الدرس في الغفلة أسبابها وعلاجها، محاضرة في منطقة تبالة بعنوان الغفلة أسبابها وعلاجها 9 جمادى الآخر 1429هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الغفلة هي الانشغال عن الشيء الذي حقه أن ينشغل به، وتؤدي إلى البعد عن طاعة الله وتسلط الشيطان وموت القلب. الغفلة تشمل ترك العبادة والطاعة وعدم استغلال الحياة في طاعة الله.
الغفلة تنتج عن الانهماك في الدنيا وطول الأمل والجهل بحقيقة الموت وعدم التفكير في الآخرة. هذه الأسباب تؤدي إلى ضياع العمر في غير طاعة الله والابتعاد عن ذكر الله.
يجب استغلال الحياة في طاعة الله قبل فوات الأوان، ومحاسبة النفس في الدنيا لتخفيف العذاب في الآخرة. يجب عدم الاغترار بطول الأمل ولا يأمن مكر الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر وآعان ووفق لهذا المجلس المبارك في بيت من بيوت الله جل وعلا، ندل كتاب الله ونسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس تنزل عليه السكينة وتحفه الملائكة، ويذكر الله جل وعلا من حضر في هذا المجلس عنده. وهذه نعمة عظيمة قد حرمها من حرم ممن لم يوفق لهذا الخير العظيم. وقد علمتم أن موضوع هذه المحاضرة هو الغفلة، أسبابها وعلاجها. والغفلة في اللغة هو ترك الشيء سهوا. قال ابن فارس: «الغين والفاء واللام أصل في الدلالة على ترك الشيء سهوا». وفي الاصطلاح عرفت بتعاريف كثيرة، ومنها ما قال المناوي رحمه الله: «هي الانشغال عن الشيء مما حقه أن ينشغل به». فالغفلة حذرنا الله سبحانه وتعالى منها. حذرنا ربنا جل وعلا أن نكون من الغافلين. فقال سبحانه مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. لا تكن من الغافلين الذين يغفلون عن ذكر الله سبحانه وتعالى. وذكر الله جل وعلا يشمل كل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، سواء كان بالقول أو كان بالجوارح. فكل ما أمر الله سبحانه وتعالى به فهو من ذكره الذي ينبغي أن يقوم به الإنسان. وأعظم ما أمر الله سبحانه وتعالى به عبادته وطاعته، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فإن كثيرا من الناس في غفلة عن عبادة الله سبحانه وتعالى وعن الحكمة التي لأجلها خلقوا. فربما صرفوا العبادة لغير الله، فذاك يعبد شمسا، وذاك يعبد قمرا، وذاك يعبد شجرا، وذاك يعبد حجرا، وذاك يعبد ملكا، وذاك يعبد نبيا، وذاك يعبد قبرا. وهكذا صرفت العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، وغفل عما لأجله خلقه الله عز وجل. وهكذا لا تكن من الغافلين عن طاعة الله سبحانه وتعالى وإقامة الصلاة التي أمرك الله عز وجل بها. فكم من الناس من ربما يضيع هذه الصلوات التي فرضها الله سبحانه وتعالى، ربما لا يصليها إلا منفردا، وربما لا يصليها إلا بعد ذهاب وقتها، وربما تركها بالكلية ولم يؤديها. وهذه غفلة عظيمة عما أمر الله عز وجل به. وهكذا في سائر الطاعات، في سائر الأوامر التي أمر الله سبحانه وتعالى بها. فكم وكم تجد من الناس في غفلة عظيم عنها. وهكذا كذلك في غفلة عما لأجله خلقهم الله جل وعلا في هذه الدنيا، من استغلال هذه الحياة في طاعة الله جل وعلا وما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك من الاستعداد ليوم القيامة التي هي دار القرار، وهي الدار الحقيقية المستمرة التي لا تفنى ولا تزول، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. فلهذا، عباد الله، حذرنا الله سبحانه وتعالى أن نكون من الغافلين. فإن الغافل عن ذكر الله عز وجل فإنه يكون بعيدا عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وربما تصلت عليه الشيطان، فصار قائده وقرينه هو الشيطان اللعين. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. هكذا أخبر الله جل وعلا أن من جعل في عينه غشاوة ومانعا من قبول الحق ومن القيام بذكره سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا يقيض له شيطانا يجعل قرينه وصاحبه وصديقه شيطانا، فهو يتبعه ويسير على ما أراد واشتهاه. فمن كان قرينه الشيطان وصاحبه الشيطان، فما تظنون، عباد الله، أن يكون حاله؟ فإنه يكون في غفلة عظيمة. ولهذا ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام تسلط الشيطان على الإنسان إذا نسي ذكر الله عز وجل في جميع حياته، في ماكله وفي مشربه، وفي كذلك دخوله وخروجه، بل حتى في اتيانه لأهله. جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أو حديث جابر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: لا مبيت لكم. وإذا ذكر الله عند طعامه، قال: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل منزله فلم يذكر اسم الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم البيت. وإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء». انظروا، عباد الله، إلى تسلط الشيطان على الإنسان إذا كان غافلا عن ذكر الله عز وجل. يدخل بيته ولا يذكر الله، فيأتي الشيطان ويجد له مأوى. وإذا جاء إلى الطعام أكل ولم يذكر اسم الله، فيجد الشيطان له الطعام. وهكذا كذلك إذا أراد أن يأتي أهله، فقد جاء بالصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أن أحدكم أراد أن يأتي أهله، فقال عند ذلك: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر لهما ولد لم يضره الشيطان أبدا». لم يضره الشيطان، أي لم يسلط عليه، إذا ذكر الله سبحانه وتعالى. وإذا لم يذكر اسم الله عز وجل، فإن الشيطان يسلط على هذا الولد، فيكون في بعد عن طاعة الله سبحانه وتعالى، بسبب غفلته عن ذكر الله عز وجل. وهكذا في سائر أموره، إذا كان ناسيا وغافلا عن ذكر الله جل وعلا، تصلط عليه الشيطان. وهكذا كذلك ما يكون في الغفلة من موت القلب. فإن الغافل عن ذكر الله جل وعلا قلبه ميت. فإن هذا القلب إنما يحيى بالذكر، يحيى بذكر الله سبحانه وتعالى. فإذا كان غافلا عن ذكر الله في لهو ولعب، فإن قلبه يموت. فلا يتعظ ولا يعتبر، ولا كذلك يفقه. وحاله كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فالغافل يطبع على قلبه، فلا يفقه شيئا. لماذا؟ لأن قلبه ميت بسبب غفلته. وهكذا لا يبصر، أي لا يبصر الحق، ولا يرى الحق، لأن في بصره غشاوة بسبب غفلته وبعده عن الله سبحانه وتعالى. وإن كان يبصر حقيقة وحسا، لكن بصره بعيد عن النظر إلى الحق، لأنه صرف في المعاصي والذنوب. ربما ينظر ويرى، ولكن لا ينتفع بهذا النظر. كحال كثير من الناس، من عنده بصر ربما كان بصره قويا، ولكن سخر هذا البصر في معصية الله سبحانه وتعالى. يقذف نظره في شاشات التلفاز، وكذلك في القنوات الفضائية، وينظر فيما اشتهت نفسه ولذت عينه مما حرم الله سبحانه وتعالى. فهو ينظر ببصره، وإن كان في حقيقة الأمر هو أعمى بسبب غفلته. وهكذا من يسمع، عنده سمع وسمعه قوي، لكن سخر هذا السمع في معصية الله سبحانه وتعالى. يسمع الأغاني وما حرم الله عز وجل. وهو في حقيقة الأمر لا يسمع، لأنه في غفلة عن طاعة الله جل وعلا. فلم ينتفع بقلبه، ولم ينتفع ببصره، وهكذا أيضا لم ينتفع بسمعه. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». الذي يذكر الله سبحانه وتعالى حي قلبه، حي وجوارحه حية، لأن القلب إذا صار حيا فإن الجوارح تحيا، وإذا مات القلب ماتت الجوارح. كم من ناس ربما تراهم أحياء في هذه الدنيا، وهم أموات، وهم أموات في الحقيقة، بسبب غفلتهم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وعما خلقوا لأجله في هذه الدنيا. فالواجب على المسلم أن يحذر أن يحذر من الغفلة عما لأجله خلقه الله سبحانه وتعالى. ولكن كما قلنا، هذا حال كثير من الناس، في غفلة عظيمة، لربما لا ينتبه لها إلا بعد فوات الأوان. ولهذه الغفلة أسباب، ومن أسباب الغفلة: الانهماك في الدنيا، الركون إلى هذه الحياة الفانية، وهذه الحياة الزائلة التي حذرنا ربنا جل وعلا من الاغترار منها في آيات كثيرة. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. إنما مثل الحياة الدنيا كما: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ مِنْ سَمَاءٍ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾. وهكذا أيضا تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الدنيا: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالما أو متعلما». رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقول عليه الصلاة والسلام: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل إصبعك في اليم، فلينظر بما يرجع». إلى آخر ذلك من الأدلة الشرعية في بيان حقارة الدنيا. وكذلك أيضا صغار هذه الدنيا. فكم ترى من الناس من يغتر بهذه الدنيا، فيصبح وهمه في هذه الدنيا، كيف يجمع المال؟ وكيف يكتسب المال الكثير؟ لا يفكر في طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يقوم بما أمره الله عز وجل. فتجده في غفلة عظيمة بسبب الميل إلى الدنيا. وتجده مشتتا الأفكار، ودائما كثير الأشغال، بسبب انهماكه في الدنيا. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أصبح وهمه الدنيا، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». وفي الحديث الآخر: «يا ابن آدم، لا تباعد عني، أملأ يدك شغلا، وقلبك فقرا». هذا حال المنهمك في الدنيا، يصبح وهو يفكر في هذه الدنيا، فيشتغل ويعمل، وهو دائما في فقر، ليس معه شيء، بسبب تعلق قلبه في الدنيا. فهذا حاله كما قيل: كما قال بعض السلف: «حال الدنيا كرجل نام نومة، فرأى في منامه ما يحب وما يكره، ثم بعد ذلك انتبه». أي كما يقول بعضهم: «الناس نيام، فإذا مات انتبه». أي إذا جاءه الموت فإنه يفيق ويعلم أنه كان في غفلة عظيمة. يعلم أنه كان في غفلة عظيمة في هذه الدنيا، ضيع عمره، وضيع وقته، وضيع شبابه، لأجل هذه الحياة الفانية. فإذا جاءه الموت، علم أنه كان في غفلة عظيمة. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. هذا حال الغافل في غفلة عظيمة. وما يدري إلا ونزل به الموت، ووقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيعلم أنه كان في تلك الغفلة العظيمة. وهكذا، عباد الله، مما يتبع الركون إلى الدنيا: طول الأمل. فإن من أسباب الغفلة ما يكون في قلب المرء من طول الأمل. يرى أن الموت بعيد، وأنه سيعمر في هذه الدنيا السنين الطويلة والأعوام الكثيرة. فيكبر في هذه الدنيا، ويكبر معه أمله. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يكبر من آدم، ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل». متفق عليه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. كلما كبر في هذه الدنيا، وهو يركن إلى هذه الدنيا، وهكذا يطول أمله، وأنه سيعمر وسيعيش وسيبقى في هذه الدني سنين طويلة. يقول: «أنا اليوم شاب، وقد أنس أكبر وأضعف، يضعف جسمي، وبعد ذلك أتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وألزم بيوت الله عز وجل». وهكذا يبقى في غفلة عظيمة. وسبب في ذلك، أي سبب في طول الأمل: أمرا الأول هو حب الدنيا. حب الدنيا سبب في وقوع الإنسان في طول الأمل. فإنه إذا اغتر بهذه الدنيا بما فيها من زخارف وزينة، وما فيها من أموال وأهل وأولاد وأصدقاء وأحباء، وهكذا، فإنه يبتعد في قلبه أن يفارق ذلك، فيطول أمله. والأمر الثاني: الجهل. الجهل بحقيقة الموت. فإنه يجهل أن الموت لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا يغتر بشبابه، ويقول: «أنا شاب، وسأكبر، وسأعمر». فإن الموت لا يفرق بين الشاب والشيخ. كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. فإذا جاء أجلك، فسوف تنتقل من هذه الدنيا، سواء كنت صغيرا أو كنت كبيرا، أو كنت شابا أو كنت شيخا. فإنك لا تعلم هل ستعيش إلى أن تصبح شيخا؟ فانظر إلى كثير من الشباب الذين حال بينهم وبين طول الأمل الموت. كم شاب قد مات، وهو في عز شبابه، وفي عز قوته؟ وما ذرى إلا والموت قد نزل به. فلعلك أن تكون أحد هؤلاء الشباب الذين ينزل بهم الموت، وأنت لا تعلم. لا تعلم متى يأتيك أجلك، ومتى ينقضي عمرك. فينبغي عليك أن تفيق من غفلتك، وأن تستعد لقاء الله سبحانه وتعالى. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في السنن: «أكثر ذكر هادم اللذات». «الموت». وجاء في رواية: «فإنه لا يكون أحد في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها». يعني الموت. فإنك إذا كنت ذاكرا للموت، فإنك تكون فائقا من غفلتك، وتكون مستعدا للقاء ربك سبحانه وتعالى. إذا كنت تعلم أنك ستموت، فإنك سوف تستعد لهذا الموت. لو أن طبيبا من الأطباء قال: «إنك سوف تموت بسبب هذا المرض بعد أسبوع». فكيف سيكون حالك؟ لابد أنه سيتغير. وسوف تلزم الطاعات، وتتقر ب الله سبحانه وتعالى بما تنتفع به. وكيف والله سبحانه وتعالى يخبرك بأن الموت حق، وأن الموت سيأتيك، لا يتأخر عنك أجلك لحظة واحدة؟ فينبغي عليك أن تكون مستعدا للقاء الله سبحانه وتعالى. كان بعض السلف رحمهم الله يقول لزوجته في كل يوم: «إذا مت اليوم، فأمري فلانا أن يغسلني، وافعلوا كذا وكذا». فذكر ذلك يوما لأناس، فقالوا: «رأى رؤيا». يعني رأى رؤيا أنه سيموت. قالت: «لا، ولكن كان يقول ذلك كل يوم». أي يذكر نفسه بالموت. وكان الإمام أبو زرعة رحمه الله يقول لأحد أصحابه: «لو حدثتك حديثا ما حدثت به أحدا سواك». قال: «كان لي منذ عشرين سنة ما خرجت من هذا المسجد، وأحدث نفسي أني أعود إليه». وذلك لما كان رحمه الله من تذكيره للموت. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام، فيما رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وقبل أن تقول: يا ليتني قدمت لحياتي». انظر، عباد الله، إلى هذه الوصية العظيمة. النبي عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسا قبل خمس». «حياتك قبل موتك». اغتنم هذه الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت. فأنت في هذه الدنيا في دار عمل، ودار تزود. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فأنت قلقت بهذه الدنيا لطاعة الله سبحانه وتعالى، ولتتزود من الأعمال الصالحة التي تكون لك زادا يوم أن تلقى الله سبحانه وتعالى. فاستغل هذه الحياة فيما يقربك إلى الله عز وجل، قبل أن يأتيك الموت فيحول بينك وبين العمل. فإنك إذا مت، فلا تستطيع أن تعمل، ولا ينفعك حينئذ الندم. كما قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فما دمت على قيد الحياة، فاستغل هذه الحياة في طاعة الله سبحانه وتعالى. «حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك». استغل الصحة والعافية التي أنعم الله سبحانه وتعالى عليك بها. فاستغلها فيما يقربك إلى الله عز وجل، من صلاة وصيام، وقراءة للقرآن، وذكر لله عز وجل، وحضور لمجالس العلم، قبل سقمك. أي قبل أن تمرض، وينزل بك المرض، فيحول بينك وبين الطاعة. لربما إذا نزل بك المرض، تتمنى أن تصلي ركعتين لله سبحانه وتعالى وأنت قائم، فلا تستطيع. أو تتمنى أن تقرأ جزءا أو نصف جزء من القرآن، ولا تستطيع، بسبب المرض. وكنت قبل ذلك في صحة وفي عافية، ولكنك أضعتها. أضعت هذه الصحة في اللهو واللعب. فاغتنم الصحة قبل السقم. «واغتنم فراغك قبل شغلك». إذا كان عندك فراغ، فاغتنم هذا الفراغ فيما يقربك إلى الله عز وجل، من صلاة أو تلاوة للقرآن، أو ذكر لله عز وجل، أو صدقة، أو زيارة للأرحام، أو كذلك طاعة للوالدين، أو غير ذلك مما يحب الله سبحانه وتعالى. قبل شغلك، أي قبل أن تشغل، فلا تستطيع أن تفعل شيئا من هذه الطاعات. فهذه نعمة عظيمة. ربما فرط فيها كثير من الناس. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في البخاري: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فهاتان النعمتان كثير من الناس في غبن، أي في خداع، وعدم توفيق لاستغلال هاتين النعمتين. فإذا ذهبت، حينئذ يفيق من غفلته التي كان عليها. «وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك». أي إذا كنت غنيا، فاغتنم هذا الغنى فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. في إنفاق هذا المال في وجوه الخير والطاعات، وما كذلك يحبه الله سبحانه وتعالى. كذلك بالتوسعة على الأهل والأولاد، إلى آخر ذلك من وجوه الخير والقربات. قبل أن يصيبك الفقر، فيحول بينك وبين الإنفاق. وكذلك استغلال هذا المال فيما يحب الله سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي للمسلم أن يكون في انتباه عظيم. وألا كذلك يغتر بطول الأمل، فإنه سبب لوقوعه في الغفلة عن طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من أسباب الغفلة: الأمن من مكر الله عز وجل. أن تأمن مكر الله سبحانه وتعالى، فتكون في هذه الدنيا كحال من ضمن الجنة، وضمن أنه جاء من النار. فإن الذي يأمن مكر الله جل وعلا يغلب عليه باب الرجاء، فيقع في غفلة عظيمة. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فلا تأمن مكر الله عز وجل، وأنت لا تعلم ما هو مصيرك، وما هو مآلك، وما هي عاقبتك. فعليك أن تخاف الله عز وجل. عليك أن تخاف الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، حتى يحملك الخوف على الإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى. ولا تأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». من خاف أدلج، أي أسرع. ومن أدلج بلغ المنزل، أي بلغ الدرجة التي يسعى لها كل حريص على الخير، وهي الجنة. والجنة لا يصل إليها إلا بالعمل. وهذا الخوف لا يقع ممن أمن مكر الله سبحانه وتعالى. لا يقع ممن يأمن مكر الله سبحانه وتعالى. فلهذا ينبغي عليك أن تحاسب نفسك، أن تحاسب نفسك في كل صغيرة وكبيرة تعملها في هذه الدنيا. وتعلم أنك في هذه الدنيا في دار عمل، وليست دار حساب وجزاء. وأن الآخرة هي دار الجزاء والحساب. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل». فالذي يحاسب نفسه في الدنيا، فإن حساب الآخرة يهون عليه. قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: «من مقت نفسه في ذات الله عز وجل، آمنه الله من مقته». أي الذي يحاسب نفسه. وكذلك يؤلب نفسه على ما فعل وعلى ما ترك من طاعات، أو فعل من معاصي. فتسوقه نفسه إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، فيكون ذلك سببا في تخفيف العذاب عليه يوم القيامة. وهكذا كان السلف رضوان الله تعالى عليهم. كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يجلس في غرفة، ثم يقول لنفسه: «بخ بخ، يامن ي الخطاب، لتتقين الله، أو ليعذبنك». انظروا كيف يحاسب نفسه رضي الله تعالى عنه. فكيف بنا نحن؟ مع أن عمر قد بشر بالجنة، بشر بالجنة، وهو في هذه الدنيا، ومع ذلك لم يأمن مكر الله سبحانه وتعالى. ونحن مع تقصيرنا، ومع كذلك ما نحن فيه من تقصير في الواجبات، وارتكاب للمعاصي والمحرمات، ومع ذلك لا نحاسب أنفسنا، ولا نقف وقفات مع أنفسنا، ونحاسبها على ما تفعل وما ترتكب في هذه الدنيا. وما هذه، عباد الله، إلا بسبب غفلتنا عما أمرنا الله سبحانه وتعالى به، وأمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم. فأسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم لما يحب ويرضى. نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. وهذا من عظيم فضل الله سبحانه علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحمده جل وعلا الذي يسر لنا الاجتماع في مثل هذا المسجد المبارك، في بيت من بيوت الله، نتذاكر فيه قال الله، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، في حال غفلة الكثير من الناس، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. وهذه نعمة أخرى عظيمة، خصنا الله عز وجل بها، وتفضل وتكرم سبحانه وتعالى بتوفيقنا إليها. وهذا من نعمة الله عز وجل، فإنه ناسا إن شغلوا عن هذا الخير، وعما هو مثله، بأشياء كثيرة، ربما بعضها يضر، مما يضر بدين، أو يضر بدنيا، أو يضر بهما، أو لا ينتفع به، لا بدين ولا بدنيا. فنعمة عظيمة أن يوفقك الله عز وجل، يا عبد الله، إلى مثل هذه المجالس الطيبة النافعة، في بيت من بيوت الله، تحضر مجلسا من مجالس الذكر، ينتفع بها المتكلم، وينتفع بها السامع، بما يذكر من الآيات الكثيرة، والأحاديث الكثيرة، مما فيها العظة والذكر. كما قال الله عز وجل في هذا المعنى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. هذه الذكر والعظة، يا عبد الله، في هذا القرآن الذي يتلى، وهذه السنة التي تعرض فيها، عظة عظيمة، وذكرى واسعة، لمن أراد الله عز وجل به الخير. مع ما في هذه المجالس من الخير الآخر، الذي يتكرم ربنا جل وعلا، وتفضل به على عباده به. فقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة،