الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 28، الدرس الثامن والعشرون:من( المثال الخامس:في الآجال والأرزاق ... وأكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق من أكبر اسباب المحق مع ما على صاحبها من الإثم والعقوبة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم الآجال والأرزاق وأهمية الأخذ بالأسباب، ويبين أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب. يؤكد أن التعلق بالقدر في ترك طلب الرزق أو ارتكاب المعاصي غير صحيح.
يشرح الشيخ كيف تؤثر الأسباب الدينية والكونية في الرزق والعمر، مستدلاً بحديث صلة الرحم وآيات من القرآن الكريم. يُظهر أن تقوى الله وعدم الظلم سبب لزيادة الرزق وطول العمر.
الظلم والمعاملات المحرمة تسبب نقصان العمر والرزق ومحق المال، بينما الصدقة تزيد في المال وتسبب بركته ونمائه. الله تعالى يعاقب من يتعامل بالحرام بالضد من قصده، فيمحق بركة ماله ويهلكه.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى أن هناك درسًا لاحقًا سيتم فيه استكمال الموضوع، والله تعالى أعلم حتى الآن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المثال الخامس بالآجال والأرزاق. قال: اعلم أن الآجال والأرزاق كسائر الأشياء مربوطة بقضاء الله وقدره، فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال: فهذا أمر لا ريب فيه ولا شك، ومع ذلك فهي أيضا كغيرها لها أسباب دينية وأسباب طبيعية مادية، والأسباب تبع قضاء الله وقدره. ولو كان شيء سابق القضاء والقدر من الأسباب لسبقته العين لقوتها ونفوذها. فمن الأسباب الدينية لطول العمر وسعة الرزق لزوم التقوى والإحسان والإحسان إلى الخلق، لا سيما الأقارب، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره أن يصل رحمه». وهو يشير رحمه الله تعالى هنا إلى مثل آخر يوضح مسألة القضاء والقدر والإيمان بها، ومن ذلك الإيمان بالآجال والأرزاق. فكما أن أهل الإسلام جميعا بجميع طوائفهم يؤمنون أن الرزق قد قدر والأجل قد قدر، فكذلك في سابق علم الله عز وجل في مسألة أعمال العاملين، ومنها معصية العاصين. فلا يقول عاقل، مهما غمر في بدعته، أن كون الأرزاق قد سبق في علم الله عز وجل تقديرها وكتابتها يعني ذلك ترك الأخذ بالأسباب للرزق. فإن من فعل ذلك عد أحد رجلين: إما مجنون، وإما مكابر مجادل بالباطل صاحب ضعف في الدين والبصيرة. وعلى كل الحالين، المقصود من ذلك هو ضرب المثال الواضح للتوصل به للأمر المشتبه. فلما كان أمر الرزق والأجل لا يكاد ينكره إلا من فيه سفه في عقله أو من فيه مكابرة، فلذلك ضرب به مثلا للتوصل إلى قضية المعاصي والاستدلال بها أو الاستدلال بالقدر عليها. فكما لا يصح التعلق بالقدر في ترك طلب الرزق، وكذلك اتقاء أسباب الهلاك بحجة أن الآجال قد قدرها الله وبحجة أن الأرزاق قد قدرها الله وكتبها الله. فكذلك قال في المعاصي: كتبت في علم الله وقدرت، وليس معنى ذلك أن تقع فيها. وإلا فيلزمك أن تنام في بيتك ولا تخرج للرزق. فهل هذا صحيح؟ لا يقول بهذا أحد. فما كان جوابا للرزق فهو جواب في المعاصي ومن يستدل بالقدر عليها. وهكذا ما كان جوابا في دفع أسباب الهلاك مع أنه يؤمن أن الله قد قدر له أجله وقدر له عمره، ومع ذلك لا يرضى أن يرمي نفسه بالتهلكة ويتقي كل سبب يوقعه بالتهلكة. إن مرض ذهب يتعالج، وإن رأى طريقا خطرة تركها وأخذ الطريق الآمنة. وهكذا يفعل مع أنه يعلم أن أجله مقدر وعمره مقدر. فلما لا يفعل مثله في مسألة الذنوب والمعاصي؟ فعلم أنه صاحب هوى. ثم انتقل الشيخ من باب توضيح المثال لذكر بعض الأسباب الدينية التي تبين وتؤكد هذا المعنى، والشرعية الدينية والقدرية الكونية التي يأخذ بها الناس، وهي تؤكد وتوضح هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: والحديث الذي أشار إليه كما ذكر بالصحيحين. ووجه الشاهد منه هو أن صلة الرحم سبب لزيادة الرزق وبسطه وسبب لطول العمر. فالإنسان إذا صار يصل رحمه جعل الله عز وجل له سعة في الرزق وطول في العمر. فإن قال قائل: كيف وقد سبق في علم الله؟ الجواب: سبق في علم الله أن هؤلاء من الناس سيصلون أرحامهم وسيزاد لهم في عمرهم، وهؤلاء من الناس سيصلون أرحامهم وسيزاد لهم في رزقهم. قد سبق في علم الله ذلك. فكل ما يفعله العبد قد سبق في علم الله الذي لا ينافيه عمل العاملين واختيارهم لتلك الأعمال. قال: وذلك أن الله يجازي العبد من جنس عمله. فمن وصل رحمه وصل الله أجله ورزقه وصلا حقيقيا، وضده من قطع رحمه قطعه الله في أجله وفي رزقه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. كذلك تقوى الله سبب لحصول المخرج والفرج وزيادة الرزق. قال: ومن الأسباب الدينية لقطع طول العمر البغي والظلم للعباد، فالباغي سريع المصقع. وهذا له أدلة من الكتاب ومن السنة، فصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» يعني بمظلمته. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. ويقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. فمن أسباب سرعة الهلاك الظلم والبغي. قال: والظالم لا يغفل الله عن عقوبته، وقد يعاقبه عاجلا بقصم العمر. وقد كتب بأجل الله أن فلان سيظلم ويعجل بالعقوبة فينقص من عمره. ونقصان العمر باعتبار أعمار غيره، وباعتبار أصل عمره لو لم يفعل هذه المعصية. وقد سبق في علم الله أنه يفعل هذه المعصية فيبتلى بها فينقص من عمره. فكل بأجل وقدر. قال: ومن الأسباب الدينية لمحق الرزق المعاملات المحرمة كالربا والغش وأكل أموال الناس بالباطل. فصاحبها يظن أنها توسع عليه الرزق، ولهذا تجرأ عليها. والله تعالى يعامله بنقيض قصده. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. يعني لما توسع في الحرام ظنا في زيادة الرزق، عاقبه الله عز وجل بالضد، فمحق الله عز وجل بركة تلك المعاملة التي طلب بها الزيادة. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. جعل الله عز وجل الربا سببا لمحق المال. وسمي محق مأخوذ من معنى المحاق، وهو القمر إذا نزل في آخر الشهر في يوم أو يومين منزلا لا يرى فيه، سمي الهلال في ذلك اليوم محق حيث لا يرى، فهو موجود ولكنه لا يرى. وهكذا مال المرابي والمتعامل بالحرام معه، ولكنه لا يجد بركته، بل ربما يكون سببا لهلاك المال، فيبتلى بالمصائب إما حريق أو غرق أو كذلك من يتصلط عليه أو غير ذلك. قال: فالمعاملة بالربا تمحق صاحبها وتمحق ماله. صاحبها قد يمحق يعني يهلك، وتمحق المال يعني كذلك قد يذهب عنه المال. وكم قد ضرب للناس أمثال في تاريخ الأرض، وكم قد ذكر أهل العلم بالتاريخ والسير من أحوال الناس ممن يتعامل بالربا ما هو آية وبرهان في محق الرب سبحانه وتعالى لصاحب الربا وماله. قال: وإن تمتع به قليلا فماله إلى المحق والقلة. كما أن المتصدق يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يفتحه على غيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، بل تزيده ثلاثا». يعني يزيد الصدقة تزيد في المال، فيسبب لبركة المال وزيادته ونمائه. قال: وكذلك الغش، أكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق من أكبر أسباب المحق، مع ما على صاحبها من الإثم والعقوبة. فهذه كلها أمثلة توضح أن هذه الأسباب أسباب شرعية دينية جعلها الله عز وجل أسبابا لزيادة الرزق والعمر، وضدها أسباب لحصول الضد، وهو نقصان العمر والرزق. قال: ومن أسباب طول العمر وقصره الطبيعية الصحة والمرض. طيب، هذا نتركه إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم.