كتاب الصيام 6

كتاب الصيام 6

الدرس في كتاب الصيام 6، الدرس السادس : من : ( الحديث الثامن والسبعون بعد المائة ... قدر له ذلك بنسيانه صيامه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث عائشة وأم سلمة في صيام الجنب

شرح حديث عائشة وأم سلمة حول صيام النبي وهو جنب، واستخلص جواز الصيام للجنب. بين الحديث جواز الصيام سواء من جماع أو احتلام.

حكم الأكل والشرب ناسيًا أثناء الصيام

من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، والشريعة بنيت على اليسر وعدم المؤاخذة بما يخرج عن الاستطاعة. تناول آراء العلماء حول حكم الأكل والشرب ناسيًا.

اكتمال الشريعة الإسلامية وتفاصيل الأحكام

الشريعة الإسلامية اكتملت ولم تفرط في شيء، حتى في أوقات خلل الإنسان، ويدل ذلك على صدق الرسالة وعظمة الدين. يشدد على حكمة الله في شرعه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قم لي حديث أو إسناد الحديث الثاني من حديث الصيام لمن أراد الإسناد. قلنا: أن أقرب الألفاظ إليه ولقضى لباء مسلم حديث عبد الله بن عمر: «إذا رأيتموه فصومه وإذا رأيتموه فأفطروه»، وهو حديث رقم 2551. قال مسلم رحمه الله تعالى: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة». والحديث الثالث حديث أنس. قلنا: أقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رحمه الله، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة». حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنسًا. والحديث الذي بعده حديث أنس عن زيد بن ثابت، كذلك أقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رقم 1921، قال رحمه الله تعالى -أي البخاري-: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما، قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. واليوم حديث عائشة، قال رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والسبعون بعد المئة عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم». وأقرب الألفاظ إلى هذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري برقم 1926، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن أباه أخبر مروان: أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما... الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدرك الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم». وفي هذه الرواية قصة، وذلك أن مروان بلغه أن أبا هريرة يفتي بخلاف هذه البدوي، فأنكر عليه بعد بلوغ هذا الحديث. قال شيخ البسام رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجامع في الليل، وربما أدركه الفجر وهو جنب لم يغتسل، ويتم صومه ولا يقضيه. قال: وهذا الحكم في رمضان وغيره -أي لمن أراد الصيام- لا فرق في ذلك بين رمضان وبين غير رمضان. قال: وهذا مذهب جمهور العلماء، ولم يخالفهم إلا قليل ممن لا يعتد بخلافهم. وقد حكى بعضهم الإجماع على هذا القول. وكما سمعتم كان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي على خلاف هذا الحديث، وينقل أن الفضل بن العباس وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن ذلك يوجب الفطر. ولكن لما بلغه هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة رجع عن قوله رضي الله عنه أرضاه. ولهذا بعضهم قال: ربما حصل وهم، فهي فتوى لبعض الصحابة، ظنها أنها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحاصل: سواء كان هذا أو هذا، فما علم واستيقن من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما هو الذي يقضى به. ومعنى: «أن من أدركه الفجر وهو جنب ولم يغتسل فليتم صومه»، صيامه صحيح، فليتم صومه وصيامه صحيح. