شرح كتاب الطهارة  3

شرح كتاب الطهارة 3

الدرس في شرح كتاب الطهارة 3، الدرس الثالث (وإذا شك في نجاسة الماء أو غيره أوشك في طهارته بنى على اليقين لأنه هو الأصل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في القواعد الفقهية المتعلقة بالطهارة

يبدأ الدرس بشرح قاعدة 'اليقين لا يزول بالشك' وأهميتها في مسائل الطهارة، مشيراً إلى أدلة هذه القاعدة من الكتاب والسنة.

تطبيق القواعد الفقهية في الطهارة والصلاة

يناقش الدرس تطبيق قاعدة 'الأصل بقاء ما كان على ما كان' في مسائل الطهارة والصلاة، ويوضح كيفية التعامل مع الشك في هذه الأمور.

علاج الوسوسة في الطهارة والصلاة

يقدم الدرس نصائح لمن ابتلي بالوسوسة، حيث ينصح بالاستقامة على التفصيلات المأخوذة من الكتاب والسنة وترك الخواطر والخلوة بالنفس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قلنا آخر ما توقفنا عليه هو قول المؤلف -رحمه الله-: «وإذا شك»، قال -رحمه الله-: «وإذا شك في نجاسة الماء أو غيره أو شك في طهارته بنى على اليقين؛ لأنه هو الأصل». وعندنا في النسخة «أو شكل في طهارته»، والصواب «أو شك في طهارته بنى على اليقين؛ لأنه هو الأصل». هذه مسألة أخرى من مسائل المياه وأحكامها، وهي تتعلق بمسألة الشك. فأشار -رحمه الله- إلى ثلاثة مسائل، وبيّن أنه يبني على اليقين؛ لأنه الأصل. وهذا لما ورد من أدلة شرعية كثيرة في الكتاب وفي السنة تؤيد هذا الأصل وهذه القاعدة التي أشار إليها -رحمه الله-، وهو يشير إلى قاعدة فقهية كلية من القواعد الفقهية الكليات، قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك»، أو يعبر عنها بقولهم: «الشك لا يزيل اليقين»، أو يعبر عنه كذلك بتعبير آخر: «الشك يزال». وهذه القاعدة الكلية لها أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. وتحت هذه القاعدة قاعدة أو قواعد كثيرة، ومن هذه القواعد قاعدة فقهية فرعية، وهي قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان». ومن أشهر أدلة هذه القاعدة أو هاتين القاعدتين حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي شكى إليه أنه يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». فأفاد هذا الحديث -فيما يتعلق بموضوعنا هذا فقط- ثلاثة أمور. أولا: أن اليقين لا يزول بالشك، أو نقول: «الشك لا يزيل اليقين»؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا ينصرف»، مع أن الرجل شك أنه يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة -يعني كأنه خرج منه هواء أو نحو ذلك- فأمره النبي -عليه الصلاة والسلام- ألا يلتفت إلى ذلك. وأفاد ثانيا معنى القاعدة الفرعية: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، يعني ما دام أن الرجل دخل في هذه الصلاة وهو على طهارة، وهو مستيقن من ذلك ومتأكد، فإذن الأصل أنه يبقى على ما هو عليه، الأصل بقاء ما كان على ما كان، فلا يزول عن هذا الأصل إلا ببينة وشيء يقيني. ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». وأفاد ثالثا -وهذا مهم في هذا الباب- لأن بعض الناس يبتلى بهذه المسائل، ومن فضل الله -عز وجل- أن جعل في شريعته ودينه علاجا لهذا الابتلاء، وفي كلام أهل العلم توضيح لهذا العلاج، وذلك أن من ابتلي بالشك -وهو من يسمى بالموسوس- ينبغي عليه أن يعلم أن علاجه بامتثاله لأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الباب، ووقوفه عند شريعة الله وحدود الله في هذا الباب، وهو أنه لا يزول اليقين بالشك، وكذلك أن الأصل بقاء ما كان على ما كان. فكما أن المصلي ذاك لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، فكذلك يقال في مسائل الطهارة هنا ومسائل المياه، فإذا شك في نجاسة الماء مثلا، وكان للماء أصل، وكان للماء أصل، فإنه يرجع إلى هذا الأصل. مثلا مر