واجبنا في الدعوة لمنهج السلف

المحاضرة بعنوان واجبنا في الدعوة لمنهج السلف، محاضرة هاتفية إلى مدينة طبرق الليبية وكانت يوم الثلاثاء ٤ رجب ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية الدعوة السلفية

يتناول الشيخ أهمية الدعوة إلى الله ونصرة الدعوة السلفية، ويبين أن تبليغ هذا الدين والدعوة إليه من أصول النجاة من الخسارة. يشدد على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحقيق الإيمان وخيرية الأمة.

وسائل وأساليب الدعوة إلى الله

الدعوة إلى الله عز وجل واجب عظيم على المسلمين، ويجب على أهل العلم والدعوة أن يجتهدوا في تبليغ دين الله عز وجل والدعوة إليه بوسائل علمية وعملية مختلفة. يُشدد على أهمية الجمع بين العلم والعمل الصالح في الدعوة إلى الله.

معالم الدعوة السلفية الحقة

يُبين الشيخ معنى الدعوة السلفية الحقة، ويوضح أنها ليست مقتصرة على بعض مسائل العقيدة والانشغال بالردود، بل هي دعوة شمولية إلى عقيدة صحيحة وعبادة مستقيمة ومعاملة صادقة وأخلاق كاملة. ويحذر من تحريف السلفية وتشويهها من قبل بعض أهل السوء والشر والفساد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام على صفوة الأنبياء، وسيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، يدعونا في هذه الليلة، ليلة الإفاضة الدعوية عبر الهاتف، فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن، عبد الله بن مرعي العدني، القائم على دار الحديث بالشهر في اليمن، حفظه الله تعالى. وهذا هو اللقاء الثاني مع فضيلته بأبنائه من هذه المدينة. بل يدعونا شكرًا وامتنانًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبه ربنا ويرضى. نحمده سبحانه على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. معاشر المسلمين، وطلبة العلم ممن يسمعون هذا اللقاء وهذا المجلس، إن الله عز وجل خص أهل هذا الدين بهذه النعمة العظيمة، نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. نعمة الإيمان التي خص بها أهل هذا الدين عما سواهم من أهل الكفر والشرك والإلحاد، ونعمة الإسلام خاصة التي ختم الله عز وجل بها الأديان، ولا يقبل دينًا سواه، وهو القائل سب�انه وتعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وهكذا نعمة لزوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي بها خص الله عز وجل من وفقه لها. بالتمسك بالإسلام الحق الذي كان عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أرضاهم. فأهل متابعته هم الخلص من أهل هذا الدين، الموفقون للدين القويم والصراط المستقيم الذي أحبه الله عز وجل لخلقه ورضيه سبحانه وتعالى لهم. بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وبقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. فإذا كان كذلك، فتوفيقك لهذه الطريق وهذه الدعوة المباركة، أخي المسلم، ويا طالب العلم على وجه الخصوص، نعمة عظيمة خصك الله عز وجل بها حين ضل عنها من ضل وحرمها من حرم. فاجتباك ربك سبحانه وتعالى واصطفاك وخصك سبحانه وحباك بما حرمه الكثير من الناس. فمن باب شكر نعمة الله سبحانه وتعالى، وهكذا كذلك تأدية لبعض الواجب والحق الذي أوجبه الله عز وجل على أهل هذا الدين، فنحن كذلك كنا يومًا من الأيام حرمنا هذا الخير، وكم منا من حرم هذا الخير، فوفقه الله له. فكذلك نحبه لغيرنا من باب شكر نعمة الله وتأدية حق الله سبحانه وتعالى في هذا الدين، وتأدية لهذه الأمانة والرسالة، وهذا الواجب العظيم الذي هو من أعظم الواجبات. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. والإسلام الحق هو السنة، والسنة هي الإسلام، كما قال الإمام البربهاري رحمه الله تعالى. وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». وجاء في بعض الروايات للحديث الذي أصله بالصحيح، فيما يحسنه بعض أهل العلم في وصف أهل الغربة هؤلاء، أنهم «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، وفي رواية: «الذين يصلحون ما أفسد الناس». وهؤلاء هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية التي وصفت في نصوص الكتاب والسنة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». فإذا كان كذلك، فما هو واجبنا في نصرة هذه الدعوة المباركة، الدعوة السلفية؟ هذا الموضوع الذي طلب إخوانكم في هذه المدينة وفي هذا المسجد الطيب المبارك أن نتذاكر فيه. وهو موضوع عظيم يتناول مباحث كثيرة ومسائل عديدة. وحسبنا في هذا المقام المختصر المقتصر أن نتذاكر أهم هذه المسائل. أول ذلك أن نعلم، معاشر المسلمين، وطلبة العلم على وجه الخصوص، الواجب الذي أوجبه الله عز وجل علينا تجاه هذه الدعوة المباركة، وهي دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ هو الإسلام الحق الذي بعثه أو بعث به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أن الله عز وجل ما بعث من نبي ولا رسول إلا وأمره أن يبلغ قومه ما بعثه الله عز وجل به. فإذا كان قد قال في حق نبينا عليه الصلاة والسلام في أمر تبليغ هذه الرسالة وأداء هذه الأمانة: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ». وهذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن دونه ممن بلغه هذا الخير ووصلته هذه الأمانة، ثم بعد ذلك يقصر في تأديتها وتبليغها؟ ولهذا كان من أصول النجاة من الخسارة الأربعة تبليغ هذا الدين والدعوة إليه. قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وفي حديث تميم الداري المشهور في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». وفي رواية خارج الصحيح، كررها ثلاثًا: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قالوا: قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». فكاد أن ينحصر الدين في النصيحة، لعظيم منزلتها ورفيع درجتها، وكذلك أهميتها من بين الواجبات. بل ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. انظروا كيف قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي منه الدعوة إلى هذا الدين، على هذين الركنين العظيمين من أركان هذا الدين. حتى قال من قال من أهل العلم: أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للخلق والدعوة لدين الله هو الركن السادس من أركان هذا الدين. بل لا يتحقق الدين إلا به. ولهذا قرن في هذه الآية بوصف الإيمان: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. فتحقيق هذا الإيمان بتحقيق هذا الواجب. وهل وصل إلينا هذا الإيمان وهذه الدعوة المباركة إلا حين قام من قام بأداء هذا الواجب حتى وصل إلينا؟ ولهذا كان من أعظم أسباب خيرية هذه الأمة، كما قال سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وهو حقيقة النصر لدين الله عز وجل، وهو الذي به يأتي النصر من الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. فإذا كان كذلك، معاشر المسلمين، ويا من وفقه الله لطريق طلب العلم، علمنا عظيم هذا الواجب الذي تعلق بأعناقنا تجاه هذه الدعوة المباركة. ولهذا كان من أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم بعد دعوته حين مكنه الله عز وجل في المدينة، أن أرسل رسوله لدعوة الناس إلى هذا الدين الحق، وإلى هذه الدعوة المباركة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم. فأرسل الرسل إلى مشارق الأرض ومغاربها، وإلى شمالها وجنوبها، يبلغون دين الله سبحانه وتعالى. ففي حديث ابن عباس: «أَرْسَلَ مُعَاذًا وَأَرْسَلَ أَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ». وهكذا أرسل عليًا رضي الله عنه إلى جهة أخرى في جهة اليمن، وأرسل من أرسل إلى الشام، وأرسل من أرسل إلى البحرين، وأرسل من أرسل إلى مصر، وإلى فارس، وإلى الروم، وإلى سائر ملوك أهل الأرض، يبلغون دين الله عز وجل. وهذا قليل من كثير من القيام بهذا الواجب. وسيرته عليه الصلاة والسلام العطرة، وسيرة صحابته الكرام رضي الله عنهم، مليئة بالأمثلة القولية والفعلية التي تدل على جدهم واجتهادهم في تبليغ دين الله عز وجل والدعوة إليه. بل في مهد الرسالة، وهو يدعو المشركين إلى هذا الدين العظيم، وقد لقي ما لقي من أذى، ولقي كذلك صحابته رضي الله عنهم ما لقوا حين سلط أهل الطائف عليه السفهاء وغير ذلك. فرجع مهمومًا مغمومًا، وتلقاه جبريل ومعه ملك الجبال، في الحديث المشهور. ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: «لَا بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». هذا يقوله عليه الصلاة والسلام، وقد لقي ما لقي، وبدل ما بدل. وحين مكنه الله عز وجل من أهل مكة، بعدما صنعوا الشيء الكثير من الأذية والاعتداء والبغي والعدوان، كان منه ما كان، مما هو قليل من كثير من الدعوة إلى هذا الدين العظيم، وهذه الدعوة المباركة. ونحن كذلك يجب علينا أن نجد ونجتهد في الدعوة إلى دين الله عز وجل، ومنهج السلف الصالح، خصوصًا في مثل هذا الزمان، وقد اشتدت فيه الغربة، وكثرت فيه معاني الضلال والجهالة، شبهات لا تعد ولا تحصى، ولا تحصى، وشهوات كذلك لا تنحصر، صرفت الكثير ممن ينتسب إلى هذا الدين، وحرفتهم عن الصراط المستقيم، فضلًا عن من لم يبلغوا هذا الدين. صارت حجبًا وحواجز، تشوش عليهم وتحجبهم وتمنعهم وتصرفهم. فكان لزامًا على أهل هذه الدعوة المباركة أن يجدوا ويجتهدوا ببدل الوسائل العلمية والعملية التي يكون بها أداء ما يستطيعون في تأدية هذه الأمانة وهذه الرسالة العظيمة. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الدعوة الطيبة المباركة التي نرجو أن يصيبنا منها، وأن يلحقنا من فضلها، ما يكون سببًا لخير الدنيا والآخرة. نظر الله امرأة سمعت مقالتي، فوعتها، فأدتها كما سمعها. ولتزال النظارة في وجوه أهل الحديث ودعوتهم، وهم أحق الناس بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أرضاهم. فنسير بهذا السير، ونجتهد في تبليغ دين الله عز وجل والدعوة إليه، أداء لهذه الأمانة والرسالة، وشكرًا لله عز وجل على هذه النعمة، وتأدية للواجب والحق. ومما نتذاكر به في هذا الباب، أن نعلم أيها الأحبة، أن الدعوة إلى هذا الواجب العظيم يحتاج معه من الوسائل العلمية والعملية ما يكون سببًا في التوفيق والتسديد والوصول إلى المقصود في أداء هذا الواجب وتحقيق هذا المطلب العظيم. ومن أعظم هذه الوسائل، ويذكر هذا على وجه الاختصار، أن يجتهد أن يجتهد المسلم عمومًا، وطالب العلم خصوصًا، في بذل الوسائل العلمية والعملية التي تعينه على أداء بعض ما فرض الله عز وجل عليه في هذا الواجب العظيم، كل بحسب استطاعته وقدرته. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». ومن أعظم هذه الوسائل، أن يجتهد الفرد ممن وفقه الله لهذه الدعوة المباركة على تحقيق الصدق والإخلاص لله عز وجل في نفسه. فإنه سبب عظيم في التوفيق في دعوته. فإنه متى ما اجتهد في إصلاح نيته، أعانه الله عز وجل على إصلاح نفسه، وعلى البركة في وقته وعمره. وهكذا كذلك في التزديد والتوفيق في عمله، بما يكون بإذن الله تعالى، البركة في دعوته. وكم من إنسان لا يجتهد في إصلاح نيته، فيكون ذلك سببًا لمحق البركة، وهكذا كذلك عدم التوفيق والتزديد في سائر أموره في نفسه، فضلًا عن دعوة غيره. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». ومن فقه الإمام البخاري، افتتح كتابه وصحيحه بهذا الحديث العظيم، الذي قال من قال من أهل العلم: كاد أن يجتمع الدين عليه، لعظم منزلته وأهميته. وحقيقة دين الله عز وجل يقوم على ركنين عظيمين، أولهما الإخلاص، وثانيهما المتابعة. ومن معاني الإخلاص إصلاح النية. فكم من إنسان عنده من الضعف، ومن كذلك أسباب الثقل، ما قد يظن أنه يتأخر، ولكن بصلاح نيته واجتهاده بإخلاصه لربه وخالقه ومولاه، يجد من العون والتوفيق ما يجعله يسبق من كان لا يظن أنه يسبقهم. والأمر لله سبحانه وتعالى. فلذلك نجتهد، معاشر أهل السنة والجماعة، في هذا الأمر العظيم الذي دعينا إليه في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلفنا وإمتنا من الاجتهاد في معالجته وإصلاحه. وما أكثر الآثار المروية في هذا الباب، في اجتهاد الأئمة في معالجة أنفسهم وإصلاحهم لنياتهم. فهو أمر عظيم يكون به خير الدنيا والآخرة، والوصول إلى الكثير مما يحبه المرء. ومن ذلك هذا الباب العظيم، وهذا الواجب الكبير. ومن الأمور المهمة كذلك التي نتواصى بها، أن نجد ونجتهد أيها الأحبة في تحصيل العلم النافع. فهي حقيقة دعوة أهل السنة والجماعة، فدعوتهم قائمة على العلم. ولهذا قرنا وصف الفرقة الناجية والطائفة المنصورة بالعلم والفقه فيه، كما جاء في حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه، بالصحيحين: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». ومن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين. انظروا إلى اقتران هذا اللفظ من الحديث بذكر الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. حتى قال من قال من العلماء: من أعظم صفاتها، أي الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، كونها موفقة في الجد والاجتهاد في الفقه في الدين. ولهذا تجد من معالم أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح، بروزهم في هذا الباب. فهم أحق الناس بالعلم النافع، والجد والاجتهاد فيه. انظروا إلى حال أئمتنا وعلمائنا، كيف جدوا واجتهدوا بتحصيل العلم، فنفع الله عز وجل بهم في الدعوة إلى هذه الدعوة المباركة الطيبة، بما كان من علمهم وجدهم واجتهاد فيه، وبما كان من عملهم به. وبه نعلم كذلك أهمية العمل الصالح، الذي هو موضع آخر من مواضع الدعوة إلى هذا الدين العظيم. وهو لا يتوصل إليه كذلك إلا بالعلم. وفاقد الشيء لا يعطيه. أن للمرء أن يعمل وهو جاهل بالعلم. ولهذا كان أحق الناس بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، العلماء. وهم الذين جمعوا بين العلم والعمل. وهو حقيقة هذا الدين، الجمع بين العلم والعمل. ونحن ندعو ونكرر: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فالمغضوب عليهم هم الذين سلكوا مسلك اليهود، أعطوا علمًا ولم يعملوا به. والضالون هم الذين سلكوا مسلك النصارى، الذين عملوا بغير علم. ولهذا قال من قال من أهل العلم: من ضل من علمائنا شابه اليهود، ومن ضل من عبادنا شابه النصارى. فالموفق من وفقه الله للجمع بين العلم النافع والعمل الصالح. وهذان الأمران العظيمان من أعظم ما يصلح المرء به نفسه، ويصلح به مجتمعه، ويدعو إلى دين الله عز وجل، وإلى هذه الدعوة المباركة. فإنك إذا وفقت لذلك، وفقك الله لدعوة غيرك. والعلماء العاملون هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمجتمع مع ما فيه من أدواء، وما فيه من فتن ومحن، وما فيه من شبهات وشهوات، يحتاج إلى علماء، وإلى كذلك طلبة علم أقوياء، يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم، بما أعطاهم الله من العلم النافع والعمل الصالح. والعمل الصالح، فبالعلم يردون الشبهة، وبالعمل والإيمان يحمون أنفسهم وغيرهم من الشهوة. وهذا هو المطلوب، وبهذا يتحقق أداء هذا الواجب العظيم في الدعوة إلى هذه الدعوة المباركة، الدعوة السلفية، دعوة أهل السنة والجماعة. ومما نتواصى به في هذا الباب، أن نجتهد على القيام بالعدل الذي أمر الله عز وجل به في الأقوال والأفعال، وفي الظاهر والباطن، وفي العلم والعمل. ليس العدل بالمعايير العاطفية وبالأهواء والشهوات، ولا بالآراء، ولكن بميزان الكتاب والسنة. إن الله يأمر بالعدل والإحسان، هو الوسط الذي أخبر الله عز وجل به في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. وسطية أهل السنة