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث، قال: أولًا: صحة صوم من أصبح جنبًا من جماع في الليل. وقلنا: هذا هو القول الصحيح. وقد كان أبو هريرة يفتي بخلاف هذا، فتراجع عنه رضي الله عنه أرضاه. قال: ثانيًا: يقاس على الجماع احتلام بطريق الأولى؛ لأنه إذا كان مرخصًا فيه لمن اختاره، فغيره أولى. ومعنى ذلك: إذا كانت الرخصة في الشيء الذي يملكه الإنسان، فالشيء الذي لا يملكه الإنسان وهو الاحتلام -أن الاحتلام يكون من نوم- فالشيء الذي يكون مما لا يملكه الإنسان من باب أولى أن تكون فيه الرخصة. ومعنى: أن الإنسان إذا أدركه الفجر وهو جنب ولم يغتسل -سواء أكان جنبًا من جماع أو كان جنبًا من احتلام- فإن صيامه صحيح، لا يضره ذلك. يغتسل ويصل الفجر ويستمر في صيامه. قال: ثالثًا: أنه لا فرق بين الصوم الواجب والنفل، ولا بين رمضان وغيره؛ لأن الأصل عموم التشريع. فإذا جاز في رمضان، ففي غير رمضان من باب أولى. إذا جاءت الرخصة في الفرض، ففي النفل من باب أولى. ولعل هذا ظاهر. قال: رابعًا: جواز الجماع في ليالي رمضان، ولو كان قبيل طلوع الفجر. فيه كذلك جواز الجماع في ليالي رمضان، ولو كان قبيل طلوع الفجر. بل أفتى بعض أهل العلم: أنه لو أذن المؤذن وهو على ذاك الحال، فنزع -فنزعه- لا يضر بصيامه. قال: وأخذ بعضهم جواز الصيام من الجنب من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني: أن هذا الحكم ليس فقط في السنة، بل جاء معناه في القرآن. وأين ذلك في هذه الآية؟ قال: لأن الآية تقضي جواز الجماع في ليل الصيام كله، ومن جملته الجزء الذي قبيل الفجر، بحيث لا يتسع للغسل. يعني: لو لم يكن وقت حتى للاغتسال، لا شيء في ذلك. لا بأس أن يغتسل الإنسان بعد الفجر. قال: فمن ضرورته الإصباح جنبًا. وهذه دلالة الإشارة عند الأصوليين، والتفسير الإشاري كما مر معنا في مقدمة أصول التفسير، ينقسم إلى قسمين: قسم صحيح تؤيده النصوص وألفاظ اللغة، يأخذ به. وقسم متكلف باطل يعارض النصوص، وفيه كذلك تكلف على ألفاظ اللغة، فهو باطل ومردود. فليس التفسير الإشاري كله مقبولًا، بل منه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود. وهذا الذي هو هنا من النوع المقبول. قال: خامسًا: فضل نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإحسانهن إلى الأمة. يعني: في هذا الحديث كذلك من الفوائد فضل نساء النبي عليه الصلاة والسلام رضي الله عنهن وإحسانهن إلى الأمة. ووجه ذلك، قال: فقد نقلنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من العلم شيء كثير النادر، لا سيما الأحكام الشرعية المنزلية التي لا يطلع عليها إلا هن من أعمال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فرضي الله عنهن وأرضاهن. وفيه كذلك -أي هذا الحديث- دليل على أن مسائل الدين ليس فيها حياء -أي: لا ينبغي أن يستحيا من ذلك- بل الحياء ها هنا مذموم، هو خور وليس بحياء. وإلا فالحياء كله خير، والحياء من الإيمان. لكن إذا صار في موضع يحصل فيه كتمان العلم وإخفاء الحكم الشرعي، فهو ليس بحياء، بل خور مذموم؛ لأن الحياء الذي هو من الإيمان ليس هو الذي يكون فيه كتمان العلم. فرضي الله عنهن وأرضاهن. ما منعهن الحياء أن ينقلن. مثل هذه المسائل العلمية -أمانة وأداء لما علمنا من حكم الله وحكم رسوله عليه الصلاة والسلام في مثل هذا الباب. وهذا كذلك من فوائد هذا الحديث. ولهذا يورد أكثر أهل الحديث هذا الحديث تبعًا للأحاديث المتقدمة في السحور. في هذا الحديث كذلك جواز الصوم من غير سحور. جواز الصوم من غير سحور. ففي هذا الحديث الإصباح على غسل الجنابة، ومعناه: أنه لم يتسحر. واستدل العلماء بهذا الحديث وغيره مما هو بمعناه على أن: أولًا: السحور ليس بواجب، بل هو مستحب؛ لأن الذي يأتي أهله وينام قبيل الفجر حتى يدركه الفجر وهو جنب، معناه: ترك السحور عمدًا. يترك السحور عمدًا. وهذا هو الغالب. وبهذا يعلم أن السحور ليس بواجب. وثانيًا: فيه أن ترك السحور أحيانًا ليس فيه نقص، ليس فيه نقص. فقد وقع للنبي عليه الصلاة والسلام: أنه أحيانًا يصبح وهو جنب -يعني: ما يدركه الغسل- ولا يدرك السحور عليه الصلاة والسلام، هذا أحيانًا. وفيه كذلك من المسائل: جواز صلاة الليل في رمضان في غير آخر الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه آخر الليل وهو نائم. ومعناه: أن صلاة الليل تكون أحيانًا في رمضان في غير آخر الليل. ومعناه: لا يلزم مداومة الصلاة في آخر الليل في ليالي رمضان جميعًا. لا بأس إذا نام آخر الليل في بعض ليالي رمضان. المهم أن يحرص على قيام الليل، ولو في أوله أو وسطه، ولو في أوله أو في وسطه. قال رحمه الله تعالى: الحديث التاسع والسبعون بعد المئة عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وأقرب ألفاظ هذا الحديث هو لفظ الإمام مسلم رحمه الله برقم 2709 في كتاب الصيام، قال مسلم رحمه الله: وحدثني عمر بن محمد الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام القردوسي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». قال شيخ البسام رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، بنيت هذه الشريعة على اليسر والسهولة والتكليف بقدر الطاقة، وعدم المؤاخذة بما يخرج عن الاستطاعة والاختيار. ومن ذلك: أن من أكل أو شرب أو فعل مفطرًا غيرهما -يعني: غير الأكل والشرب- في نهار رمضان أو غيره من الصيام، فليتم صومه، فإنه صحيح؛ لأن هذا ليس من فعله المختار، وإنما هو من الله الذي أطعمه وسقاه. هذا هو المعنى الإجمالي للحديث. يقول: أنها أولًا: المعنى الإجمالي: أن الشريعة بنيت على اليسر والسهولة، والتكليف بحسب الطاقة. وسيأتي ذلك إن شاء الله في مسائل وفوائد هذا الحديث. وفيه على وجه الخصوص كذلك التنبيه إلى الأكل والشرب وما كان لمعنى من المطلقات: أنه إذا وقع على وجه النسيان، فإن صاحبه يُعذر. قال رحمه الله تعالى: اختلاف العلماء، قال: الجمهور من العلماء على أن الأكل والشرب من الناسي لا يفسد الصيام. الأكل والشرب من الناسي لا يفسد الصيام. والدليل هذا الحديث، وعمومات الأدلة كما سيأتي إن شاء الله. قال: والخلاف بينهم في الجماع: هل له حكم الأكل والشرب بعدم الإفساد أم لا؟ فذهب الإمام أحمد وأتباعه إلى أن الجماع مفسد للصيام، ولو كان من الجاهل أو الناسي. وهذه الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله رواية ضعيفة. وقد رويت عنه رواية أخرى: بأنه يقول بعدم الإفساد بالجماع -يعني: أن الجماع مثل الأكل والشرب-. قال: وإذا كان في نهار رمضان، فهو موجب للكفارة، وهو من مفردات مذهب أحمد -يعني: مما روي مفردًا-. قال: ودليلهم على ذلك مفهوم الحديث الذي اقتصر على الأكل والشرب دون الجماع، مما يدل على مخالفته لهما. والصواب: أن الحديث اقتصر على الأكل والشرب؛ لأنه هو الغالب. الغالب أن الخطأ والنسيان يقع في الأكل والشرب، لا في الجماع. لا يحصل النسيان في الجماع إلا نادرًا. وإلا فالغالب أن الخطأ يحصل في الأكل والشرب. فخرج الحديث مخرج الغالب. خرج الحديث مخرج الغالب -يعني: ذكر الشيء الغالب- وليس معناه: أن ما لم يذكر فهو ليس مقصودًا بالحكم. وهذا هو الصواب لعموم الأدلة في ذلك. وقد رويت آثار عن عدد من التابعين، بل من الصحابة: ما يدل على أن الخطأ في ذلك يعذر كذلك، ولو كان من جماع. وقد ذكر بعضهم: أن الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح ترجم بها في بعض أبواب الصحيح عند ذكر هذا الحديث، قال رحمه الله تعالى: ولأن النسيان في الجماع بعيد، بخلاف الأكل والشرب. وكلامه صحيح. ما نقل عن هؤلاء صحيح. النسيان في الجماع بعيد، لكن ليس مستحيلًا. فرق بين بعيد وبين مستحيل. هو بعيد، لكنه ليس مستحيلًا. قد يقع النسيان، خصوصًا في الأيام الأولى من نهار رمضان. قد يصبح الإنسان نائمًا بعد الفجر، فعلى