رجل ببئر، فشك هل البئر طاهرة أم غير طاهرة، أو مر بماء في إناء، شك هل هذا الماء طاهر أو غير طاهر، ونحو ذلك، نقول: الأصل أن الماء إذا لم تكن فيه آثار نجاسة -لا في طعمه ولا في لونه ولا في رائحته- فالأصل أنه على أصله، يعني على طهارته، لا ينصرف عن هذا الأصل إلا ببينة وأمر يقيني، وهو تغير بلون أو طعم أو ريح يبين أنه من نجاسة. وتقدم معنا أن التغير بغير المخالطة أو بمخالطة الطاهر لا تضر الماء، ما دام يسمى ماء، فإذا لا ينبغي الإنسان أن يشك في الماء بمثل هذه العوارض. وقوله: «أو غيره» في نجاسة الماء «أو غيره» يريد مما يحتاج طهارته، كالثياب مثلا، أو التراب أو الأرض. وهذه كلها يحتاج إلى معرفة طهارتها، فالمصلي بعد أن يتطهر يحتاج كذلك إلى طهارة ثيابه، وطهارة المكان الذي يصلي فيه، أو كذلك إذا لم يكن ماء وأراد أن يتيمم بالتراب فيحتاج إلى طهارة هذا التراب. وهذه كلها يقال فيها كما قيل فيما سبق: «أن الأصل بقاء ما كان على ما كان»، فالأصل في التراب الطهارة، لا نخرج عن هذا الأصل حتى يأتينا دليل وبينة أنه نجس، كما أن الأصل في الماء الطهارة «وأنزلنا من السماء ماء طهورا»، وهكذا الأصل في التراب الطهارة، والأصل في الحجارة الطهارة إذا أراد أن يستنجي المستنجي، فالأصل في الحجارة الطهارة، لا يقول: ربما هذا الحجر استنجى به إنسان، هذا ربما شك، لكن الأصل هو الطهارة، لا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين، كأن يرى مثلا على التراب رائحة بول أو أثر غائط، أو يجد كذلك على الحجر أثر غائط أو نحوه، فإذا هذا نجس لا يستنجي به. أو كذلك أراد يصلي بمكان، فوجده ظاهره النظافة والطهارة، فهو طاهر هذا هو الأصل، وهكذا كذلك الثياب، الأصل أنها طاهرة، ولا يحكم بنجاستها إلا بدليل، ولا دليل، إذن هي طاهرة على الأصل. وقد بيّن العلماء في كتب القواعد الفقهية أصول الأشياء بأدلتها من الكتاب والسنة، وذلك لأجل حاجة رجوع الناس إليها. فالخلاصة: أن الأصل الطهارة في هذه الأشياء، فلا يخرج عن هذا الأصل إلا ببينة ويقين، فإذا شك فالأصل الطهارة. والعكس صحيح، إذا تيقن النجاسة، فإذا لا يخرج عن هذا اليقين إلا ببينة. مثلا هو متيقن أن هذا الثوب أو السروال فيه نجاسة، لكن شك هل أحد من أهل البيت غسله أو لم يغسله، هنا نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، إذن إذا كان كذلك فيبقى على الأصل، ويترك لبس هذا الإزار أو هذا السروال، ما دام أنه متأكد أنه نجس وغير متأكد أنه تطهر بعد ذلك أم لا. وقوله: «أو شك في طهارته بنى على اليقين»، هنا الآن شك في النجاسة، والآن هنا الشك في الطهارة، يعني في طهارة الماء أو طهارة غير الماء من التراب أو الحجر أو الثوب أو غير ذلك، فهنا يرجع إلى الأصل كما قلنا، إن كان الأصل الطهارة -وهذا هو الأصل- فإذن لا يزول عنه إلا بيقين، وإن كان ثبت عنده نجاسة الماء -هذا الماء مثلا- ثبتت نجاسته عنده الذي في الوعاء، بال فيه الصبي مثلا، فالأصل هو بقاء النجاسة، أو ثبت عنده أن هذا الثوب نجس، فالأصل بقاء النجاسة، شكه في الطهارة لا يخرجه عن الأصل؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. وهكذا يقال في غيرها من المسائل الأخرى، وهو شيء مفيد، ينبغي أن ينتبه له. وأخيرا أنبه في هذه المسألة إلى من ابتلي بالوسوسة، أنه ينبغي عليه أن يعلم أن العلاج أن يستقيم على هذه التفصيلات التي ذكرها العلماء، وهي مأخوذة من أدلة الكتاب والسنة، وهو العلاج لوسوسته، وأن عدم وقوفه عند حدود الله في هذا الباب يضر بدينه ضررا عظيما، ويفسد عليه حاله في دنياه وفي آخرته. فالواجب على من ابتلي بالوسوسة أن يستجيب لكلام أهل العلم، ويطبق ذلك عمليا، مع النصيحة له بأن يترك كثرة الخواطر والخلوة بنفسه التي تزيد عليه باب الوسوسة وتوسعها عليه، فإن ذلك يعينه -إن شاء الله- على ترك ما ابتلي به.