الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 11، الدرس الحادي عشر:من( ثم قال الشيخ مجيباً للمعترض:فقولك لم قد شاء مثل سؤال من*يقول فلم قد كان في الأزلية ... لأنه تعالى واجب الوجود ووجود كل شيء بإيجاده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تحريم الاعتراض على أفعال الله تعالى ويبين أن أسئلة مثل 'لماذا شاء الله كذا' محظورة شرعًا وعقلًا. يُفسر ذلك بأن الله هو الحاكم وليس عليه محكومًا.
يُناقش تحريم الخوض في الغيب لعدم قدرة الإنسان على إدراكه، ويشرح تحريم الخوض في مسائل القدر والأسئلة التي تعترض على الرب العظيم. يُبين أن العقل والشرع لا يبيحان مثل هذه الأسئلة.
يشرح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بالله والإيمان به عند الوقوع في الشكوك حول القدر، وينتقد استخدام مصطلح واجب الوجود لوصف الله تعالى لأنه لم يرد في الكتاب والسنة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، ثم قال الشيخ مجيبًا للمعترض: «فقولك: لِمَا قد شاء، مثل سؤال من يقول: فلِمَا قد كان في الأزلية». وذاك سؤال يبطل العقل، وجهه وتحريمه قد جاء في كل شرعة. قال -يعني رحمه الله تعالى- أن سؤال السائل واعتراض المعترض بقوله: لِمَا شاء، وكيف شاء، وكفر الكافرين، ووقوع العصيان من العاصين، ونحوها من الأسئلة المشابهة لذلك، كلها محظورة ممنوعة؛ لأن الله تعالى هو الحاكم، ليس محكومًا عليه، ولا يلزم أن يبدي لعباده كل حكمة اجتمعت عليها مراداته ومفعولاته. فقد أخبر عباده بالأمر العام، وهو أنه حكيم في كل ما خلق وكل ما شرع. وأما دقائق الخلق وأسرارها وأسرار أفعاله، فعنده علمها، لا يلزم أن يطلع العباد عليها إلا ما شاء منها. والأمر كما قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. والله جل وعلا الذي خلق الخلق يختار ما يشاء، ويفعل ما يشاء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، سبحان الله وتعالى عما يشركون. قال: «فالعقل والشرع لا يبيح أمثال هذه الأسئلة التي يعترض بها العبد الحقير على الرب العظيم؛ فإنه محرم في جميع الشرائع». وتحريمه أولًا لورود النص به، ولكونه منافيًا للعقل والفطرة، ولكونه كذلك لا طائل تحته ولا فائدة؛ فإن الإنسان يعجز أن يعرف وأن يحيط علمًا بحكم ما حوله مما هو في إطار إحساسه وعلمه وتصوره، فإذا كان كذلك فكيف في إمكانه إدراك ما ليس في إحاطته وخارج عن إدراكه من الغيب الواسع الذي ليس في إمكان الإنسان الإحاطة به؟ كم يحار الإنسان أمام مدارك وعلوم يقف عندها ويستسلم بضعفه وعجزه، فإذا كان كذلك فإنه للغيب من باب أولى أن يسلم. وليس هذا أبدًا من باب الكبت أو رد الحق، ولكنه على العكس من باب رد الشيء إلى العدل الذي هو أهله، ومن باب معرفة قدر كل شيء، وهذا هو تمام العدل والإنصاف. فإن المرأة لو تُركت فيما لا ينفع ويضره لكان هذا منافيًا للحكمة ولصار فيه العبث مع ما فيه من الإضرار بالنفس، فكيف إذا كان الإضرار بالعقائد؟ فهو أعظم وأعظم. ألا ترى أن الطفل يُمنع من مخلوق مثله أن يخوض فيما ليس هو له بأهل، وأن يسأل ما ليس له به علم، وأن حَسْبُه أن يكف فيما هو أهل له وفيما هو في إمكانه وقدرته، وأن تركه وما يريد شيء ينافي الشرع والعقل والفطرة والعدل؟ فإذا كان هذا بحق مخلوق ومن مخلوق، فكيف بالله عز وجل الخالق الرب العظيم مع هذا المخلوق الضعيف الذي يفتقر إليه في كل لحظة وحين؟ وكيف إذا انضاف إلى ذلك أن المخلوق قد شاهد بشواهد الحق الشرعية والعقلية والكونية، وما يجده في قرارة نفسه وفطرته، وما يشاهده في الحس من كمال الرب جل وعلا وعظمته وعدله وكمال حكمته وسعة فضله سبحانه وتعالى ورحمته، ما يعلم معه أن منعه من الخوض فيما مُنع منه ليس هو منع تعنت، ولكنه منع عدل؛ لأنه ليس أهلًا بذلك. لأنه قد شاهد -كما سبق- فيما أشار إليه المؤلف رحمه الله ما يدل أن الله عز وجل الحكيم العظيم الذي وضع الأشياء في مواضعها شرعًا وقدرًا وكونًا، هو الذي كذلك اقتضت حكمته أن يخفي بعض الغيب عن خلقه، ومنه ما يتعلق بمسائل القدر. قال رحمه الله تعالى: «فالعقل والشرع لا يبيح أمثال هذه الأسئلة التي يعترض بها العبد الحقير على الرب العظيم؛ فإنه محرم في جميع الشرائع». حتى وصلت بهم الحال إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقول: هذا الله خلق هذا الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان ولينتهِ». وفي رواية: «فليقل: آمنت بالله». والحديث كما هو معروف أصله في الصحيح، في صحيح مسلم وغيره. قال: «فأمر صلى الله عليه وسلم عند هذه الشكوك والأسئلة المحرمة بثلاثة أشياء: بالإيمان بالله؛ لأن الإيمان الصحيح يدفع هذه الشبهات لعلم العبد المؤمن أنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه لا منتهى لأوليته كما لا منتهى لآخريته، وبالاستعاذة بالله من الشيطان الموسوس الموقع لهذه الشكوك والشبهات، وأمره أن ينتهي وأن يعلم أن هذا سؤال باطل شرعًا وعقلًا، وهو من باب المكابرة والمباهاة؛ لأنه تعالى واجب الوجود، ووجود كل شيء بإيجاده». ولو قال رحمه الله: «لأنه تعالى هو الرب الخالق الرازق المدبر بحق، وكل شيء فقير إليه»، لكان أحسن من هذه العبارة؛ فإنها من عبارات المتكلمين -أي واجب الوجود- ولكنه أراد رحمه الله أن يبين أن وجوده لا يفتقر إلى غيره حتى يحتاج إلى مثل هذا السؤال. لكن لما كانت اللفظة مما لم ترد بها الكتاب والسنة، وباب الأسماء والصفات التوقيفي، ولا يتوسع في باب الأخبار إلا بشروط كما تقدم، وهذا ليس منه مما يبيح التوسع، مع ما فيه من موافقة أهل الباطل، كان الأولى والأكمل ترك مثل هذا التعبير. ولكن مقصده -ما سمعنا مما تقدم- معناه طيب. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.