الدرة البهية شرح القصيدة التائية 12

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 12

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 12، الدرس الثاني عشر:من( وقال رحمه الله:وفي الكون تخصيص كثير يدل من*له نوع عقل أنه بإرادة ... فهو عنوان سعادته ونجاحه وإلا فلا يلم العبد إلا نفسه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التخصيص في الكون ودليل إرادة الله

يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك مقولة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي حول التخصيص في الكون ودليل إرادة الله. التخصيصات في العالم العلوي والسفلي تدل على إرادة العزيز الحكيم.

التوفيق بين مشيئة الله والأسباب الموصلة للهداية والمغفرة

يوضح أن مشيئة الله تعالى لا تنافي الأسباب التي جعلها لهداية العباد ومغفرتهم. هناك أسبابا موصلة للهداية والمغفرة، من أخذ بها هدي وغفر له، ومن تركها ضل وعذب.

أسباب المغفرة والرحمة والعذاب والرزق وتختيم الدرس

الطاعات سبب للمغفرة والرحمة، بينما الكبائر سبب للعذاب. الله يرزق من يشاء ويوسع الرزق على من يتقي ويتوكل عليه. يتم اختتام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى: قال، وقال رحمه الله: «وفي الكون تخصيص كثير يدل من له نوع عقل أنه بإرادتي وإصداره عن واحد بعد واحد، أو القول بالتجويز رمية حيرة»، ولا ريب في تعليق كل مسبب بما قبله من علة موجبية، بل الشأن في الأسباب أسباب ما ترى، وإصدارها عن حكم محض مشيئتي. قال: «يقول رحمه الله تعالى: إن في العالم العلوي والسفلي تخصيصات كثيرة جدا تدل دلالة عقلية صريحة أنها بإرادة العزيز الحكيم، مثل جعل بعضها عاليا وبعضها سافلا، وبعضها كبيرا وبعضها صغيرا، وبعضها متصلا بغيره، وبعضها منفصلا، وبعضها على صفة وبعضها على صفة أخرى، مثل قوله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾»، قال: «والتخصيصات لا يحيط بها الوصف»، ومعنى التخصيصات كما رأينا هو اختصاص عدد من خلق الله بصفات ليست في المخلوقات الأخرى. قال: «وكلها تدل على أنها متعلقة بإرادة الله ومشيئته، وأنه الفعال لما يريد»، قال: «ومن الغلط العظيم والحيرة والضلال قول الفلاسفة: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فإن هذا باطل شرعا وعقلا من وجوه كثيرة ذكرها الشيخ بكتاب العقل والنقل وفي المنهاج وغيرهما من كتبه». لكن الأمر الذي لا ريب فيه، وهذه المسألة ذكرها عارضة لأنه الآن في سياق ذكر تنوع مخلوقات الله عز وجل وتعددها واختلاف صفاتها وخصائصها وتخصيصاتها، مما يوجب بيان إرادة الرب جل وعلا وأنها إرادة بعزة وحكمة، ثم ناسب أن يذكر بطلان قول الفلاسفة الذي هو ينافي هذا المعنى تمام المنافة لمخالفته للشرع والعقل والحس والفطرة. قال رحمه الله: «لكن الأمر الذي لا ريب فيه أن كل مسبب لا بد له من سبب، وكل معلول لا بد له من علة موجبة، وكل شيء لا بد له من مادة قد خلق منها، ولكن جميع الأسباب تنتظم في قضاء الله وقدره، وهي من القضاء والقدر»، ولهذا لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله أرأيت أدوية نتداو بها ورقى نسترقيها وتقاه نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر الله»، يعني العمل بالأسباب من القدر. قال: «وثبت بالصحيحين أن الصحابة رضي الله عنهم حين ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم القدر السابق قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا الأول وندع العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيسر لعمل أهل الشقاوة»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فبين صلى الله عليه وسلم أن السعادة والشقاوة وإن كانت مقدورة مفروغا منها، فإن الله قدرها بأسبابها، وهو أن الله يوسر أهل السعادة لليسر بما فعلوه من الأسباب الثلاثة، وهي قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، وأنه يسر أهل الشقاوة للعسر بما فعلوه من الأسباب الثلاثة، وهي قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، ومشيئته تعالى لا تنافي ما جعله من الأسباب الدنيوية والأخروية. فقد أخبر في عدة آيات أنه «يهدي من يشاء ويظل من يشاء»، وفي آيات أخر أخبر بالأسباب التي تنال بها هداية الله، ويستحق العبد أن يبقى على ظلاله، إذن لا تعارض بين هذه الآيات، ما أثبته ربنا أثبتناه، ما أثبت من عموم مشيئته ونفوذها نثبته، وما أثبت من الأسباب التي تنال بها الهداية وأن من أخذ بها هدي نثبته، وأن العبد له قدرة على الوصول إلى هذه الأسباب، فإن أخذ بها هدي وإن فرط فيها ظل. كما أننا نقول في الأسباب الحسية الدنيوية: أن من أخذ بها بإذن الله تعالى أفلح، والعكس بالعكس، فهذه الأدوية التي أنزلها الله عز وجل، ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، من أخذ بها شفي بإذن الله، ومن تركها فهو لم يأخذ بأسباب الشفاء، فإن شاء الله عز وجل يسر له سببا للشفاء آخر، وإن شاء تركه بتركه. وهكذا كذلك بالنسبة للأمور الشرعية، فإن من أخذ بأسباب الهداية هدي، ومن أعرض عنها فإنه يخشى عليه من الضلال، بل قد يتحقق الضلال. قال رحمه الله: «كقوله في الهداية: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ونحوها». فنحن نرى في هذه