شرح خمسون حديثا في العقيدة 23

شرح خمسون حديثا في العقيدة 23

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 23، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث النفس

يبدأ الشيخ بشرح الحديث الثالث والعشرون من صحيح مسلم، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمته ما حدثت به أنفسها. يتناول حكم حديث النفس وقسميه.

الوسوسة وحديث النفس وحكمهما في الإسلام

يشرح المقطع مفهوم الوسوسة وحديث النفس، ويبين أن مجرد التفكير لا يؤثر على صحة العبادات أو العقيدة. مقاومة الوساوس بالاستعاذة بالله علامة على الإيمان.

مسائل الحديث ودلالته على الثواب والعقاب

يتناول المقطع مسائل متعلقة بالحديث النبوي حول الوسوسة وحديث النفس، ويشرح دلالة الحديث على أن الثواب والعقاب يرتبطان بالأعمال والنيات الحسنة.

الاستعاذة بالله من وسوسة الشيطان

الإنسان مأمور بقطع حديث النفس وعدم الاسترسال فيه، ويمكنه الاستعاذة بالله لتحقيق ذلك وحماية نفسه من الوسوسة والشر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثالث والعشرون، قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبرين، واللفظ لسعيد، قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمة ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به». هذا الحديث من الأحاديث المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها؛ لما فيه، أو لما يدخل تحته من المسائل الكثيرة. وقد اجتمع هذا الحديث على مجموعة من المسائل، أولها حكم حديث النفس. وقد قسم حديث النفس إلى قسمين، وجاءت إشارة إلى ذلك في هذا الحديث. وقد جاء في رواية: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها» بفتح «أنفس»، وجاء في رواية: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها» بالرفع. رواية بالنصب، ورواية بالرفع. وذكر العلماء أن هاتين الروايتين اجتمعتا على معنيين؛ وذلك أن حديث النفس ينقسم إلى قسمين. فبرواية النصب يكون المعنى: ما حدثت النفس بإرادتها، وما كان برواية الرفع: ما حدثت به النفس بغير إرادتها، كالوسوسة. وما كان بمعنى: هذان هما قسمي حديث النفس. فحديث النفس ينقسم إلى قسمين: قسم يحدث النفس به المرء نفسه، وقسم آخر يأتيه من الوسوس والخواطر. وكلاهما أدعى فيه التجاوز عنه ما لم يتكلم به الإنسان أو يعمل به، كما في هذا الحديث. فأول مسائل هذا الحديث أن حكم حديث النفس التجاوز، أنه يتجاوز عن حديث النفس، فلا يأثم الإنسان به إلا أن يعمل أو يتكلم. فإذا عمل حقق ذلك الكلام النفسي، أو تكلم فأخرج ذلك الكلام النفسي، فيترتب عليه حكم، يترتب عليه الحكم الشرعي، سواء بما يتعلق في نفسه، أو ما يتعلق كذلك في غيره، سواء ما يتعلق في عباده، أو ما يتعلق كذلك في معاملة. ومثال ذلك: لو أن رجلاً حدث نفسه بأن يخرج من الصلاة، فإنه لا يخرج من الصلاة، أو حدث نفسه أن يطلق زوجته، فإن زوجته لا تطلق حتى يتكلم بلسانه، أو كذلك يعمل عملاً يدل على ذلك. ومثله كذلك فيما يتعلق بالمسائل العقدية. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كذلك: أن أناساً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا من الكلام ما نتعاظم أن نتحدث به، أو ما يتعاظم أن يتحدث به. فقال: «أوجدتم ذلك؟ فإن ذلك صريح الإيمان». يعني: أن الشيطان إذا تعب في إغواء هذا الإنسان، بدأ يدخل عليه الوساوس، والحديث النفسي؛ ليخرجه ويصرف عن الخير. ومعناه: أن الإنسان إذا صار على هذا، وعلى خير، أن الشيطان يريد إغواءه، فعليه أن يترك مثل ذلك. وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك، كما في مسلم كذلك من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الوسوسة، فقال: «تلك محض الإيمان». يعني: الوسوسة محض الإيمان؛ فإن الشيطان إذا أيس أتى إلى الإنسان من هذا الباب. والمسألة الثانية من مسائل هذا الحديث: فيه أن الإنسان قد يبتلى بشيء من الوسوسة، أو بشيء كذلك من الخواطر، أو بشيء كذلك من حديث النفس، فعليه إذا وجد ذلك أن لا يصيب نفسه باليأس والقنوط، ولا كذلك يستسلم لهذا الشيطان الذي يطمع في إخراجه عن طريق الخير بهذا الطريق، وهو إدخال الوسوسة في نفسه، واليأس والقنوط. بل عليه أن يستمسك بالحق الذي هو عليه، ويستمر عليه، ولا يبالي بهذه الوسوسة. ومن أول علاج ذلك: أنه يستعيذ بالله، ويقطع هذه الخواطر. فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك: أنه سئل، أو أخبر عليه الصلاة والسلام: أن الشيطان لا يزال بالعبد يقول له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ قال: «فإذا وجد أحدكم ذلك، فليستعذ بالله من الشيطان، وليدع». كما جاء في رواية في مسلم. ومعنى أن من أوائل علاج هذه الخواطر، وهذه الوسوسة: أن الإنسان يستعيذ بالله من الشيطان، ويقطع هذه الخواطر، ويقطع هذا الحديث النفسي، ويقطع هذه الوسوسة. يقطع ذلك؛ فإن ذلك من أقوى وأوائل علاج الوسوسة، ويشغل نفسه بما هو نافع من الفكر، أو القول، أو العمل. والمسألة الثالثة: وقد مر معنا الكلام على الوسوسة في أحاديث ماضية. المسألة الثالثة من مسائل هذا الحديث: ظاهر الحديث أنه قد رفع الإثم، وتجوز عن كل ما كان من حديث النفس، ويتضمن ذلك الهم، وما يهم به الإنسان. وهذا الظاهر ليس على إطلاقه. بل الصحيح: أن هذا هو الأصل، أن كل ما كان من حديث النفس، ومن الهم، فإنه مما يتجاوز به عن الإنسان. وجاء معناه صريحاً في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن العبد إذا هم بالسيئة، فلم يعملها، كتبت له حسنة كاملة. لكن مر معنا، وتقدم: أنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن رجلاً يكتب له من الوزر بقدر ما تمنى أن يكون له من مال فلان، وأن يعمل مثل ما يعمل، وهو هم. وقد مر معنا الجواب عليه بذلك الحديث: أن هذا يحمل على الهم الذي يصحبه شيء من العمل، سواء العمل القلبي، أو العمل القولي، أو الفعلي. وبهذا نعلم: أن هذا الحديث ليس على إطلاقه، فليس كل حديث النفس، وهم النفس، لا يكون فيه إثم، بل بعضه فيه شيء من الإثم، إذا كان فيه شيء من التصميم، والعزم على الفعل. وهذا نوع من العمل. ومن آخر مسائل هذا الحديث: فيه كذلك أن ترتب العقاب، والثواب يكون على الأعمال. ترتب العقاب، والثواب يكون على الأعمال؛ فبقدر ما يكون من الإنسان من عمل، فإنه يكون كذلك الأجر. فعلى الإنسان أن يحرص على إحسان في العمل، ومع ذلك ينبغي عليه أن يحسن في النية. وكما مر معنا: أنه رب إنسان لا يوفق للعمل، لكنه بنيته الحسنة يوفق إلى أجر مثل صاحب العمل. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديثه عن موسى وغيره: «إن أقواماً بالمدينة ما سافرتم سفراً، ولا نزلتم وادياً، ولا صعدتم مرتفعاً، ولا نزلتم منزلا إلا وكانوا معكم، شاركوكم بالأجر، ما منعهم إلا العذر». ودل ذلك على أن الإنسان قد يؤجر وهو لم يعمل؛ بما كان معه من النية الحسنة، والهم الحسن. هذا خلاصة ما يذكر بهذا الحديث، به نكتفي. والحمد لله رب العالمين. مأمور بقطعه، الإنسان مأمور بقطع حديث النفس، ولا يسترسل، فليستعذ بالله، وليترك، أو ليدع، حتى لا يفتح باب الوسوسة والشر؛ لأن الاستمرار بهذا استسلام للشيطان.