عادته ينسى ويأتي أهله وهو ناسي. فإذا وقع مثل ذلك، وإنما الأعمال بالنيات. والله يعلم خائنة الأعين ما تخفي صدور الذي يكذب على نفسه. فإنما هذا أمره إلى الله. وأما الذي صدر وهو صادق في أنه نسي، والصحيح: أن حكمه كحكم من نسي فأكل أو شرب. قال رحمه الله تعالى: وذهب جماعة: أبو حنيفة والشافعي وداود، وابن تيمية وغيرهم إلى أنه لا يفسد الصيام. واستدل على ذلك بما يأتي: أولًا: لما روى الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة». والحديث حسن بمجموع طرقه، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء حديث 938. ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو العموم؛ لأنه قال: «من أفطر في رمضان ناسيًا»، لم يذكر سبب الفطر. وهذا يشمل جميع المفطرات -سواء أكان أكلًا أو شربًا أو جماعًا-. قال: قال ابن حجر: وهو صحيح -يعني: الحديث-. قال: والإفطار عام في الجماع وغيره. خطأ الإفطار، وصوابه: الإفطار عندكم. إيش الإفطار الذي عنده؟ خطأ مثل عندي. يصوب. يزيد خطأ. قال: والإفطار عام في الجماع وغيره. قال: ثانيًا: العمومات الواردة في مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وهذه الآية عامة تشمل عدم المؤاخذة في النسيان والخطأ. قال: وعفا لأمة عن الخطأ والنسيان، ما استقر عليه -يعني: الحديث-: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». والحديث حسن بمجموع طرقه، جاء من حديث عبد الله بن عباس رواه الحاكم والطبراني، ومن حديث بيدر رواه ابن ماجة، ومن حديث ثوبان رواه الطبراني، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء حديث رقم 82. فهذان الدليلان وغيرهما من الأدلة الأخرى الكثيرة تدل على أن الجماع يلحق بالأكل والشرب. وإنما الأعمال بالنيات. إن بغى أن يتق الله لإنسان، الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال: ثالثًا: أن المخالفين في صحة الصوم يوافقون على سقوط الإثم عنه. يقول: أن المخالفين في الصحة الصوم يوافقون على سقوط الإثم عنه -يعني: يقولون: أنه لا يأثم- فكأنه يقول: كيف تقولون: لا يأثم، وفي نفس الوقت توجبون عليه القضاء؟ إذا كان لا يأثم، فإذن لا قضاء عليه. وسيأتي: أن بعضهم استدل وروي ذلك عن بعض المالكية: استدل بحديث المجامع في نهار رمضان: الرجل صاحب الكفارة، وأنه فعل ذلك جاهلًا، وأنه فعل ذلك جاهلًا، ومع ذلك أمر بالصيام وأوجبت عليه الكفارة. والجواب عن هذا الاستدلال: أن الرجل كان جاهلًا بالكفارة، ولم يكن جاهلًا بالحكم. وفرق بين المسألتين. الرجل جاهل بحكم الكفارة، ولكنه لم يكن جاهلًا بحرمة الجماع في نهار رمضان. واضح. وفرق بين المسألتين. فإذا لا دليل في ذلك الحديث على هذه المسألة. فصح أن يلزم من يقول بعدم الإثم وإيجاب القضاء: أن عدم الإثم يستلزم كذلك عدم القضاء. عدم الإثم يستلزم كذلك عدم القضاء. وهذا هو القول الصحيح. قال رحمه الله تعالى: قال: وإذا كان معذورًا، فإن العذر شامل، ولا وجه للتفريق -يعني: إذا كان معذورًا فلا يأثم، فكذلك يلزم من ذلك أنه معذور، فإنه لا يؤمر كذلك بالقضاء-. هذا هو الصحيح. قال: وأجاب عن دليل الحنابلة: بأن تعليق الحكم في الأكل والشرب من باب تعليق الحكم بالغالب، فلا يدل على نفيه عما عداه. ومعنى تعليق الحكم بالغالب -يعني: بالغالب-. قال: ما يؤخذ من الحديث، قال: أولًا: صحة صوم من أكل أو شرب أو جامع ناسيًا. ثانيًا: أنه ليس عليه إثم في أكله وشربه؛ لأنه ليس له اختيار، لأنه نسي. قال: ثالثًا: معنى إطعامه من الله تعالى وسقيه: أنه وقع من غير اختيار، وإنما الله الذي قدر له ذلك بنسيانه صيامًا. ومعنى: أنه فعل ذلك بغير اختيار، فهو معذور. فساق الله عز وجل له ما يكون سببًا في حصول الأكل والشرب في نهار رمضان، مع عدم فساد صومه. أطعمه الله وسقاه. لكن ليس معناه: أن الإنسان يتساهل في الصيام، من