الدرس في شرح ستة مواضع من السيرة 1، المقدمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أهمية فهم السيرة النبوية لمعرفة دين الأنبياء ودين المشركين، ويبرز أهمية ستة مواضع منها في هذا السياق. يبدأ بشرح قصة نزول الوحي كأول موضع.
يتناول المقطع أسلوب الشيخ في عرض الموضوع بجعل القارئ متشوقا لمعرفة المزيد، ويبرز أهمية استخدام الوسائل التعليمية المناسبة. كما يشير إلى أهمية الاختصار في عرض العلم لتحفيز الناس على التعلم.
يتحدث المقطع عن أهمية الفهم الصحيح والحسن للسيرة النبوية، والحذر من الشبهات والضلالات. يشدد على الحرص على فهم الحق بشكل صحيح ويؤكد على أهمية ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا الناقل: قال شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، عفى عنه، آمين. تأمل -رحمك الله- ستة مواضع من السيرة، وفهمها فهما حسنا؛ لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء لتتبعه، ودين المشركين لتتركه. فإن أكثر من يدعي الدين، ويدعي أنه من الموحدين، لا يفهم السنة كما ينبغي. الموضع الأول: قصة نزول الوحي، وفيها أن أول آية أرسله الله بها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قولي: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء كثيرة يعرفون أنها من الظلم والعدوان، مثل الزنا، وعرفت أيضا أنهم يفعلون شيئا من العبادة يتقربون بها إلى الله، مثل الحج والعمرة، والصدقة على المساكين، والإحسان إليهم، وغير ذلك. وأجلها عندهم الشرك، فهو أجل ما يتقربون به إلى الله عندهم، كما ذكر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال: فأول ما أمره الله به الإنذار عنه، قبل الإنذار عن الزنا والسرقة وغيرهما. وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام، ومنهم من تعلق على الملائكة، وعلى الأولياء من بني آدم، ويقولون: ما نريد منهم إلا شفاعتهم. ومع هذا بدأ بالإنذار عنه في أول آية أرسله الله بها. فإن أحكمت هذه المسألة، فيا بشراك! فصوصا إذا عرفت أن ما بعدها أعظم من الصلوات الخمس، ولم تفرض إلا في ليلة الإسراء، سنة عشر، بعد حصار الشعبي، وموت أبي طالب، وبعد هجرة الحبشة بسنتين. فإذا عرفت أن تلك الأمور الكثيرة، والعدا والبالغة، كل ذلك عند هذه المسألة قبل فرض الصلاة، رجوت أن تعرف المسألة. هذه رسالة عظيمة من رسائل الشيخ الإمام المجدد، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. جعلها -رحمه الله- وقفات ست مع ستة مواضع من السيرة، أي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن قرأ سيرة هذا الإمام، وما كان عليه في نفسه، ومن معه من أهل الحق، وما كان عليه الناس في مجتمعه، وفيهم أهل الجهل، ويشوش عليهم أهل الباطل، علم عظيم جهاد هذا الإمام بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان، وما كان عليه -رحمه الله- من الصبر والجد والاجتهاد، وحسن البلاء في نصرة هذا الدين، وتوحيد وتوحيد رب العالمين. وهذه رسالة ومؤلف من مؤلفاته، نستفيد منها ما ينبغي أن يكون عليه الداعي إلى الله من بذل الوسائل المتنوعة، والطرق العديدة في دعوة الناس إلى الحق، وتعريفهم به، ومحاججة أهل الباطل، وخصمهم. ومن تتبع مؤلفات هذا الإمام، وجد أنها مؤلفات عجيبة، يدلك على جده واجتهاده. وهذا من عاجل بشرى الرب سبحانه وتعالى، وإكرامه بهذه المؤلفات، وهذه الطرق الموفقة. كتاب التوحيد الذي جعله على نسق صحيح الإمام البخاري، وهكذا كذلك مختصر السيرة الذي جعله على نسق كتب السيرة المشهورة، وغير ذلك من مؤلفاته الصغار والكبار. الشيء الجامع بينها، على اختلاف مسائلها، وتنوع مباحثها، أنها تدور حول معنى واحد عظيم، مع ما تتضمنه من مسائل كثيرة وعديدة في طياتها، ألا وهو بيان التوحيد الذي دعت به الرسل، والشرك الذي حذرت منه، وخصوصا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الرسالة نوع من تلك الأنواع، وكيفية من تلك الكيفيات. فقد جعل هذه الرسالة المختصرة وقفات مع ستة مواضع من السيرة، أي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ماذا يريد من هذه الوقفات؟ تأكيد عظيم ما جاء به هذا الدين من أمر توحيد الرب سبحانه وتعالى، وكيف أنه من أعظم الأمور التي كانت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وماذا يريد بهذا -رحمه الله-؟ يريد بهذا -رحمه الله- تعدد أنواع الحجج على أهل الجهل والمخالفين، ومن في قلبه شك وريب ممن يسمع من أهل الضلال والباطل المبطلين. فإن كثرت هذه الحجج وتنوعها، لعلها تكون سببا في هداية هؤلاء، واستجابتهم لدعوة أهل الحق. ابتدأ الشيخ -رحمه الله- هذه الرسالة بقوله: «تأمل -رحمك الله- ستة مواضع من السيرة، وفهمها فهما حسنا». وفي هذا من حسن ما ابتدأ به الشيخ مما يسمى حسن المطلع وبراعة الاستهلال، ما يدعو إلى انتباه القارئ والسامع، وشده إلى هذا الذي دعي إليه. فقوله: «تأمل» يدعوه إلى التدبر وإلى الانتباه. وفي قوله: «رحمك الله» كذلك فيه إظهار حسن السريرة، وإظهار حسن النية، ورغبة الخير للغير، ودفع التهمة عن أهل الحق أنهم أهل جفاء، وأنهم أهل غلظة، وأنهم يريدون الشر بالمجتمع. فمن سمع مثل هذا الأسلوب، وهو لم يسمع مثله من مشائخه ولا من علمائه، استدعاه ذلك أن يغير نظرته عن أهل الحق، وأن يعيد النظر في تلك التهم والأباطيل التي يرمى بها أهل الحق. بمجرد أن يسمع مفتتح الكلام، يقول: هذا ليس كلام أهل الجفاء، ولا أسلوب أهل الكبر والخيلاء، ولا أهل البغي والعدوان على الناس، بل هذا أسلوب من عنده شيء من الرحمة، من عنده شيء من الرفق، من يريد الخير للناس. وهذا يدعوه إلى ماذا؟ إلى الإقبال على هذا الحق. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي لله، ومعلمي الناس الخير، يستعملون الوسائل العلمية والعملية، القولية وغيرها، التي تكون سببا في تحذيب هذا الدين والحق لمن لم يعرفه. وفي قوله: «ستة مواضع من السيرة» فيه أسلوب من أساليب التعليم، وهو الإجمال قبل التفصيل. وهذا فيه ثلاثة فوائد: الفائدة الأولى أنه يدعو القارئ والسامع إلى التشوق إلى ما بعده، حين تقول له: هذه ستة مواضع. أول ما يأتي سؤال واستفهام: ما هي هذه الستة؟ وجواب هذا السؤال والاستفهام يدعوه ويشوقه أن يقرأ ما بعده. والفائدة الثانية أن فيه كذلك معنى آخر من معاني التحبيب والتقريب لهذا العلم، إذ فيه الاختصار. حين يسمع: «ستة مواضع» يدعوه هذا أن يقبل ويسمع أو يقرأ، يعرف أنه شيء يسير، لن يعجزه، ولن يمله، ولن يثقل عليه. وهو كذلك يعين على حفظ العلم وفهمه، يعين على حفظ العلم وفهمه؛ لأن مثل هذا التقسيم يساعد على الحفظ والفهم. وهو أسلوب كذلك -كما تقدم- استعمله الشيخ -رحمه الله- في مواضع كثيرة من مؤلفاته: «الأصول الثلاثة»، و«القواعد الأربعة»، و«ستة مواضع من السيرة»، و«شرح كلمة التوحيد»، وغير ذلك من مؤلفاته التي فيها ذكر العدد اليسير الذي يشجع ويحف على الإقبال على هذا العلم الذي يدعو إليه. وهكذا ينبغي أن يستعمل طالب العلم، والداعي إلى الله، ومعلم الناس الخير، الاختصار في العلم في إقبال الناس على هذا العلم وتعلمه. فأنت قد تحتاج إلى بسط في موضع، وقد تحتاج إلى الاختصار في موضع آخر. والاختصار ينفع العوام، ومن كان أمثالهم ممن يكون ذلك مدعاه لإقباله على هذا العلم. وفي قوله: «وفهمها فهما حسنا» تأكيد أولا. بعد أن ذكر السيرة، والسيرة محل اتفاق بين جميع المسلمين، وقبول. وفي هذا استعمال صاحب الحق الأدلة المتفق عليها في إقامة الحج على المخالفين؛ لأنه لو قال: من أدلة الكتاب والسنة والسيرة، فيها مواضع من أدلة الكتاب والسنة، لم يكن مؤثرا وداعيا للقبول مثل أن يقول: من السيرة. مثل أن يقول: من السيرة؛ لأن هذا موضع اتفاق. وكذلك فيه إظهار أن أهل الحق وأهل السنة أحرص الناس اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم، وأفهمهم بسيرته؛ حتى لا يظن أنهم لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم. إذ الكثير ممن ابتلي بلوثات شركية يلقنون أن أهل التوحيد -على أقل الأحوال- يبخلون على أنفسهم وعلى أتباعهم كل معاني حب النبي صلى الله عليه وسلم. بينما لو حققوا الحق وأنصفوا، فهم يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من أهل الباطل. كم في المجلس الواحد من مجالس العلم يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام، وهم كذلك. بينما هؤلاء يجتمعون على الصلاة في ماذا؟ يوم في الأسبوع، أو يوم في الشهر، أو يوم في السنة، على اختلاف مراتب أهل تلك الفرق. فمنهم من يجتمع يوم في الأسبوع، ومنهم من يجتمع يوم في الشهر، ومنهم من يجتمع يوم في السنة. وأما أهل الحق فليس كذلك. وهكذا كذلك السيرة. وكذلك فيه أن المقصود من السيرة الفهم والاتباع. وفي قولي: «وفهمها فهما حسنا» تأكيد لما تقدم، وكذلك حث على الحرص على الاستفادة من السيرة، لا بالسماع فحسب، كما يفعله المتصوفة ومن نهج نهجهم. فهم يسردونها سردا في أيام اجتماعهم في قراءة الموالد ونحوها، يسردون شيئا من السيرة، وفيها الضعيف، وفيها ... وفيها ... سردا لا يفهم فيه، أو لا يكاد يفهم فيه قراءة القارئ، فضلا أن تعرف معاني تلك الألفاظ. حتى معاني الألفاظ هي من باب أولى أنها بعيدة. وقوله: «فهما حسنا» تأكيد على الحرص على الفهم الصحيح الحسن، والحذر من دخول الشبهات، وكذلك الضلالات والبدع والعوائد التي هي من أعظم أسباب الفهم السيء، فتحرف الحق، ولا تعين على فهم الفهم الصحيح. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.