الآيات كيف أن الله عز وجل جعل أسبابا للهداية، فمن اتبع رضوان الله هداه الله إلى سبل السلام، وهي الجنة، وأخرجه من الظلمات إلى النور بإذنه سبحانه، ومن جاهد بظاهره وباطنه، وقوله وفعله، فإنه بإذن الله يهديه الله عز وجل إلى سبله، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وهكذا كذلك من اتقى الله عز وجل جعل الله له فرقانا يفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال، وهكذا من يؤمن بالله حق الإيمان يهدي الله عز وجل قلبه. وهكذا قال: «وقوله في الظلال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، كذلك في الظلال من أخذ بأسباب الظلال ضل، فمن زاغ أزاغ الله قلبه، عرف الهداية وتركها، عرف الاستقامة وأعرض عنها». قال: «وقوله في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، ابتدأ المرض قليلا فزاد بسبب إصراره على هذا السبب، فالمنافق يزداد نفاقا، وصاحب المعصية إذا أصر يزداد معاصي، وهكذا يقال في كل مرض». قال: «وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، كذلك لما أعرضوا عن الإيمان بشرع الله قلب الله أفئدتهم، أي قلوبهم وأبصارهم، فهي في حيرة وهي في تيه وضلال». قال: «وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، كما أخبر عليه الصلاة والسلام»، قال: «وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وهذا له سبب، فمن أعرض عن ذكر الرحمن فإن الله يقيد له شيطانا فهو له قرين مصاحب». قالوا: «هذه الآيات فيها من أسرار القدر في هداية من يهديه وإضلال من يضله ما شهد لله بكمال الحكمة والحمد»، أو «ما يشهد لله بكمال الحكمة والحمد»، يعني ما شهد، عبر به بصيغة الماضي من باب الجزم به، لأن صيغة الماضي تدل على الثبوت. قال: «وكذلك أخبر في عدة آيات أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وفي آيات أخر أخبر عن الأسباب التي تنال بها مغفرة الله، فهو يغفر لمن يشاء لمن أخذ بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء لمن أخذ بأسباب العذاب». فمن أدى الفرائض والواجبات وفعل ما أمره الله عز وجل، فإنه أخذ بأسباب المغفرة والرحمة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي سبب للصلة بين العبد وربه، وحصول الثواب العاجل والآجل، وهي تطهر الذنوب والمعاصي، وهي كذلك سبب للنجاة من النار ودخول الجنة، كما جاءت بذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. وهكذا الصيام كما جاءت بها الأحاديث والأدلة من الكتاب الكثيرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، يعني من غضب الله وسخطه، والعكس فإن الله عز وجل يجاز به بالجزاء العظيم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، يعني يعطي الجزاء العظيم الذي ادخره، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، إلا الصوم فهو أكثر من ذلك بكثير. وهكذا قل في سائر الطاعات، إذن يغفر لمن يشاء لمن أخذ بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء لمن أخذ بأسباب العذاب، ففاعل الكبائر والمصر على الصغائر والمقتحم الكفر والنفاق والشرك، هذا استحق بفعله أسباب العذاب. قال: «وفي آيات أخر أخبر عن الأسباب التي تنال بها مغفرة الله، مثل قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، وغفار صيغة مبالغة تدل على الكثرة، أي كثير المغفرة لمن تاب وتاب، أي لازم التوبة، يعني حرص على الاستقامة، أو تاب كذلك سارع إلى التوبة إن حصل منه تقصير، وآمن وعمل صالحا، آمن ليس فقط أصل الإيمان بل جمع مع أصل الإيمان ما تيسر من شعبه، وأكده سبحانه بقوله: «وعمل صالحا»، ثم اهتدى. قال: «والأسباب التي يستحق بها العذاب مثل قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾»، وكذلك أخبر في آيات كثيرة أنه يرزق من يشاء ويوسع الرزق على من يشاء، أنه يرزق لمن يشاء، الظاهر أن اللام زائدة: «إنه يرزق من يشاء»، قال: «ويطبضه عن من يشاء»، وفي آيات أخر ذكر فيها الأسباب التي ينال بها رزقه. مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه». وكذلك الأسباب المادية مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾، فإذن من أراد الرزق ولم يأخذ بالأسباب الشرعية ولا الأسباب الحسية الكونية المادية، فإنه حرم نفسه من الرزق. وهكذا كذلك يقال في غيره من الهداية والضلال، مع أن الله عز وجل كتب أرزاق العباد، وكتابة هذه الأرزاق لا يعني ترك العمل بالأسباب، بل ما كتب للعبد كتب حتى مع سعيه ومع كدحه ومع قعوده وتقاعسه. قال رحمه الله: «قد جمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكلمة واحدة فقال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله»، فقول: «احرص على ما ينفعك» أي في دينك ودنياك، واسلك كل طريق يصلك إلى هذه المنفعة، ولكن لا تتكل على حولك وقوتك، بل توكل على الله واستعن به، فمن فعل ذلك فهو عنوان سعادته ونجاحه، وإلا فلا يلم العبد إلا نفسه، لأنه جمع بين العمل بالسبب، وكذلك الاعتراف بالفقر واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى». فأنت فقير لو لأن الله أغناك، وأنت ضعيف لو لأن الله قواك، وهكذا تعمل بالأسباب وتستعين بالله سبحانه وتعالى. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق.