الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 18، الدرس الثامن عشر:من( وشبيه بهذا أيضاً قول الشيخ:وتقدير رب الخلق للذنب موجب ... وعمل بأسباب الهداية فلا بد أن يقبله الله ويسلك به الصراط المستقيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ الرد على من يستدل بالقدر على فعل المعاصي، موضحًا أن تقدير الله للذنوب لا يعني إلزام العباد بها. كما يبين أن وقوع الذنوب بحكمة الله ورحمته.
يذكر الشيخ أن العبد يحتاج إلى التضرع إلى الله والانقياد للحق وترك العادات المخالفة للدين. كما يجب عليه أن ينصف نفسه ويسمع الحق ويتبع صاحب الحق.
النص يحث على الإنقياد للحق واتباع كتاب الله وسنة نبيه، ويبين أن الإعراض عن الحق ليس بعذر. وأن من بلغته رسالة النبي محمد ولم يؤمن به فهو في النار.
الذي يبحث عن الهداية عليه أن يقبل على ربه صادقًا ويعمل بأسباب الهداية ليقبله الله. الهداية بيد الله، والإقبال الصادق عليها يؤديان إلى قبول الله لهذا الإقبال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وشبيه بهذا أيضًا قول الشيخ وتقدير رب الخلق للذنب موجب لتقدير عقب الذنب إلا بتوبة، وما كان من جنس المتاب لرفعه عواقب أفعال العباد الخبيثة، كخير به تمحى الذنوب، ودعوة تجاب من الجاني، ورب الشفاعة، وتقدير للفعل يجلب نعمة، فتقديره الأشياء طرًا بعلتيه. قال -يعني-: كما جعل الله الذنوب والجرائم أسبابًا للعقوبات، فقد جعل الله التوبة وأعمال الخير والدعوات والشفاعات تمحى بها الذنوب وتكشف بها الكروب، فالله تعالى بحكمته ورحمته جعل أعمال العباد خيرها وشرها تترتب عليها آثارها وتحصل موجباتها عاجلاً وآجلاً، فكم جلبت أفعال الخير من نعم، وكم دفعت من نقم، كذلك أفعال الشر، كم حصل بها من عقوبات، وكم ترتب عليها من شرور ومصائب. قال: فهذه أمور لا بد منها في قدر الله. وقوله: لا بد منها، يعني: ما دام أن الله قدرها فلا بد من وقوعها، وكلها في مقتضى حكمته سبحانه وتعالى وعدله وفضله. قال: وفي حكمه الشرعي وحكمه الجزائي الذي يحمد عليه لما فيه من العدل والفضل، أشار بهذه الأبيات كذلك ردًا على ذاك المعترض، بهذه المعاني التي هي ملزمة لمن استدل بالقدر على المعاصي. فبين -رحمه الله تعالى- في هذه الأبيات أن تقدير الرب للخلق بالذنوب والمعاصي موجب لتقدير عقبى الذنب، ومعناه: أن الذنوب والمعاصي التي قدرها الله عز وجل على العباد -مع ما سبقت الإشارة إليه من أنه سبحانه وتعالى قدرها- غير ملزم بها للعباد، بل فعلها العباد باختيارهم وبمشيئتهم وقدرتهم، بل الله عز وجل حذرهم من هذه الذنوب ابتداءً، ومن عاقبتها انتهاءً، فإذا فعلها العبد ووقع فيها فهو الملوم. ومع ذلك، فوقوعها كذلك والله لا يحبها شرعًا، أي وقوعها، وإن كان قدرها وأذن بها قدرًا، فهي وقعت بحكمة الله سبحانه وتعالى، فمن الحكم -مثلاً- أن هذه الذنوب والمعاصي تقع، فيكون بها التفريق بين حال المتقين وحال العاصين الفاجرين، فيفرق بين حالهم في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة، ورب حكم أخرى تكون لمن تاب من ذنبه أن تحسن توبته، ويستقيم حاله، ويكون عنده من الذل والخشوع والإخبات إلى الله ما لا يكون قبل توبته. فرب ذنب -كما قال بعض أهل العلم- يدخل الجنة؛ يعني: بما يتبع هذا الذنب من توبة وصدق إنابة، فكون العبد عرف الشر ووقع فيه بقدر الله عز وجل، وهو فعله باختياره، وفعله الذي لا يستطيع أن يحتج بالقدر على ما فعل، كان فيه حكمة: أن عرف دناءة هذا الذنب وحقارة حاله وافتقاره إلى ربه، فعند ذلك كانت توبته من الذنب -مع وقوعه فيه- سبب لثباته وصلاحه وحسن تعبده لربه في الدنيا، فضلاً عما يكون له من عاقبة الخير في الآخرة. وهكذا يقال في الأمثلة التي أشار إليها -رحمه الله تعالى-. وكما أشار الشارح -رحمه الله- بهذه الإشارات المجملة الواضحة: بأن فعل الطاعات والوقوع في الذنوب، كل ذلك كان بمقتضى حكمة الله عز وجل وعدله، فليس في أفعال الله سبحانه وتعالى شيء إلا وكلها فيها حكمة، ومن ذلك وقوع هذه الأشياء. وسبق معنا فيما تقدم: أن الشر لا يضاف إلى الله عز وجل إضافة وصف، وإنما يضاف إضافة خلق، ومنه الذنوب والمعاصي، فهي مخلوق لله، والله خلقكم وما تعملون، من شر ما خلق. قال -رحمه الله-: ثم قال الشيخ -رحمه الله-: وقول حليب الشر: إني مقدر عليك، قول الذئب، هذه طبيعتي، فهل يرفعنا ذم الملوم؟ بأن قال: فهل يرفعنا ذم الملوم عندي؟ بأنه -إيش- عندكم في النسخة الأخرى؟ في أحد عنده نسخة أخرى؟ النسخة التي مع الأخ محمد موجودة. قال: فهل يرفعنا ذم الملوم بأنه كذا طبعه؟ أم هل يقال لعفرتي أم الذنب والتعذيب أوكد للذي طبيعته فعل الشرور الشنيعة؟ قال -يعني-: أن المجرم إذا اعتذر بذلك العذر المردود، وقال: إن الذنب مقدر علي، فهو مثل قول الذئب والسبع المفترس، ومثل الشرير إذا فعل الشر العدوان والبغي، وقال: هذه طبيعتي، فلا لوم علي. فهل يرفع هذا القول عنه الملام والعقاب؟ أم يكون لومه أشد وعقوبته أوكد؛ لأنه عمل العمل القبيح واتصف بالخلق القبيح، فكان أغلظ جرما وأشد عقوبة ممن فعل جرما عارضًا، فإنه يرجى له الرجوع والتوبة -يعني-: صاحب الجرم العارض والوصف القبيح العارض. قال: بخلاف الشرير الذي طبيعته وقوته متوجهة إلى الشرور والمعاصي، وهذا كذلك رد آخر ظاهر من جهة المعنى، فإنه وضح المعنى، أي: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بهذا المثل الذي يظهر لكل عاقل ولبيب: أن قول القائل: إني مقدر علي، هو في غاية القبح وفي غاية كذلك الباطل، فهو كقول الذئب، ومن كان بمعناه من أهل الشر والسوء: هذه طبيعتي. فهل إذا قال المفسد والشرير: هذه طبيعتي، معناه أننا نعذر؟ الجواب عند كل منصف: أن هذا لا يزيد إلا في عقابه، ما دام أنه يحصل منه مثل هذه الجرأة، يفعل الباطل ويقول: هذه طبيعتي، فيحتاج العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل الفساد الذي فعله، والمرة الثانية كونه يتبجح بأن هذه طبيعته، طبيعة، فكونه يقول: هذه طبيعتي، هذا موجب لعقاب آخر لأجله وجرأته. وهكذا كذلك يقال للمستدل بالقدر على معاصيه، فإنه كحال هؤلاء، فيوجب اللوم الأشد والعقوبة الأوكد، كما ذكر -رحمه الله تعالى-. قال -رحمه الله تعالى-: ثم ذكر الشيخ ما ينجي العبد من هذا المأزق الحرج، فقال: فإن كنت ترجو أن تجاب، بما عسى ينجيك من نار الإله العظيمة، فدونك رب الخلق فاقصده ضارعًا مريدًا لأن يهديك نحو الحقيقة، وذلل قيادة النفس للحق، واسمع، ولا تعصي من يدعو لأقوم شرعتي، ودع دين دلعاداتي لا تتبعنه، ودع دين دلعاداتي لا تتبعنه، وعج عن سبيل الأمة الغضبية، وما بان من حق فلا تتركنه، ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة، ومن ضل عن حق فلا تعفونه، وزن ما عليه الناس بالمعدلية، هناك تبدو طالعات من الهدى بتبشير من قد جاء بالحنفية، بملة إبراهيم، ذاك إمامنا، ودين رسول الله خير البرية، فلا يقبل الرحمن دينًا سوى الذي به جاءت الرسل الكرام السجية. وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي حوى كل خير في عموم الرسالة، وأخبر عن رب العباد بأن من غدا عنه في الأقرى بأقبح خيبتي. فهذه دلالات العباد لحائر، وأما هداه فهو فعل الربوبة. عندي يقول: بالأصل الربوبية، وإثبات الياء مخل بالوزن. طيب، قال: وأما هداه فهو فعل الربوبة، وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من غدا عنه، بل يجري بلا وجه حجتي. قال: هذه نصائح نفيسة من نصائح الشيخ، مستندة إلى الكتاب والسنة -يعني-: معناها في دلالاته الكتاب والسنة. قال: يقول: إذا كنت -أيها العبد- تريد نجاتك من عذاب الله والفوز بثوابه، فاقصد ربك متضرعًا له آناء الليل والنهار، واسأله أن يهديك الصراط المستقيم، ووطن نفسك للانقياد للحق، واقبله ممن قاله، وليس ممن قاله فقط، بل ممن لا تشك أن فيه من صفات ما يقبل منه الحق أن يقبل من مثله. فإن حملة الحق أعطوا من الصفات ما هي كفيلة لإدعان العقلاء، فضلاً عن من تبين له حقائق هذا الدين، فأنت إذا رأيت المجنون يتكلم، ورأيت العاقل يتكلم -بغض النظر عن ميزان الشرع والدين- أنت تفرق بين كلام المجنون وكلام العاقل، وهكذا لو تكلم اثنان في معنى من المعاني، أحدهما يحسن هذا المعنى والآخر لا يحسنه، فإنك بمعايير ومعاني معلومة تميز بين من يعلم ومن لا يعلم. فكذلك أنت تميز بين أهل الحق الذين يدعونك إلى الحق وهم يحملونه ويتصفون به، وبين أهل الباطل الذين يدعونك إلى الباطل ويتصفون به، ولو كان ذاك الذي يدعوك إلى الباطل هو من أقرب الناس إليك، فإن الإنصاف يدعوك أن تتبع صاحب الحق ولو كان بعيدًا عنك، وهذا معنى قوله: وذلل قياد النفس للحق، واسمع، ولا تعصي من يدعو لأقوم شرعتي. فأنت تحتاج أن تذلل من نفسك، من جوارحك جميعًا، ما يجعل نفسك قابلة ومنقادة للحق، ومن ذلك أن تعطي نفسك فرصة الإنصاف بالسماع الذي لا يعطي نفسه معنى الإنصاف، ولا يرضى بالسماع للحق، هذا يحرم نفسه من الحق، وهو من الإعراض عن العلم الذي لا ينفع معه قول القائل: أنا أجهل، وأنا لا أعلم، فإنه من الجهل والعلم الذي لا يعدر صاحبه به، وهذا هو قوله: ودع دين دي العادات لا تتبعنه -يعني-: أترك عنك معتدته من الدين الذي ورثته. لأن الرجل المعترض ليس بمسلم -كما مر معنا-، وهكذا يقال لكل ملازم لعادة من العادات جعلها دين، وهي على خلاف الدين الحق، فينبغي أن يدع العادات وينصف نفسه بأن يسمع الحق. وقوله: وعج عن سبيل الأمة الغضبية -يعني-: أترك، ومل وابتعد عن طريق الأمة التي غضب عليها، وهم اليهود. وما بان من حق فلا تتركنه -يعني-: أنصف نفسك، فإذا تبين لك الحق فيجب أن تتابع، ولا تترك، ولا كذلك تتردد، فضلاً عن أن تعرض عن كل فكرة مستقيمة، والمراد بها هنا -يعني-: بوادر الحق التي قد تظهر لك، سواء بمسألة القدر أو في غيرها من المسائل الأخرى. وقوله: ومن ضل عن حق فلا تعفونه، أنه وزن ما عليه الناس بالمعدلية، ومعنى: من أعرض عن الحق وحرمه، وأكثر هؤلاء حرموه بسبب الإعراض، فلا تعفو أنه -أي-: لا تتابعه، وأنت علمت بما سبقت الإشارة إليه: أن هؤلاء عندهم إعراض عن الحق، فليس أمثال هؤلاء محل متابعة. وكذلك اقتفاء وزن ما عليه الناس بالمعدلية -يعني-: كن كسائر الناس المنصفين الذين يزنون الأمور بالموازين والمعايير العادلة المعدلية -أي-: العادلة، فإذا حصل ذلك، قال -رحمه الله-: هنالك تبدو طالعات من الهدى، إذا حصل منك الإنصاف وسلكت الوسائل التي يكون بها معرفة الحق بتجرد، فعند ذلك تبدو طالعات من الهدى، ومعنى طالعات من الهدى -يعني-: بشائر الحق، وكذلك نور الحق ومعاني الحق التي تتبين لك في المسائل التي ما كنت تعرفها. قال: بتبشير من قد جاء بالحنفية -يعني-: به ما كان على طريقة أهل الحق ممن سلك مسلك الأنبياء جميعًا، وإمامهم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، ويريد أهل العلم الذين أتوا بما جاء به نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وثم بعد ذلك بيّن هذا المعنى إلى أن قال: وقد جاء هذا الحاشر -يعني-: محمد -عليه الصلاة والسلام-. وقوله: أخبر عن رب العباد، بأن من غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبتي، ومعناه -أي-: أن نبينا -عليه الصلاة والسلام- قد توعد بأن من أعرض عن الحق فإن له عاقبة السوء، وسيكون له أقبح وصف يوم القيامة. ثم قال: فهذه دلالات العباد لحائرين، وأما هداه فهو فعل الربوبة -يعني-: هذه نصائحي ودلالات مني تعين من فيه حيرة، إن كنت صادقًا أنك محتار؛ لأنه ذكر هذا في أول النظم، فإن ذلك يعينك في ذهاب هذه الحيرة عنك، فهذا سبيل -كما يقال-: هداية الدلالة. وأما هداية التوفيق فهي من الله سبحانه وتعالى، وهذا قوله: وأما هداه فهو فعل الربوبة؛ لأن الهداية هدايتان: هداية الدلالة وإرشاد، فهي للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وأتباع الأنبياء من العلماء وورثة علم الأنبياء، ودلالة توفيق، وهي لله عز وجل وحده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، فهذه هداية التوفيق التي خاصة بالله. وأما هداية الدلالة والإرشاد: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقوله: وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من غدى عنه، بل يجري بلا وجه حجتي -يعني-: لا تظن أنك إذا تعاميت عن الحق وتقاعصت عنه وأعرضت وهمشت وابتعدت سلمت من اللوم أبدًا، فإن هذا لا يسلمك من اللوم. وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من غدى عنه -فرق بين من حرم الهدى لأنه لم يتيسر له الوصول إليه، ومن وصله فأعرض عنه-، وهذا قوله: لا يفيد من غدى عنه -يعني-: أعرض عنه، بل ماذا؟ بل يجري بلا وجه حجتي، ليس له عند الله حجة، ولا في الدنيا حجة، بل هو ملوم، وهو كذلك مخطئ ومذنب. فهو يحذر هذا الإنسان الذي يدور في قرارة نفسه معاني التردد والشك في مسألة قبول الحق أو رده، وهل له حجة عند الله بأنه لم يتبين له شيء، وهو في الحقيقة يعلم أنه تبين له شيء، فهو يريد أن يبين هذا المعنى: بأنه ليس لك حجة بإعراضك وتقاعصك عن البحث عن الحق، وأن الإنصاف يقتضي أن تفتح أذنك وقلبك لسماع الحق، وخصوصًا أن بشائر الحق ظهرت لك، فالواجب أن تتابع الطريق، فالإعراض وكذلك التقاعص ليس بعدر، بل هو يزيد في اللوم. قال -رحمه الله تعالى-: قال: ووطن نفسك للإنقياد للحق، واقبله ممن قاله، وكن ممن يستمعون للقول فيتبعون أحسنه، ودعاك دين العادات والاقتداء بأهل الغضب والضلال، وأكثر من التدبر لكتاب الله وسنة نبيه، ثم ما بان لك من الحق اتبعه غير مبال بخلاف المقلدين، واجعل كتاب الله وسنة نبيه نصب عينيك، وزن بهما أحوالك وأحوال غيرك، فإنهم الميزان العادل غير العائل -معنى غير العائل-: غير المائل -كما أشار المعلق-. قال: فإنك إذا فعلت ذلك حصلت لك تباشير الخير وأمارات السعادة، واتبع ملة إبراهيم حنيفًا مائلاً عن جميع الأديان والبدع إلى دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإن الله لا يقبل من أحد دينًا سوى الدين الذي ارتضاه لرسله وأتباعهم حتى ختمهم بإمامهم وسيدهم محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي جمع الله به وله من المحاسن والكمالات ما لم تجتمع في غيره. وقد أخبر عنه ربه أن من اتبعه فهو المهتد السعيد، ومن تولى عنه فهو الضال الطريد، وأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه لا يسمع به يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار، لماذا؟ لأن السماع به تقوم به الحجة، السماع به تقوم به الحجة عند أهل الكتاب، فهم عندهم خبر وعلم عن أنبيائهم: أن رسولاً يأتي بعد أنبيائهم ورسلهم يقال له محمد، وأنه يجب عليهم الإيمان به ومتابعته. فهذا يكفي في أن يدخل به النار، لماذا؟ لأن بلوغ الخبر إليهم يستوجب عليهم أن يطلبوا الحق وأن يقدموا فيتعرفوا عليه، لا يقول قائل: أنا بلغني أن هناك نبي اسمه محمد -عليه الصلاة والسلام-، ولكن لم أطلع على شيء مما جاء به، فإذا لم تقم علي الحجة أبدًا، قامت عليك الحجة بما علمت من دين نبيك ورسولك: من أنه يأتي نبي يجب الإيمان به إذا ظهر. فكونه قيل لك: أنه ظهر نبي اسمه كذا، ووصفه كذا، وجب عليك أن تفتح أذنك وقلبك لتسمع فتعرف: هل الذي جاء به هو الحق الذي أمرت بمتابعته أم هو ليس كذلك؟ ما داموا أنهم لم يفتحوا آذانهم ولا قلوبهم، فهم في النار؛ لأن جهلهم جهل إعراض، ليس جهلهم جهل عدم العلم، وإنما جهلهم جهل إعراض عن العلم. وفرق بين من جهله جهل إعراض، وبين من جهله جهل عدم العلم، فمن كان جهله جهل عدم العلم فهذا هو قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وأما من كان جهله جهل الإعراض فهذا لا عذر له؛ لأنه كان يجب عليه أن يفتح أذنه وقلبه وينصف فيسمع، فإن كان الحق آمن به، وإن كان الباطل رده، لكنهم أبوا أن يسمعوا، وأبوا أن يتعلموا ويعرفوا، فكان هذا من جهل الإعراض. قال -رحمه الله تعالى-: ثم قال: وهذا الذي بينته في هذه الأبيات فيه الدلالة للحيران، والتفاصيل التي يحصل بها الفرقان، والهداية بيد الله، لكن من أقبل على ربه صادقًا وعمل بأسباب الهداية فلابد أن يقبله الله ويسلك به الصراط المستقيم، هذا معنى مجمل لما ذكر، وعنده نقف، والحمد لله رب العالمين.