تساهل وفرط أثم، وكذلك أفطر أثم وأفطر. والله عز وجل لا يخفى عليه أحوال عباده سبحانه. وفي هذا الحديث كذلك من الفوائد مما يلحق بما ذكره المؤلف رحمه الله: فيه كذلك التفريق بين ترك وفعل المحظور، وترك المأمور. وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة النسيان والخطأ والإكراه. فإن فعل المحظور ليس كترك المأمور. فعل المحظور -مثل هذا الحديث الآن- أكل أو شرب ناسيًا، يسقط الإثم ويسقط الحكم. بخلاف ترك المأمور. ترك المأمور يسقط الإثم، ولكنه لا يسقط الحكم. لا يسقط الحكم. الآن الأكل والشرب في نهار رمضان من المحظورات، فلما وقع على وجه النسيان سقط الإثم وسقط الحكم. سقط الإثم -يعني: لا يأثم- وسقط الحكم -يعني: لم يؤمر بالقضاء-. بخلاف من ترك مأمورًا، فإذا ترك الإنسان مأمورًا، فإنه لا يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم. فلو أن رجلًا نسي فصل الصلاة بغير طهارة -الطهارة في الصلاة مأمور من المأمورات مأمور من المأمورات- إذا نسي فصل الصلاة بغير طهارة، لا يأثم؛ لأنه ناسي. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله عز وجل: قد فعلت. كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة من حديث ابن عباس. لكن هل معنى ذلك: أنه لا يؤمر بإعادة الصلاة؟ الجواب: لا. هو لا يأثم، لكن الحكم لا يعفى عنه، بل يجب عليه إعادة الصلاة من جديد. وكذلك الرجل المسيء في صلاته، وهذا دليله عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وهكذا كذلك في الطهارة: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. وبحديث عبد الله بن عمر: «لا صلاة من غلول، ولا صلاة بغير طهور». وهكذا كذلك: أن من رجل المسيء في صلاته ترك مأمورات، ومنها الاطمئنان في الصلاة، لم يأثم؛ لأنه جاهل. لكنه لم يعف عنه الحكم من النبي له، بل أمر بإعادة الصلاة. ارجع فصل فإنك لم تصلي. إذا فرقنا نقول: أن فعل المحظور يسقط الإثم والحكم. وأما ترك المأمور، فإنه يسقط الإثم ولا يسقط الحكم. يسقط الإثم ولا يسقط الحكم. وهكذا كذلك من فوائد هذا الحديث: إثبات مراتب القضاء والقدر، وعلى وجه الخصوص أمر المشيئة، وفعل الرب جل وعلا. فالله عز وجل في هذا الحديث يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إنما أطعمه الله وسقاه». ومعناه: أن الله عز وجل قدر له ذلك. قدر له ذلك وهو بفعل العبد. ومعناه: أن فعل العبد تابع لمشيئة الله عز وجل وإرادته. وبه نعرف ما مر معنا اليوم في درس الظهر: أن مشيئة العبد التابعة لمشيئة الله عز وجل تنقسم لقسمين: مشيئة سابقة للفعل، وهي مناط التكليف، وبها يكون الثواب والعقاب. ومشيئة مقترنة بالفعل، ليست هي مناط التكليف، وليس فيها ثواب ولا عقاب. فما كان مقترنًا بالفعل -ومعناه: أن الفعل يكون معه- فهذا الذي أراده الله عز وجل وشاءه، وليس هو مناط الثواب والعقاب. مثل هذا الفعل الآن هنا، وقع الفعل من العبد، لكن بغير اختيار، فليس فيه ثواب ولا عقاب، ولا هو مناط التكليف. أي: وقوع الفعل. فوقوع الفعل بإرادة الله عز وجل ومشيئته واختياره قبل الفعل هو مناط الثواب والعقاب. فلما كان هذا الفعل من غير اختيار، ومن غير إرادة من العبد، فليس فيه عقاب، وليس هو مناط التكليف والثواب. ولكنه شيء أراده الله عز وجل. وأخيرًا في هذا الحديث كذلك من المسائل: رحمة الله عز وجل بعبده، وسعة هذه الشريعة؛ إذ أنه قد استوفي في هذه الشريعة أحكام الناس في حال الاستقامة، وفي حال الخلل. والأمر كما قال سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ حتى في وقت خلل الإنسان، فإن له حكمًا يوافق الشرعة والعقل. وإن دل ذلك على شيء، دل على صدق هذه الرسالة وعظمة هذا الدين. وكذلك حكمة الرب العظيم في شرعه ودينه سبحانه وتعالى. ونستفيد بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.