الدرة البهية شرح القصيدة التائية 17

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 17

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 17، الدرس السابع عشر:من( ثم أعاد هذه المعاني بذكر أمثلة توضح المقام لكونه من أهم المهمات ... وبذلك وغيره يتضح بطلان الاعتذار بالقدر عن المجرمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الرد على القدرية المعترضين

يبدأ الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي بالرد على المعترضين الذين يحتجون بالأقدار على المعاصي، موضحًا أن هذا القول يؤدي إلى الكفر وأبشع المخازي. يُبين أن هذا الاعتراض يلزمهم بالاعتراض على كل ظالم ومفسد.

إبطال قول القدرية وبيان لوازمه الباطلة

يناقش النص بطلان قول القدرية الذين يعتذرون بالقدر عن المعاصي، ويوضح أن قولهم يؤدي إلى لوازم باطلة مثل ترك العقوبات وإلغاء الحدود. يستدل على بطلان قولهم بأن الله يقضي بالآلام على غير المكلفين.

حكمة الله في خلق الشرور والمعاصي

يشرح المقطع حكمة الله في خلق الشرور والمعاصي، موضحًا أن الشر ليس محضًا بل له حكمة ومصلحة. يُبين أن الإنسان هو المسؤول عن أفعاله السيئة، وأن العقوبات القدرية والشرعية هي عدل الله وحكمته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال: ثم أعاد هذه المعاني بذكر أمثلة توضح المقام، لكونه من أهم المهمات، فقال: وهبكى كففت اللوم عن كل كافرٍ *** وكل غوي خارج عن محجتي فيلزمك الإعراض عن كل ظالمٍ *** على الناس في نفس ومال وحرمتي فلا تغضبن يوما على سافك دمى *** ولا سارق مالا لصاحبي فاقتي ولا شاتم عرضا مصونا وإنعلا *** ولا ناكح فرجا على وجه غيتي ولا قاطع للناس نهج سبيلهم *** ولا مفسد في الأرض من كل وجهتي ولا شاهد بالزور إفكا وفرية *** ولا قاذف للمحصنات بزنيتي ولا مهلك للحرث والنسل عامدا *** ولا حاكم للعالمين برشوتي كف لسان اللوم عن كل مفسد *** ولا تأخذا ذا جرمة بعقوبتي وسهل سبيل الكاذبين تعمدا *** على ربهم من كل جاء بفريتي من كل جاء بفريتي يعني من المجيء من كل من يأتي. قال: وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم بروم فساد النوع ثم الرياستي، وجادل عن الملعون فرعون إذ طغى، فأغرق في اليم انتقاما بغصتي، وكل كفور مشرك بإلهه وآخر طاغ كافر بنبوتي كعاد ونمروذ وقوم لصالح وقوم للوط، ثم أصحاب أيكتي، وخاصم لموسى ثم سائر من أتى من الأنبياء محيا للشريعة، وخاصم لموسى ثم سائر من أتى من الأنبياء محيا للشريعة، على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا ونالوا من العاصي بليغ العقوبة، وإلا بكل الخلق في كل لفظة ولحظة عين أو تحرك شعرتي وبطشة كف أو تخطي قديمة أو تخطي قديمة، وكل حراك بل وكل سكينتي هم تحت أقدار الإله وحكمه، فما أنت فيما قد أتيت بحجتي. ومراده من هذه الأبيات -كما سمعنا- أن يلزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله المعترض بنظمه بهذه الإلزامات، كما سيأتي بيانها إن شاء الله. قال الشارح رحمه الله تعالى: هذه الإلزامات التي ذكرها الشيخ في غاية القوة والوضوح، يبطل كل واحد منها اعتذار المعتذرين بالأقدار، ومثل بأمثلة كثيرة يعرفها كل أحد، لأن كثرة الأمثلة توضح المعاني وتصور المقالات القبيحة بأشنع صورة، ولأنه لو فرض أنه تأول من ألزم بها بعض هذه الأمثلة باحتمالات ضعيفة، لم يكن له سبيل إلى بقيتها، لأن كثرتها تقيم عليه الحجة من أوجه كثيرة، فيعلم بذلك قبح وفساد هذه المقولة الباطلة. قال: فالشيخ يقول لهؤلاء المعارضين المعترضين بأقدار الله على المعاصي: يلزمكم أن تعرضوا عن كل ظالم، من الإعراض أن تعرضوا عن كل ظالم للناس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، فلا تغضبون على من سفك الدماء وأخذ الأموال بالغصب والسرقة، ولا من شتم الأعراض، ولا على الزنا وقطاع الطرق والمفسدين في الأرض، ولا على قاذف أو شاهد بالزور، ولا من سعى في الأرض ليهلك الحرث والنسل، ولا على من حكم بالرشوة وجار في حكمه. بل يجب عندهم -يعني على قاعدتهم وفهمهم السقيم- كف اللسان عن كل مفسد معتد على الخلق، بل عليك أن تسهل سبيل الكاذبين على ربهم، وتعتذر عنهم وإن سعوا في إضلال الناس، بل وجادل عن أئمة الكفر كفرعون وقارون وهامان، وكل مشرك وكافر كعاد وثمود ونمرود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، وما أشبههم من الكفار المعاندين -يعني ومن سار على طريقهم واتصف بصفتهم-. قال: بل على قول هؤلاء: عليك أن تخاصم جميع الرسل والأنبياء، حيث جاهدوا الناس على الإيمان وعاقبوا أهل الجرائم. وهذا في قوله: «وخاصم لموسى ثم سائر من أتى من الأنبياء محيا للشريعة» إلى آخر ما ذكر رحمه الله. قال: لأن الخلق كلهم في جميع حركاتهم وسكناتهم ولفظاتهم ولحظاتهم تحت أقدار الله، فإذا كان كذلك، فيلزم على قول هؤلاء القدرية مخاصمة الرسل والعياذ بالله وتخطئتهم، وهذا من أقبح الكفر وأبشعه، أن يدعي رجل ينتسب للإسلام هذه الدعوة على أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. قال: وهذا القول الفضيع الذي يفضي إلى هذه المكابرات والمجاهرة بتكذيب الله ورسله وكتبه، حسب الناظر لهذا القول أن يتصور هذه اللوازم التي هي غاية المشاقة لله ولرسله، وفيها فساد الدين والدنيا والآخرة، فتصور هذه اللوازم يكفي في بيان بطلان هذا القول. ولهذا التب أتبع بقوله رحمه الله قال: وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل *** فعال ردى طردا لهذه المقيسة فهل يمكن رفع الملام جميعه *** عن الناس طرًا عند كل قبيحة وترك عقوبات الذين قد اعتدوا وترك الورى الإنصاف بين الرعيتي *** فلا تضمن أن نفس ومال بمثله ولا يعقب النعاذ بمثل الجريمة *** وهل في عقول الناس أو في طباعهم قبول لقول النذل ما وجه حيلتي قال: لما ذكر الشيخ تلك الإلزامات التي لا محيد عنها، ألجاهم أيضا إلى إلزامات أخر، فقال: فلو فرض وقدر أنك -أيها المعتدر بالقدر على المعاصي- رفعت اللوم عن العاملين لمعاصي الله المتجرئين على محارمه، فهل يمكنك طرد ذلك وترك العقوبات المعتدين، وترك الحدود عن أهل الجرائم، بحيث لا يضمن القاتل نفسا ولا الغاصب المتلف مالا، ولا ينصف الحكام بين رعاياهم إذا قالوا وادعوا أنهم معذورون بالقدر؟ وهل في عقل أحد أو فطرته قبول قول الواحد من هؤلاء المجرمين: ما وجه حيلتي، وأنه معذور، فإني وإن خالفت الشرع فقد وافقت القدر؟ هكذا زعم أمثال هؤلاء. قال: وهل هذا إلا تلاعب محظ وتهكم صرف أو صرف؟ وهذا ظاهر في هذه الأبيات، فإنه بيّن هذا المعنى رحمه الله تعالى. ويريد بذلك أن يبيّن أنك لو قلت -تنزلا- نعم، أنا ألتزم بهذا اللازم، وهو لازم كفر، فأين المفر مما هو أعظم منه بأن يسير هذا طردا؟ ومعنى الطرد أي السير على وجه الإيجاب في اللوازم التابعة لذاك اللازم، وذلك بالدعاء أن ذلك يلزم ترك العقوبات وكف الاعتداءات وعدم الضمان وعدم إقامة الحدود وغير ذلك من الجهة القدرية أو الجهة الشرعية، كما سيأتي إن شاء الله. وهذا لا يقوله عاقل ولا صاحب فطرة صحيحة، فإن عقول الناس وفطرهم وطباعهم تستنكف وتستقبح مثل هذا المعنى. بل كل منصف -ولو كان من أكثر الكافرين- يرى أنه لا يمكن لمعتدي على نفس أن يترك، وباغي على مال وعرض أن يهمل، وحاكم وإمام أن يترك الوراء يبغي بعضهم على بعض ويدعى الإنصاف بينهم. فإن الناس -مهما بلغوا في الكفر- فإنهم لا يرضون بمثل هذا. فصار قول القدرية منتها إلى لوازم لا يقول بها حتى أكثر الكافرين، أكثر الكافرين لا يقولون باللوازم التي تلزم هؤلاء القدرية. وقد يلتزموا بها. ولذلك قال بعد هذا كله: أن قبول لقول النذلي ما وجه حيلتي، يعني هل بعد هذا تترك هذه الحقائق لأجل قول رجل نذل بأن قال: ما وجه حيلتي؟ ووجه أنه نذل: أنه يعرف الحق ويتركه، ويعرف ما يلزمه فيستنكف ويعرض عنه. وهذا من معاني أن ذا له، فالنذل من كان عنده مثل هذا الوصف. قال رحمه الله: ثم قال: ويكفيك نغضا ما بجسم ابن آدم *** صبي مجنون وكل بهيمتي من الألم المقضي من غير حيلتي *** وفيما يشاء الله أكمل حكمتي إذا كان في هذا له حكمة إذا كان في هذا له حكمة، فما يظن بخلق الفعل ثم العقوبة؟ فكيف؟ ومن هذا عذاب مولد عن الفعل، فعل العبد عند الطبيعة كآكل سم أوجب الموت أكله، وكل بتقدير لرب المشيئة، فكفرك يا هذا كسم أكلته، وتعليب نار مثل جرعة غصتي، ألست ترى في هذه الدار من جنى يعاقب إما بالقضاء أو بشرعتي، ولا عذر للجاني بتقدير خالق، كذلك في الأخرى بلا مثنوية. قال: يعني أنه يكفيك نقضا لقولك وإبطانا له، أن الله تعالى يقضي بحكمته الآلام على غير المكلفين من الصبيان والمجانين والبهائم، وهذه الآلام من لوازم الطبيعة، فلا تنفك الطبائع إلا أن تكون على هذه الصفة: تكون صحيحة ومريضة، ومرتاحة ومتألمة، بحسب ما يعرض للطبيعة من استقامة وانحراف. ويضاف إلى هذا بأن هذا الذي يعرض لهذه الأجساد الخير الذي فيه أكثر من الشر، لو قدر أن هناك شر، مع أن هذا الشر -كما تقدم- ليس شر محظ، بل هو شر مكتنف بخير ومشتمل بخير. فإن الله عز وجل قدره لحكمة، بل لحكم كثيرة. فإن الله عز وجل الذي جعل هذا الجسد على تلك الاستقامة، جعل له ما يعرض له لتقوم له الاستقامة. فلولا الأمراض ما عرف علاج هذه الأمراض، ولولا الأمراض ما عرف مقياس السلامة والصحة. وهكذا كذلك يقال فيما يعرض للناس في هذه الدنيا. وكما قال ابن القيم رحمه الله في كتاب «شفاء العليل»: بأن الشر وإن كان ظاهره الشر، إلا أنه خلق لحكمة، خلقه الله عز وجل لحكمة، وليس هو شر محض، بل هو باعتبار ما فيه من حكم، هو ليس بشر محض، فيه مصالح. ومع ذلك فالخير الواقع أكثر من الشر، وهذا الشر -حتى في كونه شر- هو نادر، وله حكم. ومنها هذه المواضع التي أشار إليها. قال: فإذا كانت أسباب الآلام إذا وجدت تولدت عنها الآلام، وترتبت عليها الأسقام، كمن أكل سما ترتب عليه الهلاك، أو ألقى نفسه في نار أو مهلكة -يعني