الدرس في كيف نستقبل رمضان ؟، وكانت بمنطقة تحت الطريق الجمعة 25 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شهر رمضان هو شهر عظيم للطاعات والخيرات، تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران. من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.
ينبغي على المسلم استغلال رمضان في الطاعات، وتجنب اللهو واللعب، والعزم على التوبة الصادقة وترك الذنوب. يجب الاجتهاد في فعل الطاعات مثل الصيام والقيام وتلاوة القرآن.
يجب الصيام على المسلمين البالغين العاقلين، ويشدد على أهمية الصلاة. يجب تعليم الأطفال الصيام والصلاة منذ سن مبكرة، كما أن هناك أحكام خاصة لمن فقد عقله.
من ذهب عقله بالكلية رفع عنه التكليف، ومن كان يأتي عقله ويذهب يحتسب له في أيام إدراكه أو يطعم عن كل يوم مسكين إذا تخلل عدم الإدراك ثنايا اليوم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله أن نكون ونضل، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، هذه مقدمة يسيرة بين يدي محاضرة شيخنا أبي عبد الرحمن حفظه الله. فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر وأعان في هذا اللقاء المبارك، وهذا المجلس الطيب في هذه القرية الطيبة، إن شاء الله نتذاكر فيها كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونتفقه فيها بما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وكذلك ننتفع بهذه المجالس الطيبة بما نتقرب به إلى الله عز وجل من الأعمال الصالحة والقربات النافعة التي ينتفع بها المرء في الدنيا والآخرة. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده فقد جعل لهم من مواسم الطاعات والخيرات ما يكون زادًا لهم يتزودون به، في الدنيا التي هي دار ممر، لما فيها من أعمال صالحة يتقربون بها إلى الله عز وجل، تكون زادًا لهم يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. جعل الله جل وعلا مواسم هي مواسم للطاعات ومواسم للخيرات، تضاعف فيها الدرجات وتكفر فيها الخطايا والسيئات، مواسم تكون فيها رحمة الله سبحانه وتعالى العظيمة التي تكون في مثل هذه المواسم أعظم من غيرها، مما يكون فيه ترغيبًا للعباد أن يقبلوا على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن يقبلوا على ربهم عز وجل بالتوبة والإنابة والإقبال على الطاعة. ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك، هذا الشهر العظيم الذي جعل الله عز وجل فيه من الخيرات، وجعل فيه من المركة ما ليس في غيره من الشهور، فهو موسم عظيم من مواسم الطاعات، ومن مواسم الخيرات، وقد امتاز بما خصه الله عز وجل به من فضائل عظيمة. ومن ذلك أن هذا الشهر العظيم شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: تفتح فيه أبواب الجنان، والجنة هي ثواب الذي يثيب الله عز وجل به أهل الإيمان وأهل الطاعات. فمن أراد الجنة فعليه أن يتزود من الطاعات، ومن ذلك استغلال هذا الشهر العظيم، وكذلك تغلق أبواب النيران التي هي موضع وجزاء من أراد الله عز وجل عقابه من الكافرين ومن المجرمين والمذنبين، فتغلق أبواب النيران في شهر رمضان، ومعنى ذلك أنه ينبغي أن يقبل العبد على طاعة ربه سبحانه وتعالى، فأبواب الرحمة مفتوحة، وأبواب العذاب مغلقة. وجاء في خارج الصحيح: وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، أي من يريد الخير أقبل على طاعة الله، أقبل على فعل الأعمال الصالحة، أقبل على الصلاة وعلى تلاوة القرآن، وعلى الصدقة إلى آخر ذلك من أبواب الخير، ويا من يريد الشر أقصر، أي انتهِ عن فعل السيئات وعن فعل الشرور والآثام. ولذلك جعل الله عز وجل من رحمته بعباده أن تصفد الشياطين في هذا الشهر، وتغل بالسلاسل، وذلك حتى لا تغوي العباد ولا تغويهم، وكما جاء في بعض الأحاديث أنها تصفد مردة الشياطين، وهذا كما قلنا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد. ولهذا يجد الإنسان إقبال الناس في هذا الشهر ما لا يراه في غيره من الشهور، وفي غيره من شهور السنة، فيرى إقبالًا عظيمًا على الطاعة وعلى فعل الخيرات. وكذلك فإن هذا الشهر عباد الله كذلك موسم عظيم لمغفرة الذنوب والخطايا. وما من عبد إلا وهو معرض للذنوب، ومعرض لفعل الخطايا والسيئات، فهو بحاجة عظيمة إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى، وإلى رحمة الله عز وجل له، ومن ذلك ما يكون في مثل هذا الموسم العظيم الذي إذا أقبل فيه العبد على ربه عز وجل تائبًا ومنيبًا ونادمًا عما حصل منه من ذنب، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له سبحانه وتعالى. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. وجاء كذلك في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن نبي الله عليه الصلاة والسلام قال: «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يغفر له». أي وضع أنفه في التراب، وأرغم أنفه في التراب، إذ أنه أدرك هذا الشهر العظيم الذي هو شهر المغفرة والرحمة، ثم خرج من هذا الشهر ولم يغفر له، وذلك لأنه قصر في استغلال هذا الشهر، وقصر في إعماره بما يكون سببًا في مغفرة ذنوبه وخطاياه وسيئاته. هذا الشهر عباد الله شهر يعتق الله عز وجل فيه عباده من النار، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الترغيب والترهيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لله عز وجل في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار يعتقهم الله عز وجل من النار». وهكذا كذلك أيضًا هذا الشهر العظيم عباد الله خصه الله عز وجل وفضله بليلة هي خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر﴾. ليلة عظيمة خصها الله عز وجل بهذا الفضل العظيم، تنزل فيها الملائكة، والملائكة لا تنزل إلا في أمر عظيم، ونزولها يدل على عظم هذه الليلة، وهكذا كذلك العبادة فيها خير من ألف شهر، أي خير من العبادة في ألف شهر، وهو ما يقارب ثلاثًا وثمانين سنة، عبادة في ليلة واحدة تدرك بها فضل عبادة ثلاث وثمانين سنة. فينبغي على المسلم أن يتأمل هذا الفضل العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر العظيم. وكذلك هذا الشهر العظيم الذي تضاعف فيه الأجور والحسنات، ومن ذلك قيام لياليه، فقد خص هذا الشهر باستحباب القيام فيه جماعة، بما لا يكون في غيره من الشهور. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وهكذا فضائل كثيرة وعظيمة ينبغي للمسلم أن يتأمل مثل هذه الفضائل والأجور التي خص بها هذا الشهر العظيم، فتكون عنده الهمة العالية، وعنده النية الصادقة في استغلال هذا الشهر بما يكون فيه مغفرة ذنوبه ورفع درجاته. بأن يعزم على قيام لياليه واستغلال نهاره بما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. ليس هذا الشهر عباد الله شهر المأكولات والمشروبات والتفنن في صنع ألذ المطاعم كما يجعله بعض الناس شهرًا لذلك، فيستقبل رمضان بشراء ما لذ وطاب من المآكل، ومن المشارب، فيجعل هذا الشهر شهرًا للأكل والتفنن فيه والتصنع لأنواع الطعام والمأكولات، فيخرج من هذا الشهر ولم يستفد منه شيئًا، فهذا لم يصب في ذلك. وهكذا أيضًا ليس هذا الشهر شهرًا للعب واللهو، فبعض الناس يستقبل هذا الشهر بإحياء لياليه باللعب، إما بلعب الضمنة أو الورق أو الكيرم أو بلعب الكرة أو غير ذلك من اللهو واللعب الذي لا فائدة فيه، فيضيع هذه الأوقات الثمينة العظيمة بما لا ينتفع به. أو كذلك يحيي لياليه بالسمر تحت شاشات التلفاز، والنظر في الأفلام والمسلسلات، وما يبث في رمضان من مسابقات أو غير ذلك، فتجده ينتظر رمضان حتى يحيي لياليه بمثل هذه الأشياء التي تضره ولا تنفعه. بل ينبغي أن يجعل كما قلنا في قلبك النية الصادقة على استغلال هذا الشهر بقيام لياليه، وحيائها بطاعة الله سبحانه وتعالى، والانتفاع بنهاره بالصلاة وتلاوة القرآن، والإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى. وبعض الناس كذلك يجعل هذا الشهر شهر النوم، فتجده في النهار نائمًا، وربما ضيع الصلوات، فلم يصل الظهر وينام حتى العصر، وربما ضيع صلاة الفجر، يبقى طول الليل في سهر، فلا يصلي الصبح، وهكذا يضيع عليه هذه الأوقات، وهو يرتكب أعظم المحرمات، ويترك الصلاة التي يعد تركها كفرًا، فهذا محروم. فينبغي للمسلم أن تكون عنده نية صادقة في الإقبال على الله عز وجل، ومن ذلك التوبة، إن كان عنده تقصير في فعل الواجبات، فإنه يعزم على أن يلزم نفسه بالقيام بها، ويصدق في التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك إذا كان عنده كذلك تقصير في فعل السيئات، فإنه يعزم على تركها واجتنابها، ويقبل على الله عز وجل بتوبة صادقة. ليس التوبة مؤقتة، يقول إذا جاء رمضان سأتوب حتى ينتهي رمضان، ثم إذا انتهى رجعت إلى ما كنت عليه، فهذا لا تنفع هذه التوبة، فهذا تلاعب ليس بتوبة صادقة، وإنما التوبة التي ينتفع بها العبد إذا عزم أن لا يعود إلى الذنب، وأن يقلع عنه، وهكذا يندم على فعل ما حصل منه، فهذه هي التوبة التي يقبلها الله عز وجل، ويكفر بها الله عز وجل سيئاته. ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا﴾، توبة صادقة، فهذه التي ينتفع بها العبد في الدنيا والآخرة. فأصلح الله سبحانه وتعالى أي وفقنا وإياكم لطاعته، إن ولي ذلك والقادر عليه، صلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين. وتفضل الشيخ بالدعاء، الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل الذي يسر لنا زيارة إخواننا في هذه البلدة الطيبة المباركة، ونشكر لإخواننا حسن ظنهم بإخوانهم وحرصهم على دعوتهم، وهذا من حقوق الإخوة، وحقوق أهل الإسلام بعضهم على بعض التزاور في ذات الله، وابتغاء مرضاة الله، والتعاون على البر والتقوى. وكذلك إحياء بيوت الله جل وعلا بمذاكرة العلم، فإن ذلك من أعظم ما يتهادى به أهل الإسلام، ويتعاون فيه أهل الإيمان. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتحابين فيه، المتعاونين فيما يقرب إلى الله جل وعلا ومرضاته. ونشكر أخانا الأستاذ الفاضل محمد عيض حفظه الله على جهوده العامة والخاصة في هذه البلاد الطيبة المباركة، وكل من كان معه من الأساتذة والإخوة والآباء والأبناء، فإن آثار الخير في هذه البلدة الطيبة، ومظاهرها التي نُغبط برؤيتها تدل على هذه الجهود الطيبة المباركة. كما نشكرهم كذلك على استضافة إخوانهم في هذا المسجد المبارك، وهذه البلدة الطيبة، فنسأل الله عز وجل أن يجزل لهم المثوبة، وأن يجعل لهم ولإخوانهم ولكل من ساهم في هذا الخير عظيم الثواب، وكثير الحسنات. أسأل الله جل وعلا أن لا يحرمنا من عظيم فضله. عباد الله، سمعتم في كلمة أخينا الفاضل أبي يوسف حفظه الله تعالى هذه النصائح الطيبة، وهذه المذكرات النافعة في هذا الموسم العظيم الذي أقبل علينا، وهو موسم شهر رمضان المبارك، الذي هو كما سمعتم فرصة عظيمة يسرها ربنا جل وعلا لعباده بعظيم حكمته، وواسع فضله ورحمته. لعلمه بافتقار عباده إلى مثل هذه المواسم الطيبة العظيمة، فتفضل عليهم سبحانه وتعالى بها، وجعل فيها من أسباب رفع الدرجات وتكفير السيئات الشيء الكثير. ولهذا عباد الله ينبغي أن يستغل المسلم هذا الموسم العظيم بما ينفعه، وما يقربه إلى الله جل وعلا. ومن ذلك أن يتفقه في دين الله عز وجل، وأن يتعلم ما يحتاجه فيما يقوم بعبادة ربه جل وعلا في هذا الشهر الكريم، وما يكون به إحسان العبادات والطاعات، وإتقانها على الوجه الذي يحب ربنا سبحانه وتعالى ويرضى. وفي هذا كذلك عباد الله درس عظيم لنا بقصر هذه الدنيا، فأنتم ترون كيف تتوالى وتتتابع علينا الأيام والأسابيع والشهور والأعوام، حتى كأنه لم يمر علينا إلا أيام يسيرة، إلا ونحن ندخل في شهر رمضان مرة أخرى. ومع ذلك لو تأملنا فيما مضى من أيامنا الخالية، فكم افتقدنا من حبيب، وكم توفي لنا من قريب، وصار هم مرتهنون بأعمالهم، يرجون أن يرجعوا إلى دار العمل ودار الاستزادة، ولكن كل امرئ بما كسب رهين. وها نحن في دار الإمكان، وقد يسر الله عز وجل لنا هذه النعم الدينية، وهذه الفرص العظيمة، فينبغي علينا أن نجتهد عباد الله في هذا الموسم العظيم بما يكون به الخير لنا في الدنيا وفي الآخرة، وهي أيام معدودات قليلات، لكن فيها من الأجر العظيم والثواب الكبير، وما يكون به من التكفير للذنوب والخطيئات الشيء الكثير. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد سمعتم كيف أن الكثير من الناس إلا من رحم الله في غفلة عن هذه الأجور العظيمة التي استودعها الله في هذا الشهر الكريم، فإن الله عز وجل جعل هذا الشهر شهر القرآن، شهر الصيام، شهر القيام، شهر الصدقة، شهر البذل والإحسان، شهر والاجتهاد في سائر أبواب الخير والجود. ففي الصحيح، صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». فكان نبينا عليه الصلاة والسلام الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان عليه الصلاة والسلام مجتهدًا في عبادة ربه جل وعلا وطاعته في رمضان وفي غير رمضان، ولكن إذا جاء رمضان عظم وكبر وكثر اجتهاده عليه الصلاة والسلام. فأما الصيام فهو الذي كان يصوم عليه الصلاة والسلام حتى يقولون لا يفطر، كما كان يفطر إذا اقتضت الحاجة حتى يقولون لا يصوم، فإذا جاء رمضان صام هذا الشهر وأحسن صيامه، وتعبد ربه جل وعلا بأحسن العبادة. وكان عليه الصلاة والسلام يقوم في غير رمضان حتى كانت عائشة رضي الله عنها تشفق عليه من شدة قيامه، وكذلك اجتهاده في عبادة ربه. ففي صحيح مسلم أنه كان يقوم حتى تتفطر قدماه، وفي رواية حتى تتشقق قدماه، وفي رواية عند النسائي بإسناد صحيح حتى تدمي قدماه. فتقول له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، تفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يجتهد في القرآن، وفي تلاوته وتعليمه، فإذا جاء رمضان أرسل الله عز وجل جبريل يدارسه القرآن. وهذا يدلنا على أن المسلم، ونحن أحوج بهذا من نبينا عليه الصلاة والسلام الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، نحن أحوج بهذا، فيدل ذلك أن المسلم ينبغي عليه في هذا الشهر أن يجتهد في إعماره بالاجتهاد في قراءة القرآن وتلاوته. كان بعض السلف إذا أقبل رمضان، ومنهم من كان يعلم الناس العلم والخير وهو من الدين ومن العلم، ومع ذلك إذا جاء شهر رمضان توقف عن التدريس والتحديث، وقال: هذا شهر القرآن، كما روي ذلك عن الإمام الزهري رحمه الله، ونحوه عن الإمام مالك رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. ولا إمام كان قتادة رحمه الله يختم القرآن في سبعة أيام، فإذا جاء رمضان ختمه في ثلاثة أيام، لشدة حرصه على الخير في هذا الشهر الكريم. فهل سألت نفسك أخي المسلم، هل عزمت في هذا الشهر الكريم على الاجتهاد في كتاب الله عز وجل بتلاوته وتدبره وقراءته؟ هل عزمت على أن تحرص أن تحيي صيامك بأصناف الطاعات والعبادات من الإقبال إلى بيوت الله، ومن تجديد التوبة والإنابة إلى الله، ومن القيام بفرائض الله، والاجتهاد في أنواع النوافل والسنن طلبًا لمرضاة الله جل وعلا؟ هل عزمت على الاجتهاد في إحياء هذا الليل من ليالي رمضان بالقيام والصلاة؟ هل عزمت على صدقات تتصدق بها، وأنت تعرف أن الصحابة تصدقوا رضي الله عنهم، وهم في فاقة وفي فقر وفي شدة، لكنهم كانوا يطمعون بعظيم فضل الله، يتصدقون باليسير. وكما قيل: فقير يتصدق على أفقر منه، كل ذلك ابتغاء ما عند الله من واسع فضله وعطائه. فكذلك في مثل هذا فليتنافس المتنافسون، فلنشمر أن نجتهد في هذا الشهر الكريم على الاجتهاد في أنواع الطاعات والقربات، بما يكون لنا ذخرًا عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله ينبغي أن نعلم أننا بين يدي هذا الشهر نحتاج أن نتعلم بعض الأحكام التي لا ينبغي لمسلم أن يجهلها، بل ومن علمها ينبغي له أن يجتهد في مذاكرتها؛ لأنه سيحتاج إليها، وسيجد في مجتمعه من يحتاج إليها. فعند ذلك سيحتاج أن يذكره ويعلمه إن علم، وإن كان قد علم ونسي أن يتذكر ما كان قد علم، أو جهل أن يتعلم ما لم يعلم. فإن الصيام عباد الله شرعه ربنا سبحانه وتعالى لحكم عظيمة، ومن أعظم هذه الحكم حصول التقوى لهذا الإنسان بتزكية نفسه في باطنه، وهكذا كذلك في أعماله. والله سبحانه وتعالى غني عن جوعنا وعن عطشنا، فلهذا قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فالمقصود من هذه الفريضة هو حصول التقوى في قلب هذا الإنسان، مع مصالح أخرى كثيرة تترتب على القيام بهذه العبادة والفريضة، وما يلحق بها من طاعات يوفق لها الصائم في هذا الشهر الكريم. ومن هذه الحكم أنها سبب لكسر شهوة الإنسان، وتحكم الإنسان بنفسه الأمارة بالسوء التي تطيش بجهلها، وبالسوء الذي يدفعها الشيطان إليه، فيكون بذلك قاهرًا لسلطان الشهوة، فالذي استطاع أن يقهر شهوة الطعام والشراب والنساء مع استطاعته وقربه، فإنه من باب أولى أن يستطيع أن يقهر ما هو أعظم من ذلك من باب الذنوب والمعاصي. ولهذا فإنك تجد في المسلم من قوة العزيمة ومن الصبر ما لا تجده في الكافر والفاجر. ولهذا كان من حكمها كذلك تقوية عزائم أهل هذا الدين، ومن حكمها تربيتهم على الصبر، ومن حكمها كذلك تربيتهم على الصدق والأمانة والمراقبة. وأنت تلتمس ذلك إذا علمت أبناءك الصيام، فإنك تلتمس فيهم هذا الخلق النبيل. وهكذا من حكمها أنه يذكر العبد بنعم الله الذي قد أغدق بها، وربما غفل عنها ونسي عنها. ومن حكمها أنه يذكره بالجوع الذي يذكره بحال الفقراء والمساكين، فيكون سببًا لرحمتهم والعطف عليهم والإحسان إليهم. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في رمضان، فهو أجود الناس في سائر الشهور، فإذا كان في رمضان كان أجود الناس، كان جوده كالريح المرسلة، كما تقدم في حديث ابن عباس. وبعض الناس فهم هذا الحديث خطأ، صار لا يعرف الجود إلا في رمضان، وفي غير رمضان يغلق باب الجود بالمرة. ولم يكن هذا هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، بل كان أجود الناس، ولكن إذا جاء رمضان ازداد جوده عليه الصلاة والسلام حتى كان كالريح المرسلة في شدة عطائه وبذله وإحسانه، وكثرة تفضله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من حكمها أنه كما فيه هذه المصالح، فيه مصالح أخرى كثيرة ينتفع بها العبد يوم القيامة، وفي دينه. فهو سبب لدخول الجنة، وسبب للاستزادة من الحسنات. ففي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري ومسلم يقول النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ضعاف كثيرة». ومعناه أن الصوم أكثر من ذلك، ولكن أخفى الله عز وجل الثواب لعظمه. وهكذا كذلك ينال المسلم به من الفضائل الأخرى ما يكون سببًا لكرامته يوم القيامة، ففي الجنة باب يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون. وهكذا كذلك في الجنة غرف لا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. فقالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وأكثر الصيام وصلى بالليل والناس نيام». فانظروا إلى هذه الفضائل وغيرها كثير. وهكذا من حكمها كما أنه سبب لصلاح القلوب والأعمال، فهو كذلك السبب لصلاح الأجساد، ففيه صحة هذه الأبدان. فمن حكمة الله عز وجل شرع لعباده الصيام الذي يكون به صحة هذه الأبدان، فإنه يحصل في الصيام تنقية للفضلات والسموم التي تتراكم على الأجساد بتراكم الطعام والشراب، وفي الصيام كذلك مصالح كثيرة لمواضع كثيرة في جسد هذا الإنسان، يكون بها سلامته واستقامته. فحاصل عباد الله إن الله الحكيم العليم شرع لنا هذه العبادة العظيمة والفريضة الجليلة لعلمه أن لنا فيها الخير في الدنيا والآخرة. ومما ينبغي أن نتعلمه أن الله فرض الصيام على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم صحيح خالي من الموانع. فرضه على المسلمين، ولا يقبل إلا من المسلمين، والمسلم الذي أقام أركان الإيمان والإسلام. فمن أتى بشيء من نواقض الإيمان والإسلام فإنه لا تقبل منه هذه الفريضة. ومن ذلك ما يفعله بعض الجهال الذين يحرصون على الصيام في هذا الشهر، ثم هم يضيعون الصلاة أو لا يصلون بالمرة. وجهلوا أن من أعظم مباني الإسلام الصلاة، فإن كان الصيام ركنًا من أركان الإسلام، فالصلاة ركن آخر، بل هو أعظم الأركان العملية بعد الشهادتين. بل صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يصل فلا دين له ولا إسلام له. ففي السنن عند أبي داود وأحمد بإسناد صحيح من حديث عند الله بن بريدة عن أبيه أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». وهكذا كذلك صح من حديث عبد الله بن شقيق أنه قال: «لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركوا كفر إلا الصلاة». ونتعجب من حال بعض الناس في هذا الشهر، يحرص على الصيام، وهو تارك للصلاة، فكأن لسان حاله يقول: أصوم لأن الناس صائمون، أصوم لأن الناس صائمون، ولولا أن يؤثر عني نقص لما صمت مع الصائمين. وهكذا كذلك نتأسف لآخرين يطوون هذا الصيام نهاره بالنوم، وليله بالغفلة، حتى ربما يصل الأمر ببعضهم أن يصل الظهر مع العصر لطول نومه من بعد صلاة الفجر، كيف يجتمع من يريد ما عند الله والثواب والفضل مع من يضيع فريضة من أعظم الفرائض، وركنًا من أعظم وأكبر الأركان ألا وهو الصلاة؟ وهكذا كذلك يخطئ بعض الناس بحرصهم على الصيام وسننه، وتضييعهم لبعض فرائض الصلاة، فربما بعضهم لا يعرف صلاة الجماعة في المساجد إلا في صلاة الفجر والمغرب، فإذا فتشت عن الناس وجدتهم في صلاة الفجر والمغرب ما شاء الله في بيوت الله. وأما صلاة العشاء أو صلاة الظهر والعصر، كأن المدينة أو القرية ليس فيها أحد يأتي فيملأ بيوت الله كما ملئت في الفجر والمغرب، وهذا حال الكثير في مدن كثيرة وقرى كثيرة إلا من رحم الله، مع أن الله فرض صلاة الجماعة على الذكور أن يصلوها في بيوت الله حيث ينادى بها. فأنت تسمع أخي المسلم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهو نداء لك أن تصلي في بيوت الله. سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: سأله أعمى ليس له قائد يقوده إلى المسجد، قال: يا رسول الله، إني رجل أعمى وليس لي من يقودني إلى المسجد، هل لي من رخصة؟ أي أنا أتخلف عن الجماعة؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». ثم قال له: «أتسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «لا أجد لك رخصة». فكل من سمع النداء فليس له رخصة. أما إنسان بعيد لا يوجد بالقرب منه مسجد، فهو معذور ما دام لا يسمع النداء. وأما من يسمع النداء فليس له رخصة. لم يرخص النبي عليه الصلاة والسلام لأعمى، فكيف بمن هو صحيح؟! وقد صح أنه هم أن يقدم رجلًا فيصلي بالناس، ويذهب لأناس يتخلفون عن صلاة الجماعة، فيحرق عليهم بيوتهم عليه الصلاة والسلام. فصلاة الجماعة من الفرائض التي فرضت على ذكور المسلمين. وهكذا كذلك من الأحكام أن الله فرضها على كل مسلم بالغ، فإذا كان المسلم بالغًا وجب عليه أن يؤدي هذه الفريضة. وهنا لفتة لأولياء الأمور من الآباء والأمهات مع أبنائهم وبناتهم، فإن الكثير من الناس يجهل سن البلوغ، ويظن أن البلوغ ينحصر بعلامة واحدة، مع أن العلماء بينوا أن البلوغ يكون بأكثر من علامة كما دلت عليه الأدلة مما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فالبلوغ عند الرجال أو الذكور يكون بأحد ثلاث علامات: يكون ببلوغ سن خمسة عشر، ويكون كذلك بإنزال ماء الرجل الذي يعرفه الرجال، ويكون كذلك بإنبات شعر العانة، الشعر الخشن. وتزيد المرأة على هذا بواحد رابع وهو نزول الدم الذي تعرفه المرأة. فإذا وجد واحد من ثلاثة في حق الذكر، أو واحد من أربعة في حق الأنثى، فإنه حصل بذلك البلوغ، ووجب عليه ما يجب على الكبار. فما يظنه بعض الناس خطأ فيتسامحون ويتساهلون في إلزام بعض أبنائهم وبناتهم بفريضة الصيام هذا من الخطأ. بل كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصون على تعليم أبنائهم الصغار الصيام، حتى لا يصلوا إلى سن البلوغ إلا وهم قد تعودوا الصيام وأطاقوه. وروى الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح بابًا فقال: «باب صيام الصبيان»، ثم ذكر حديث الربيع بنت معوذ أنها ذكرت أنهم كانوا يعلمون صبيانهم الصيام. فربما بكى الصبي فأعطوه اللعبة من العهن حتى يصبروه. وما ذلك إلا من حرصهم على إدخال الخير على أبنائهم. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام في السنن من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». قال العلماء في هذا دليل على أن الصغار يعلمون شرائع الإسلام من سن سبع سنوات، ويلزمون بها من سن عشر سنوات. وهذا كما يجري في الصلاة فهو كذلك يجري في الصيام. ومن هذه الأحكام أن هذه الفريضة فرضت على المسلمين البالغ العاقل، فمن لم يكن عاقلًا فإنه لا تفرض عليه هذه الفريضة. وقد رفع عنه القلم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: ذكر الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق». وهنا يرد سؤال يسأله بعض الناس، وهو أن بعض الآباء والأمهات الذين بلغ بهم السن مبلغًا ربما يحصل لهم من فقدان الذاكرة وذهاب العقل ما يكون معه عدم إحسان بعض العبادات والطاعات. فيسألون: هل هؤلاء يطعم عنهم في أيام الصيام؟ أم أنه لا صيام عليهم؟ والصحيح في هذا التفصيل: فمن ذهب عقله بالكلية فإنه رفع عنه القلم والتكليف، فلا يؤمر بشيء من فرائض الإسلام، وقد عفى الله عز وجل عنه بعظيم حمته ورحمته جل وعلا. وأما من كان يأتي عقله ويذهب، فأحيانًا يكون عنده من الإدراك ما يميز الصلاة من الأخرى، فيعرف أن الآن وقت الظهر، وهذا وقت العصر، وهذا وقت المغرب، وهذا وقت العشاء، وأن المغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا، والفجر ركعتين. وأحيانًا لا يدرك شيئًا، فإن كان هذا في أيام دون أيام، فيحتسب له في أيامه التي يدرك فيها، وما لا يدرك فيها فهو عفو. وإن كان في ثنايا اليوم، فإنه يحتاط له فيطعم له عن كل يوم مسكين