية؟ هل حلق اللحية من الدين يسر؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أعفوا اللحى، أرخوا اللحى، خالفوا اليهود». تجد آخر يسمع الغناء، لماذا تسمع الغناء؟ لا يجوز مع الغناء، حرم النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. لا يكون أن أقوام من أمة يستحلون الحرام والحريرة والخمرة والمعازف، يقول: الدين يسر. ساعة لك، ساعة لله. هل معنى هذا هو الدين يسر بفهمك ورأيك وعاطفتك؟ لا. الدين يسر بما يسره الله، والدين سهل بما سهله الله، لا بأن نحلل الحرام أو نتساهل في الواجبات. فهذا الباب يوزن بميزان الشرع، التعمق والتنطع يعرف بميزان الشرع، والسهولة واليسر كذلك يعرف بميزان الشرع. ولا يجوز لمسلم أن يعتدي على شريعة الله فيحلل أو يحرم أو يحكم بتسهيل ويسر أو تعمق وتنطع بما لم يدل الدليل عليه. طيب، نكتب بهذا القدر، ونكمل ما تبقى بداية اللاحق، والحمد لله رب العالمين.