شرح ستة مواضع من السيرة  2

شرح ستة مواضع من السيرة 2

الدرس في شرح ستة مواضع من السيرة 2، الموضع الأول:قصة نزول الوحي . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتوطئة في رسالة ستة مواضع من السيرة

يشرح المقطع مقدمة رسالة ستة مواضع من السيرة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مشيرًا إلى أهمية فهم دين الأنبياء والابتعاد عن الشرك. ويبين أن العبرة بالحقائق لا بالدعاوى.

قصة نزول الوحي والموضع الأول في رسالة أهل التوحيد والسنة

يتناول المقطع قصة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أن أول ما نزل كان في غار حراء. كما يبين حالة أهل الشرك في الجاهلية.

خطأ المشركين في خلط العبادة بالشرك وأهمية التوحيد

يشرح المقطع كيف أن المشركين خلطوا العبادات بالشرك، مما أبطل أعمالهم، ويؤكد على أهمية التوحيد وخطر الشرك، ويحذر من خطورة الشرك على الأعمال الصالحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في مفتتح رسالته المسماة "ستة مواضع من السيرة". ومما ذكره في مقدمته، رحمه الله تعالى، قوله: "وافهمها فهما حسنا، لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء لتتبعه، ودين المشركين لتتركه". وهذا، كما تقدم، إشارة منه رحمه الله لما يريد أن يذكره في هذه المواضع من السيرة التي يريد أن يوصل السامع والقارئ إلى ما فيه تحقيق التوحيد ومتابعة دين الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، والحذر من الشرك والبعد عن دين المشركين والكافرين. وقوله: "لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء لتتبعه، ودين المشركين لتتركه" يعني مما سيأتي ويذكر. فإن فهمته فهما حسنا وتأملته تأملا صحيحا، فستجد ما أذكره وأوضح وأبينه لك. ثم ذكر رحمه الله تعالى فقال: "فإن أكثر من يدعي الدين ويدعي أنه من الموحدين لا يفهم السنة كما ينبغي". وهذا توطئة لما سيأتي ذكره، وهو يشير إلى بعض من ضل في هذا الباب، سواء ممن كان في زمانه أو من كان قبل ذلك، بل ومن يأتي بعد ذلك. إذ الكثير ممن يدعي أنه على دين ويدعي أنه على توحيد. قوله: "لا يفهم السنة كما ينبغي" وإن كان السياق معناه لا يفهم الدين ولا يفهم التوحيد كما ينبغي، لكن قال "السنة" لأجل أولا أن هذا في مثل هذا المقام أرفق بالسامع والمدعو والقارئ، ولأن المقصود كذلك ها هنا هو أخذ هذه المعاني من أين؟ من السيرة التي هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذن هذا معناه أن العبرة بالحقائق لا بالدعاوى. فكم من يدعي شيئا لا يصح ما يدعيه، سواء في مدح نفسه أو في ذم غيره. فأهل التوحيد يرمون بالغلول والتكفير في زمن المؤلف، وربما قبل هذا وبعده كذلك. وأهل الشرك والبدع والخرافات يدعون أنهم على الدين الحق وأنهم قد قاموا بتوحيد الله. وإذا سألتهم ما توحيد الله الذي أقمتموه، تبين لك أنهم يقصدون توحيد الربوبية. ولهذا يفسرون "لا إله إلا الله" بماذا؟ "ب لا خالق إلا الله". والتفسير هذا قاصر عن الصواب الذي بعث الله عز وجل به الأنبياء والرسل. إذ معنى "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله. الموضع الأول: قصة نزول الوحي، وفيها أن أول آية أرسله الله بها "يا أيها المدثر قم فأنذر" إلى قوله "ولربك فاصبر". هذا هو الموضع الأول من المواضع الست التي جعلها رحمه الله في هذه الرسالة العظيمة على صغر حجمها، ليدلل بها على صحة ما يدعو إليه أهل التوحيد والسنة، وبطلان ما عليه أهل الشرك والبدعة ممن كان في زمانه وممن كان على مثل حالهم ممن سبق ومن يأتي بعدهم. فالموضع الأول في ذكر قصة نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام. وقصة نزول الوحي مشهورة في السيرة، وأحاديثها ثابتة في السنة، وآياتها معروفة في كتاب الله سبحانه وتعالى. فإن أول ما نزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى علينا جميعا كان في غار حراء "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق" الآيات كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين وغيرها من الأحاديث الأخرى. وكذلك أنزل عليه "يا أيها المدثر". وقوله: "وفيها أن أول آية أرسله الله بها يا أيها المدثر" هذا على ما اشتهر بين أهل العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نبئ بإقرأ وأرسل بيا أيها المدثر. وهذا المشهور ليس فيه نص صحيح صريح على هذا التفريق. لكن من جهة المعنى هو معنى صحيح دلت عليه الأدلة. ثم قال رحمه الله: "فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء كثيرة يعرفون أنها من الظلم والعدوان مثل الزنا، وعرفت أيضا أنهم يفعلون شيئا من العبادة يتقربون بها إلى الله مثل الحج والعمرة والصدقة على المساكين والإحسان إليهم وغير ذلك، وأجلها عندهم الشرك، فهو أجل ما يتقربون به إلى الله عندهم". ثم قال: "كما ذكر الله عنهم أنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا ويقولون هؤلاء شفعاء عند الله". وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبَهُمْ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 30]. فأول ما أمره الله به الإنذار عنه قبل الإنذار عن الزنا والسرقة وغيرهما. وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام، ومنهم من تعلق على الملائكة وعلى الأولياء من بني آدم. ويقولون: "ما نريد منهم إلا شفاعتهم". ومع هذا بدأ بالإنذار عنه في أول آية أرسله الله بها. ثم قال: "فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء إلى آخره". يريد أن يشير أن أهل الشرك كان عندهم أشياء كثيرة، عندهم ظلم، عندهم عدوان، عندهم زنا، عندهم أنواع من الذنوب والمعاصي. كما أن أهل الشرك كانت عندهم عبادات، مثل الحج والعمرة والصدقة على المساكين والإحسان. وقد مر معنا في دروس سابقة في "القواعد الأربع" وهكذا كذلك في "كشف الشبهات" بل "والأصول الثلاثة" وهو يشير ها هنا أنه ذكر مثل هذا في رسائل سابقة: أن أهل الشرك لم يكونوا منعدمين عن العبادات، كانت لهم عبادات. قال الله عز وجل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 19]. فأثبت أنهم كانوا يعمرون المسجد الحرام بالسقاية وكذلك البناء وغير ذلك، حتى الحج والعمرة، فكانوا يحجون ويلبون كما جاء في الصحيح: أنهم كانوا في استلبية يقولون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". فخلطوا مع هذه العبادة الشرك، فكانت لهم عبادات. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]، فأثبت أن لهم صلوات حول البيت ولهم عبادة. وفي حديث عمر أنه نذر أن يعتكف يوما في سبيل الله في مكة في الحرم في الجاهلية. ومعنى أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون ماذا الاعتكاف، فهو عبادة عندهم. لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في السنة التاسعة وأمر علينا أن ينادي: "أن لا يطوفن بالبيت مشرك ولا عريان". ومعنى أن المشركين كانوا يأتون للحج وأنهم يطوفون بالبيت، وإن كان في تلك العبادات البدع والخلل والخرافات. فالخلاصة: أراد أن يبين رحمه الله أن هذه العبادات لم تنفع هؤلاء المشركين لأن الشرك يبطل كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]. وأن تلك الذنوب والمعاصي التي عندهم لم تكن -وإن كانت عظيمة عند الله- مثل المسألة الأولى العظيمة التي هي أم المسائل وأولها، وهي مسألة التوحيد والتحذير من الشرك، الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك. ولهذا كانت هذه الآيات التي فيها أول أمر أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الناس إياه فيها الأمر بالتوحيد والتحذير من الشرك. وقوله: "وأجلها عندهم الشرك، فهو أجل ما يتقربون به إلى الله" يعني أن هؤلاء لما كان عندهم أجل شيء الشرك، كان ماذا؟ أول ما يعتنى به في دعوتهم التحذير من الشرك. كما أن كذلك في هذا إشارة إلى أن هذا الشرك هو الذي أحبط عليهم تلك العبادات فلم تنفعهم. وفيه كذلك جهل المشركين إذ جعلوا الشرك مما يتقرب به إلى الله. فكذلك المشركون في زمن المؤلف رحمه الله جعلوا الشرك من أعظم ما يتقربون به إلى الله. فلو سئل أحد من فيهم لوثة شركية من عباد القبور وأنصارهم وأتباعهم لعن أعظم ما يتقرب به إلى الله لقال: "زيارة الحول أو الذبح عند القبة الفلانية أو النذر للشيخ فلان". وبهذا وصل إلى ما يريد الإشارة إليه من التنبيه إلى أهمية التوحيد في حياة أهل الإسلام وخطر الشرك ووجوب الاعتناء بتفاصيل ومسائل هذا الباب بما يكون به سلامة الدين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.