سبب للهلاك-، فكفر الكافرين وإجرام المجرمين بمنزلة من أكل سما أو قذف نفسه في نار أو مهلكة، لا بد أن يترتب عليه مقتضاه أثره، ما عنه بالحقيقة ما أصابه هو بفعله، هو بفعله. وما ظلمهم الله، ولكن أنفسهم كانوا يظلمون. فخلق السم بحد ذاته ليس هو شر محض، لأن بعض العلاجات والأدوية ينتفع بها من بعض تلك السموم، فتناولها على وجه ينفع، أو استعمالها فيما ينفع على وجه لا يكون به مخالفة الشرع، هذا من حكمة خلقه. وأكله على الوجه الذي يضر، والوجه الذي يخالف الشرع، هذا الذي أوجد فيه وصف الشر، وهو لو تأملته كان بفعل الإنسان، وكذلك كسبه. وعند ذلك يعلم أن أحق من يحق عليه اللوم هو الإنسان المكترف لهذا الذنب. وهكذا كذلك كفر الكافرين وإجرام المجرمين. قال: فإذا كنت لا تعدر من أكل سما أو ألقى نفسه في تهلكة، وتنسب هلاكه إلى عمله، فالكفر والمعاصي كذلك، بل أبلغ. لأن آكل السم والملقي نفسه بالهلكة ربما يعرض بعض العوارض المانعة من الهلاك، بخلاف الكفر وتوابعه، فإن آثاره مترتب عليه قطعا، أي في الدنيا أو في الآخرة. ففي الدنيا يحكم عليه بالكفر، وفي الآخرة يكون له ما يكون للكافرين. بل قد يعاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة. قال: إلا إذا رفعها العبد بتوبة نصوح. ومما يؤيد هذا: أنك تشاهد في هذه الدار عقوبات الباغين والظالمين والمعتدين، عقوبات يشاهدها كل أحد، إما عقوبات قدرية يوقعها الله بالمجرمين، كما أهلك الأمم السابقة بالعقوبات المتنوعة، وكما يشاهده من سبر أحوال الخلق، فإننا نرى -وكل من سبقنا ومن سيأتي بعدنا- يرى كيف يكرم الله عز وجل المؤمنين بحسب إيمانهم في الدنيا قبل الآخرة، وكيف يفضح ويهين ويعاقب ربنا جل وعلا الكافرين والمجرمين في الدنيا قبل الآخرة. وما من أحد إلا وقد شاهد بحواسه ورسخ مفهوما في خاطره من شواهد الحق في أناس يعرفهم، ما يبرهن هذا المعنى الذي ذكره المؤلف رحمه الله. قال: كما أهلك الأمم السابقة بالعقوبات المتنوعة، وكما يشاهده من سبر أحوال الخلق وتتبع ماجرياتهم -يعني ما جرى لهم، جمع ما جرى لهم-. قال: وكيف كانت عواقب الباغين والمجرمين أشنع العواقب؟ وإما عقوبات شرعية: العقوبات القدرية هي التي تكون في هذا الكون مما يشاهده الناس، والشرعية مما أمر الله به في شرعه. قال: يقتل القاتل، ويقطع السارق، ويقام الحد بالرجم أو الجلد على الزاني، ويجلد الشارب للخمر، ويعذر في كثير من المعاصي. وهذه عقوبات قدرية شرعية. فهل تقول -أيها المعتذر عن العاصين بالقدر- إن جميع هؤلاء قد ظلمهم الله حيث أوقع بهم هذه العقوبات، وحيث أحل بهم المثلات؟ فإن قال ذلك فقد قال أكبر الكفر، وإن قال لا، لزمه أن يلتزم بما يجب عليه في باب القدر. قال: فإن قلت ذلك فقد بلغت من عداوة الله وعداوة رسله ومحاربة الله مبلغا ما بلغه أحد حتى الكفار. قالوا: إن رجعت إلى الحق وقلت: إن هذه العقوبات القدرية والشرعية هي عدل الله بين عباده، وهي حكمته التي وضعها الله موضعها وجعلها في محلها اللائق بها، وليس لهؤلاء الجناه المعاقبين عذر، بل ما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم، ويعفو عن كثير، فالرجوع إلى الحق أحق. وبذلك وغيره يتضح بطلان الاعتذار بالقدر عن المجرمين. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.