الحقة بين أهل الغلو وبين أهل الجفاء والتفريط، فلا إفراط ولا تفريط. ودين الله بين الغالي فيه والجاف عنه. والله سبحانه يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. وسطية أهل السنة والجماعة، وأتباع السلف الصالح، وسطية مأخوذة من نصوص الكتاب والسنة، ولزوم منهج سلف الأمة. وبهذا وفقوا للدين القويم والصراط المستقيم، في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم، وسائر منهاجهم وطريقهم. فكانوا بهذا هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. وينبغي أن نعلم أن هذا الذي نقوله بألسنتنا، يجب علينا أن نجتهد في تحقيقه بأقوالنا وأفعالنا. وكما قيل: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. فمن الخسارة أن يدعي الإنسان شيئًا ولا يحققه ولا يطبقه بقوله وفعله. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وكما يقال هذا في حق من يدعي الإسلام ولم يطبقه، فكذلك يقال هذا في حق من يدعي السلفية ولا يطبقها. فرب إنسان يدعي إلى السلفية بلسانه، وينفر عنها بجوارحه وبنانه، بما يكون من مواقفه السيئة وسلوكياته الخاطئة، وكذلك تصرفاته الشنيعة التي تصد عن دين الله وتنفر عن دعوة الله. فتكذب تلك الأخلاقيات والسلوكيات انتساب هذا الإنسان للمنهج السلفي. فتكون سببًا في التنفير عن هذا الدين، وهو من الظلم العظيم. فلذلك الله الله أيها الأحبة، أن تؤت هذه الدعوة من قبل أحد أفرادها، بما يكون من خروجه عن هذا الصراط المستقيم، من حيث شعر أو لم يشعر. فنربي أنفسنا ونهذبها على ما أدعينا إليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك أن نحقق الكثير من الأخلاق السامية والمعاني العظيمة التي يدعو إليها ديننا. فمن ذلك التراحم فيما بيننا. وقد قال عليه الصلاة والسلام، كما في السنن، من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». فأهل السنة والجماعة أعلم الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق، مع ثباتهم وكذلك لزومهم للحق. فهم أرحم الناس بالخلق، يحرصون على إيصال هذا الخير للغير بكل معاني المحبة والرحمة، بما يكون به خير سلف، وخير تبع للسلف، وما يكون محل قدوة حسنة، وصورة مشرفة لهذه الدعوة الطيبة المباركة، كما كان علماؤنا وإمتنا، وكما كان عليه سلفنا، وقبل ذلك إمامنا وقدوتنا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك أن نلزم غرز العلماء، لا نسابقهم كما لا نتأخر عنهم. وما أكثر ما يقع من الخلل والخطأ، ومن الفتن والشر في الشبكات والمواقع في النت، فضلًا عن الساحة الدعوية، مسموعة ومقروءة، وغير ذلك، من تطرف المتطرفين، وهكذا انحراف الكثير ممن ينتسب لهذه الدعوة، إما بمسابقتهم للعلماء أو تأخرهم وتخلفهم عما يدعوهم إليه العلماء. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ». فلزوم غرز العلماء يقتضي المتابعة دون مسابقة ولا تأخر، كما أن التأخر مذموم، فالمسابقة أشد ذمًا. والذي يجب أن يكون عليه أهل هذه الدعوة المباركة، لزوم غرز العلماء، بما فيه البركة والسلامة والخير. فهم بما عندهم من السابق والعلم والخبر والرسوخ والدراية والمعرفة، يكونون صمام أمان لهذه الأمة. فالواجب لزوم غرزهم، وعدم مسابقتهم، والتخلف والتأخر عنهم. ومما نتواصى به وبه نختم، أن نجتهد، معاشر المسلمين عمومًا، ويا طلبة العلم خصوصًا، على بذل كل ما يمكن بذله في تبليغ دين الله عز وجل، ولو كان ذلك على حساب النفس أو المال أو غير ذلك. فنحن نعلم كم بذل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في الدعوة إلى هذا الدين، وتأليف الناس له، حتى حرموا أنفسهم الكثير والكثير، وأصابهم الكثير والكثير، لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. ربما تنازلوا عن الشيء الكثير من الدنيا لأجل أن يصل دين الله عز وجل إلى من لم يصل إليه، فتألفوا الناس بالشاة والبعير، وبالدينار والدرهم، وصبروا على الجوع والفقر والفاقة. ولا يخفى علينا ما كان عليه حال نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم. حتى لما وقع ما وقع يوم حنين، ووقع في نفوس بعض الأنصار ما وقع، جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث العظيم، وبين لهم ما ينبغي أن يكون عليه المسلم. فقال تلك المقالة العظيمة: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ؟». «أَتَأْلَفُ بِهَا قُلُوبَ أُنَاسٍ وَتَذَرُ آخَرِينَ لِإِيمَانِهِمْ؟». وهو في تلك الغزوة ترك المهاجرين والأنصار، وتألف أناسًا بأن أعطاهم الكثير، يتألفهم على دين الله سبحانه وتعالى. ثم قال عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث: «النَّاسُ الدِّثَارُ وَالْأَنْصَارُ الشِّعَارُ، لَوْ سَلَكَ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ». فبكى القوم حتى أخضلت لحاهم من البكاء. انظروا ماذا بذلوا لدين الله سبحانه وتعالى. واليوم الكثير منا لا يصبر على كلمة، وينافس لأجل حقارة من حقارات الدنيا، أو غير ذلك، أو غير ذلك، فيكون سببًا في التنفير عن دين الله. نحن مطالبون أن نبذل من أموالنا، وأن نبذل من أوقاتنا وأعمارنا في تحبيب الناس لدين الله سبحانه وتعالى. فكيف ننفر عن دين الله بمشاحة في العفو والتسامح فيما بيننا، وفيما هو أعظم من ذلك؟ فالواجب، معاشر المسلمين، وطلبة العلم خصوصًا، أن نعيد النظر في الكثير مما يدور وما يجري. وأن نحقق ما يجب تحقيقه من العلم النافع والعمل الصالح، لا بما عليه حال الكثير من الناس، ولكن بما كان عليه حال سلفنا وحال أئمتنا. هذه السلفية الحقيقية، وهكذا تكون الدعوة إليها، دعوة شمولية إلى عقيدة صحيحة، وعبادة مستقيمة، ومعاملة صادقة، وأخلاق كاملة، ومنهاج مستقيم. ليست السلفية تنحصر ببعض مسائل العقيدة والانشغال بالردود، ومسابقة العلماء، والخروج عن المعاني العظيمة التي دعينا إليها في دين الله. بل السلفية معنى يشمل كل ما جاء به الله لنبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه السلف الصالح، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك، وغير ذلك من جوانب هذا الدين العظيم. كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في أمور ديننا، وأن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. ونسأل الله لنا ولكم ولجميع المسلمين التوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين. أحسن الله إليكم، وبارك الله فيكم، الشيخ عبد الله، ونفع بكم. وأنتم كذلك، جزاكم الله خيرًا. حبيبكم الله. لو يعني من كلمة، مدة خمس دقائق أو سبع، توثون بها إخواننا في مدينة بنغازي الليبية، التي أصابها الأمس لبعض التجيرات، مع بيان فرمة إيماء المسلمين، لو خمس دقائق أو سبع، حاكمة. اللهم استعنا، نسأل الله عز وجل الكريم، رب العرش العظيم، أن يدفع عن أهل هذه المدينة، وسائر مدن المسلمين، كل سوء ومكروه. وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. هذا قليل من كثير مما يدلنا على حاجة المجتمع إلى تبيين الدعوة السلفية الحقة، ليست دعوة أهل التكفير والتفجير، ودعوة أهل الفتن والخروج، ودعوة الانحراف العقدي والعملي عن منهج السلف الصالح. ثم بعد ذلك ينسب مثل هذا ظلمًا وجورًا، وبأغراض وأعراض من بعض أهل السوء والشر والفساد للسلفية، والسلفية من هذا براء. هذا يدعونا أيها الأحبة أن نجد ونجتهد في توضيح هذه الدعوة المباركة، بشيء من الرفق والحكمة والعلم والرحمة، بما يكون به أولًا هداية الكثيرين من أهل الغلو والانحراف، وهكذا كذلك حماية المجتمع من مثل هذا الشر. كما ننصح أنفسنا، ومن يبلغه مثل هذه الكلمة، أن يعيد النظر الكثير من المسلمين في التفريق العملي الصحيح بين الدعوات الإسلامية في الساحة، حتى يفرقوا بين الصديق من العدو، وبين من ينفع المجتمع ممن يضر. وعند ذلك يجنب أهل الس