الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 22، الدرس الثاني والعشرون:من( ولهذا قرر الشيخ في هذا المقام بقوله:وحكمته العليا اقتضت ما اقتضه من ... ليس بمجبور على ذلك ولا مكروه ولا مقسور بل مختار مسرف كفور ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الهداية إلى دار السلام تكون بتصديق خبر الله ورسوله وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، والله يهدي من يشاء بهدايتين: هداية دعوة وإرشاد، وهداية توفيق. هذا المفهوم يشكل أساس السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
السعادة تتحقق بالعلم والصدق فيه والعمل الصالح واجتناب المعاصي، حيث أن الأعمال السيئة تؤثر على القلب وتؤدي إلى الشقاء. اتباع أصول السعادة ييسر للإنسان عمل أهل السعادة.
علم الله السابق لا يمنع العبد من المسؤولية عن أفعاله، والله يعلم ما سيكون عليه العبد في المستقبل دون أن يجبره على فعل معين. هذا المفهوم يوضح العلاقة بين القدر وحرية العبد.
لا حجة لأهل القدر في فعل العاصي للمعصية مع سبق علم الله بها، بل هي حجة لله ولما جاء في شريعته. هذا الرد يفند مزاعمهم ويؤكد على حجة الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على تائية شيخ الإسلام في القدر: «وحكمته العليا اقتضت ما اقتضته من فروق بعلم، ثم أيدي ورحمتي يسوق للتعذيب بالسبب الذي يقدره نحو العذاب بعزتي، ويهديء للتنعم نحو نعيمهم بأعمال صدق في رجاء وخشية، وأمر إله الخلق بين ما به يسوق للتنعم نحو السعادة، فمن كان من أهل السعادة أثرت أوامره فيه بتيسير صنعتي، ومن كان من أهل الشقاوة لم يبال بأمر ولا نهي بتيسير شقوتي، ولا مخرج للعبد عما به قضى، ولكنه مختار حسن وسوأتي، فليس بمجبور عديم إرادة، ولكنه شاء بخلق الإرادة». قال رحمه الله تعالى: يعني أن حكمة الرب العليا اقتضت افتراق العباد بالعلم والجهل والعمل والكسل والنعيم وضده، وذلك بحسب عملهم بالأسباب النافعة أو الأسباب الضارة. فإن الله دعا إلى دار السلام، وبين طريقها وأعمال البر الموصلة إليها، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، فهو يهدي من يشاء سبحانه وتعالى بهدايتين: هداية دعوة وإرشاد، وهداية توفيق. فأما هداية الدعوة والإرشاد، فبما أرسل من رسل، وأنزل من كتب، وأقام من عهود، وفطر الخلق من فطرة، ووضع للخلق عقول يميزون بين النافع والضار، وبين الاستقامة والانحراف، والبر من الإثم، والهدى والتقى من الضلال والفجور، وغير ذلك مما كانت به هداية الدلالة والإرشاد. وأخرى هداية توفيق، يوفق الله عز وجل من يشاء منه سبحانه وتعالى فضلا، ويضل من يشاء جل وعلا عدلا. ومع ذلك، هذه الهداية التي هي هداية توفيق يكون لها سبب عند العبد، بما يكون من صدقه وصلاحه، كما دلت عليه الأدلة الكثيرة فيما ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: فإن الله دعا إلى دار السلام، وبين طريقها وأعمال البر الموصلة إليها، التي مرجعها إلى ثلاثة أمور: تصديق خبر الله ورسوله، وامتثال أمر الله ورسوله، واجتناب نهيهما. وأمر العباد بسلوكها، وأخبر بما لهم عنده من الكرامة. فمن كان من أهل السعادة يسره لعمل أهل السعادة، وحبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فسار بحسن طريقة إلى سعادته الأبدية. ومن كان من أهل الشقاوة لم يبال بأمر الله ولا نهيه، بل كذب وتولى، فاستحق العذاب بجرمه وذنوبه. بين الله له الهدى، وأمره بسلوكه، فأدبر وتولى، فولاه الله ما تولى لنفسه، ووكله إليها. ومن وكل إلى نفسه الأمارة بكل سوء الظالم الجاهل، فقد هلك، وذلك بما كسبت يداه، ليس بمجبور على ذلك، ولا مكره، ولا مقصور. قال: بل هو مختار مسرف كفور. وهذا بيان من الشيخ رحمه الله تعالى أولا في معنى الوصول إلى دار السلام والهداية، أن ذلك يكون بثلاثة أمور: أولها كما ذكر تصديق خبر الله ورسوله، وهذا التصديق يكون ببلوغ علم، وكذلك ثبوت هذا العلم على وجه الصدق. فالعلم لابد منه، وقبول هذا العلم والصدق فيه لابد منه في حصول تصديق خبر الله ورسوله. ثم قال: وامتثال أمر الله ورسوله، كذلك طريق دار السلام وأعمال البر والهداية يكون بامتثال الأمر أمر الله وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا من لوازم الصدق، والذي جاء بالصدق ماذا وصدق به؟ لا يكفي أن يقول ويدعي الصدق وهو لا يبرهنه بعمل، بل لابد من أن يبرهن ذلك بعمل. فإن ذلك من أسباب الهداية، لأن هذه الأعمال مع العلم سبب لحصول المطلوب في السعادة. كما قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. فأعظم أسباب السعادة والنعيم في الدنيا والآخرة بعد الصدق العمل الصالح، فإنه إذا امتثل هذا العلم بالعمل وأتبعه به، فإنه عند ذلك تحصل له السعادة. والثالث: قال واجتناب نهيهما، لأن من حصل أسباب السعادة بالعلم والصدق فيه والعمل الصالح، ثم لم يجتنب العمل السيء، فإنه عند ذلك يفوته معنى السعادة. فمثل العمل السيء كالنجاسة في الماء الطاهر، هل يبقى الماء الطاهر طاهرا إذا وقعت فيه نجاسة؟ الجواب: لا. فإن الماء الطاهر النقي الطيب ينقلب إلى خبيث. وكذلك الأعمال السيئة من شرك وكفر ونفاق وبدعة وفجور أمثالها كأمثال النجاسات بالنسبة للماء الطاهر الطيب. فمن أسباب بقاء الماء طيبا طاهرا ماذا؟ إبقاؤه على نقاوته باجتناب كل ما يفسده. وكذلك من أراد أن يحافظ على إيمانه وعلى سعادته في الدنيا والآخرة، فعليه أن يجتنب كل ما نهى الله عز وجل عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم. فإن فعل ذلك حصلت له السعادة. فهذه هي أصول السعادة، وتحت هذه الأصول الثلاثة تفاصيل كثيرة دلت عليها الأدلة من الكتاب ومن السنة. وقوله: وأمر العباد بسلوكها، يعني بسلوك الطريق إلى السعادة بامتثال هذه الأصول الثلاثة: العلم والصدق فيه والعمل والمداومة عليها أو عليه، واجتناب النهي كذلك. قال: وأخبر بما لهم عنده من الكرامة، يعني إنهم فعلوا ذلك. قال: فمن كان من أهل السعادة يسره لعمل أهل السعادة، وحبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه. وهذا فيه إشارة إلى قول الله عز وجل: ﴿وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. ومع قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عليه الصحيحين حين حضر جنازة وحضر دفن قبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من نفس منفوسة إلا وكتب مكانها من جنة أو نار، أو قال: كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل: يا رسول الله، ألا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۞ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۞ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۞ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. قرأ هذه الآية العظيمة التي تفسر وتبين معنى هذا التيسير والتصيير. فقوله عليه الصلاة والسلام: «فسيصير لأهل السعادة»، وفي قوله كذلك: «فييسرون لعمل أهل السعادة»، وهكذا كذلك بالنسبة لأهل الشقاوة العكس. هذا مع قوله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ماذا؟ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. فإذا هذه الأصول الثلاثة التي أشار إليها رحمه الله: العلم، لأنه لا يمكن أن يكون هناك عطاء وتقوى وتصديق من دون علم لابد من علم. وهكذا صدق في هذا العلم، وهكذا هذا العلم لابد أن يتبع بعمل. ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، ومعنى صدق بالحسنى بقوله وبفعله وبجوارحه وباستمراره على طاعته، فهو معنى عام عظيم يتناول تحته أشياء كثيرة. وهكذا الأصل الثالث اجتناب النهي، ولهذا قال بعده: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. ولو كان هذا البخل والتكذيب والاستغناء عارضا بالنسبة لذاك الذي قد سبق من العطاء والتقوى والتصديق، لأن هذا القليل العارض له أثره في تلويث وتشويش ذاك النقاء الذي كان قبل ذلك. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فيما رواه الإمام أحمد وغيره، ومعناه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، إذا أذنب ذنب نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن هو تاب ورجع سُقلت تلك النكتة، يعني زالت وذهبت. وإن لم يتوب بقيت هذه النكتة، وهكذا لا يزال يتبع الذنوب الذنوب حتى تجتمع عليه تلك النكت فيصير القلب بعد ذلك بعد أن كان أبيضا بسبب الطاعة أسود مربادا كالكوز مجخيا. فإذا لا يكفي أن يكون عنده علم وصدق وعمل صالح، لكنه خلطه بعمل سيء، لأن العمل السيء يضر بالسعادة في الدنيا وهكذا كذلك في الآخرة. فإذا ليس عند أهل الاستدلال بالقدر حجة أبدا. فالله عز وجل بين سبحانه وتعالى بالأدلة الشرعية وهكذا كذلك الكونية هذا المعنى العظيم، وهو أن أهل السعادة كتبوا من أهل السعادة بما كان من أخذهم بأسباب السعادة. وأهل الشقاوة كتبوا أنهم من أهل الشقاوة وهم كذلك أخذوا بأسباب الشقاوة. فهناك شيء من الله، وهناك شيء من العبد. فما كان من العبد من أخذ بأسباب السعادة أعانه الله على ذلك. وما كان من أخذه بأسباب الشقاوة فإنه ترك إلى نفسه الأمارة بالسوء، كما ذكر رحمه الله. وعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يقع لهذا الإنسان الضعيف الفقير إذا هو وكل إلى نفسه الأمارة بالسوء. ولا ينافي ذلك سبق علم الرب سبحانه وتعالى، والأمر بكتابة ذاك المعلوم، لأنه من خصائص الرب العظيم الذي من كمال وخصائص ربوبيته سبحانه وتعالى أنه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه من أمره شيء سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك يؤيد هذه المعاني ما جاء في قصة ذاك الرجل الذي كما ذكر في حديث سهل بن سعد في الصحيحين لم يترك شاذة ولا فاذة إلا اتبعها حتى تعجب الناس من شجاعته. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في النار». فتعجب الصحابة: كيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في النار»؟ وهم يرون أنه عمل عملا ما استطاع أن يعمله الكثير من خيار الصحابة. ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في النار». فلحقه رجل، وقال: لأتيينكم بخبره. فتبع هذا الرجل حتى جرح هذا الذي ظن به الشجاعة، فلم يتحمل ذلك الجرح فوضع ذباب سيفه بين ثدييه وقتل نفسه. فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: ما قال في صدق ما أخبر به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعند ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». هكذا جاء في رواية حديث سهل بن سعد. وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». فسر فيسبق عليه الكتاب برواية سهل بن سعد: فيما يبدو للناس، أي أن هذا الذي في الكتاب هو سابق علم الله، ليس فيه ظلم للعبد، لأن الله عز وجل العظيم الخالق الرب سبحانه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء. وقد علم أن هذا العبد لم يكن صادقا، ولذلك فإن عدم صدقه كان سببا في انتكاسته وعدم استمرار استقامته. فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، وقال في الآخر: «فيما يبدو للناس»، «فيسبق عليه الكتاب»، قال في الأول: «فيدخل النار»، وقال في الثاني: «فيدخل الجنة». لماذا؟ لأن الأول لم يكن عنده الصدق، فكان الظاهر للناس الصلاح والحقيقة أنه ليس كذلك. من الذي يعلم هذه الحقيقة؟ هو الله الذي لا يغفى عليه شيء من أمر العباد، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والذي يعلم الشيء قبل وقوعه، فهذا العلم ليس فيه حجة لهذا العاصي أن يستدل به على معصيته، لأنه ظلم نفسه بمعصيته. وهكذا كذلك العكس، ذاك الذي ظهر منه الفجور والفساد والمعاصي، لما كان عنده شيء من الصدق، علم الله عز وجل أنه ستكون له ساعة يتوب فيها وينيب ويرجع إلى الله ويصدق، فيكون حاله إلى الأحسن. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فيما يبدو للناس»، «فيسبق عليه الكتاب»، «فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». وهذا هو قول المؤلف رحمه الله حين قال: «وذلك بما كسبت يداه، ليس بمجبور على ذلك، ولا مكره، ولا مقصور، بل هو مختار مسرف كفور». فإذا ليس في فعل العاصي للمعصية وسبق علم الله عز وجل بهذه المعصية حجة لأهل القدر، بل حجة لله ولما جاء في شريعة الله، وما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.