الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 51، الدرس الحادي والخمسون:من( باب ما جاء في السحر ... أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت وكذلك صح عن جندب قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حقيقة السحر وأقسامه، ويبين أن السحر ينقسم إلى قسمين أحدهما يكون بالاستعانة بالجن والشرك ويكفر به صاحبه. يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على حقيقة السحر ووجوده.
يتناول تحذير الإسلام من السحر وتأكيده على خطورة تعامل الناس معه، مشيرًا إلى أن السحر من أكبر الكبائر. يوضح تعاون شياطين الإنس والجن في إضرار الناس من خلال السحر والكهانة.
يناقش حكم قتل الساحر ويرى أن الساحر يجب أن يقتل لما يسببه من فساد، ويتم التفريق بين نوعين من السحر في العقوبة بين التعزير والقتل. يُفصّل الحكمة من هذا الحكم والآثار المترتبة على أفعال السحرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بكتابي كتاب التوحيد، قال: باب ما جاء في السحر. وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لِمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطواغيت: كهان ينزل عليهم الشيطان بكل شيء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقدف المحصنات الغافلات المؤمنات». وعن جندب مرفوعا: «حد الساحر: ضربة بالسيف». قال: رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف. وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن: «اقتلوا كل ساحر وساحرة». قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت. وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة، والثانية: تفسير آية النساء، والثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما، والرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، قد يكون من الإنس، والخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي، والسادسة: أن الساحر يكفر، والسابعة: أنه يقتل ولا يستتاب، والثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟ أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لمسائل هذا الكتاب العظيم: كتاب التوحيد. وهذا الباب هو أحد سبعة أبواب ستأتي، يذكر فيها المؤلف رحمه الله بعض ما ينافي التوحيد من الأعمال الشيطانية، وهي مما اشتهر العمل بها بين عباد القبور، ومن فتنوا بالشرك في زمانه رحمه الله تعالى، وهو كذلك إلى زماننا هذا، وهو مما ينافي التوحيد؛ لأن السحر يقع بالشرك، أي أحد نوعي السحر يقع بالشرك. وقوله: «باب ما جاء في السحر»، أي: هذا مدخل لمعرفة ما جاء من أحكام ومسائل في السحر. والسحر لغة مأخوذ من الخفاء، ومنه سمي آخر الليل سحرًا؛ لأنه وقت شدة الخفاء. وهكذا سميت الرئة سحرًا؛ لأنها كذلك مخفية. ويسمى الصندوق الذي تخبأ فيه الأشياء التي يراد إخفاؤها: سحارة. فلو تأملت هذا اللفظ وجدت أنه يدور حول معنى الخفاء، بل شدة الخفاء. وهكذا هو السحر، فالسحر ينقسم إلى قسمين: قسم يكون بالاستعانة بالجن، وما يكون من تعاون بين شياطين الإنس والجن في حصول مقصود معين، ولهم في هذا أعمال كثيرة يعملونها مما يكون به الإضرار بالناس أو إدخال النفع عليهم، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالكفر والشرك. هذا ما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ومعناه: أنه لا يتحقق السحر إلا بالكفر والشرك، وهذا هو حقيقة السحر الذي يكفر به صاحبه. وما أكثر ذلك عند السحرة، فإنهم يفعلون الكفريات والشركيات حتى يصلون إلى القدرة والإمكان في التأثير بالسحر، فربما لوثوا المصحف -والعياذ بالله- بأنواع النجاسات، أو سجدوا للأصنام، أو عبدوا الشيطان، أو فعلوا غير ذلك من أعمال وأفعال الشرك والكفر؛ بما يكون به إرضاء الشياطين والتعاون بينهم في الوصول إلى المقصود. وبهذا نعرف أن السحر له حقيقة، وليس كما يقول بعض العقلانيين: إنما هو عبارة عن تخييل، وليس له حقيقة في الواقع، بل هذا خطأ. والصواب أن السحر ينقسم إلى قسمين: قسم المعنى الذي سمعنا، وله أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. ومن هذه الأدلة الآية التي سمعنا في سورة البقرة في قصة هاروت وماروت، والصحيح أنهما ليسا بملكين، بل هما من اليهود من شياطين الإنس الذين استعانوا بشياطين الجن، فحصل فيهم السحر، فأضر بالناس. وقد ذكر المفسرون في هذا أخبارًا كثيرة. ومن هذه الأدلة قول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. فسر: معنى النفاثات في العقد، أي: الساحرات. وذكر الساحرات بالتأنيث خاصة؛ لأن السحر في النساء أكثر منهم في الرجال؛ لكثرة الجهل وقلة الدين. فإذا أمر الله عز وجل بالتعوذ من هذا الشر، وذكر بعض وصفه وعمله، كيف يقال بعد ذلك: إنه ليس له حقيقة، وإنما هو تخييل؟ بل هذا يدل أن له حقيقة. ولهذا أمر الله عز وجل بالتعوذ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عائشة وغيرها، وأصلها في الصحيح، وله روايات وطرق كثيرة: أنه سحر عليه الصلاة والسلام، سحره رجل يهودي. وفي هذا تأكيد أن السحر منتشر ومشتهر في اليهود، حتى كان عليه الصلاة والسلام يخيل إليه أنه يجد الشيء ويفعله، وهو لا يجده ولا يفعله، حتى أرسل الله عز وجل له ملكان، فجاء الملكان ووقف أحدهما عند رأسه، وأحدهما عند رجليه، حتى أخبراه عليه الصلاة والسلام بما كان من أمر سحر اليهودي، وأين وضعه، وكيف صنعه، وأنه صنعه في مشط ومشاطة -يعني مشطًا وبقايا شعر- استطاع بها أن يصل إلى سحره ويؤثر به. فرقي النبي صلى الله عليه وسلم، رقاه جبريل، فشفاه الله، وجاء إلى البئر، وأمر بدفنها. وهذا يدل أن للسحر حقيقة، خلافًا لمن زعم خلاف ذلك. أما ما جاء في قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وذكر ما يدل أنه حصل التخيل للناس بسحر السحرة، فهذا أحد نوعي السحر الذي فعله السحرة، وهو القسم الثاني من سحر السحرة: ما يكون بالحركات الخفية، الذي يظهر الشيء على غير حقيقته، مثل ما يفعله بعض الناس اليوم ممن يسمى بأهل السرك. فهذه الحركات الخفية التي يفعلها هؤلاء هذا نوع من السحر؛ لأنه فيه شيء من الخفاء، حتى يخيل للرائي أنه رأى ذلك، وليس كذلك، ربما أظهر الرأس يقطع، أو العين تخرق، أو غير ذلك من الأفعال التي حقيقتها نوع من الخدع والأعمال الخفية التي تظهر الشيء على خلاف حقيقته. فهذا نوع من السحر، وهو محرم كذلك، وكبيرة؛ لأنه ذريعة للوصول إلى النوع الآخر الذي هو أشد منه، وهو كفر وشرك. وإذا كان كذلك علمنا أن الجميع لا يجوز، وليس الثاني بأقل من الأول حتى يباح ويؤذن له كما يفعله بعض الناس اليوم، بل ينبغي ويجب أن يمنع الجميع، ويحارب الجميع؛ لأن السحر له ضرر عظيم على المجتمع إذا انتشر، فلا يجوز إقرار شيء منه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله بعض الآيات والأحاديث والآثار التي تتعلق بهذا الباب، أولها قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لِمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. والشاهد والمراد: أن الله عز وجل بين أن هؤلاء الذين تعاملوا بالسحر اشتروا به -أي بهذا السحر- ما كان به خسارة في الآخرة. ومعنى أنه باع دينه بدنيا حقيرة، فمثلهم كمثل المنافقين الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. وهؤلاء اشتروا الدنيا بدراهم ونحوها في مقابل بيع الدين بهذا السحر. وهذا أكثر غرض السحرة: أنهم يتجرون بهذه المهنة، وعلى حساب الناس، بل وعلى حساب أنفسهم، فيخسرون آخرتهم بهذه المهنة الخسيسة. وفي هذا التحذير من الشرك، ومنه السحر. وأما الآية الثانية: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، أي: يصدقون بالجبت والطاغوت. ومر معنا في درس سابق أن الجبت: معنى من معاني الباطل الحقير. وذكر هنا عن عمر رضي الله عنه أنه فسره بالسحر. وهذا من التفسير ببعض المعنى؛ لأن السحر من الباطل، ومن الباطل الحقير، فالسحر فيه أعمال باطلة حقيرة، فهو يتناول النفث، ويتناول تتبع الشعر، وفضلات الإنسان، وغير ذلك مما يكون به الإيقاع بالمسحور. والطاغوت: مر معنا أنه كل ما تجاوز العبد فيه حده من معبود أو متبوع أو مطاع. وتفسيره ها هنا بالشيطان: تفسير كذلك ببعض المعنى؛ فمن الطاغوت الشيطان، وهو مأخوذ من الطغيان، أي: التجاوز. وذكر بعد ذلك قول جابر رضي الله عنه: «الطواغيت: كهان ينزل عليهم الشيطان في كل شيء». والمراد بالشيطان ها هنا: أي الجن؛ فإن الجن هم الذين يعينون الكهنة والعرافين، ومن كان بمعنى هؤلاء من الطواغيت الذين هم شياطين الإنس. وهذا كما قلنا: تفسير ببعض المعنى بما يكون به الإضرار بالناس. وقد يكون إتيان هؤلاء الجن على صورة الإنس؛ لأنه قد يقول قائل: ما نرى ما نرى إنا ما نرى جنًا، بل ربما نفس الكاهن يقول: أنا ما أرى جنًا، لكن يأتيني إنسان فيعلمني، هذا الإنسان هو من الجن، أو ربما بعضهم تظهر له صورة حمار، أو كلب، أو خيل، أو غير ذلك، أو حية، أو هرة. وكل هذا من العلامات التي يعلم بها صلة هذا الإنسان الشيطان بذاك الجن الشيطان. وأصل الشيطان: كل من خرج عن معنى الاستقامة فهو شيطان، ففي الجن شياطين، وفي الإنس شياطين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. ففي الإنس شياطين، وفي الجن شياطين، فكل من خرج عن معنى الاستقامة فهو شيطان. فما يحصل بين الكهنة والعرافين وبين الجن هو من تعاون شياطين الجن والإنس في حصول ما يضر بالخلق، ومنه السحر. وقوله عن أبي هريرة: أراد بهذا الحديث رحمه الله -كما هو ظاهر- التنبيه أن السحر من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات. ومعنى الموبقات: أي المهلكات. وقوله عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا»: أعظم وأشد من قوله: «اتركوا» أو «حرم عليكم»; لأن معنى الابتعاد عن كل ما يوصل إلى هذا الفعل، فضلًا عن الوقوع فيه. ومن هذا التحذير من الذهاب إلى الكهنة والعرافين. ومن هذا التحذير من الإقرار بوجوده في المجتمع، أو في الأسرة، أو لأحد الأقرباء أن يتعامل به. ومن هذا كذلك اجتناب الكتب التي تذكر تفاصيل هذا الفعل الخبيث، أو تعلمه; فكل هذا لا يجوز أن يقر. فلا يجوز للمسلمين أن يقروا مثل ذلك، كما لا يجوز لولي الأمر المسلمين -من باب أولى- أن يقر مثل ذلك. فكتب السحر ينبغي أن تحارب، وينبغي أن تحرق; لأنها من كتب الباطل، وهي تدخل -أي انتشارها- في القرب من السبع الموبقات. وقد أمر أهل الإسلام أن يجتنبوا ويبتعدوا عن السبع الموبقات، ومنها السحر. وانظر ترتيب السحرح بعد الشرك بالله; فإنه يدل على أنه من أعظم الموبقات بعد الشرك بالله. وليس اتباعه للشرك بالله أنه ليس بشرك، ولكن لأنه عمل خاص أخص من أن يكون شركًا خالصًا، فهو الشرك، وفيه أعمال معينة. ولأنه كذلك منه ما يكون شركًا وكفرًا، ومنه ليس كذلك، فهو لهذا ذكر لوحده، وبعد ذكر الشرك. وهكذا سائر ما ذكر في هذا الحديث، كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومعنى قتلها بالباطل. وأما بالحق فهو في إحدى ثلاث: الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. وما كان بمعنى هذه الثلاث مما دل عليه الشرع. وهكذا أكل الربا، وهو ظاهر. وأكل مال اليتيم، وهو ظاهر. والتولي يوم الزحف، وهو ظاهر. وقدف المحصنات الغافلات المؤمنات، وهو ظاهر كذلك واضح. إلا أنه ينتبه هنا في قوله: «قدف»; فإنه أعظم من رمي; لأن القدف الذي استوجب هذا الوعيد الشديد هو ما كان عن عمد واتهام، بخلاف الرمي، الرمي قد يكون بنقل الأخبار، قد يكون بنقل الأخبار أو الإقرار في نقلها، والاستماع إليها، فهذا من رمي المؤمنين والمؤمنات. فالقذف أشد من الرمي. ثم ذكر حديث جندب مرفوعًا، وحديث جندب -كما أشار- أن الراجح فيه الوقف. وقد جاءت آثار موقوفة كثيرة تدل على قتل الساحر، وهذا يؤيد أن هذا الحكم لم يكن بالرأي. فكون جندب بن عبد الله يقول: «حد الساحر: ضربة بالسيف»، هذا من الموقوف الذي له حكم الرفع; لأن الحدود لا تقال بالرأي، بل هذا يقال بالدليل. فلذلك كان الصحيح أنه موقوف له حكم الرفع. ومعناه: أن هذا أخذ عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا -كما قال- عدد من أهل العلم: نقل عن عدد من الصحابة قتل السحرة -أي الأمر به- وإقرار فعله. وهذا لا يكون بالرأي، ولكن يعلم أنه إنما أخذوه عن سنة. وزيادة على ذلك: أنه لم يكن هناك أحد معارض من الصحابة يخالف في ذلك، فصار هذا -كما قال بعض أهل العلم- من الإجماع السكوتي الذي فيه إقرار هذا الفعل عن من نقله وفعله من الصحابة رضي الله عنهم. والحكمة من حد الساحر بالضرب بالسيف هو إراحة المجتمع من شره; لأن الساحر ضرره عظيم، فلا يضر بالمسلم فقط، بل حتى بالكافر، بل ولا يضر بالإنسان فقط، بل ربما حتى بالحيوان، بل وحتى بالنبات. فمثل هذا النوع من الناس حاله أشد حالًا من المفسدين في الأرض. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. وإفساد الساحر أعظم من إفساد ذاك المفسد الذي يفسد في الأرض; لأن ذاك قد يتقى شره، وقد يدرك كذلك أمر العقاب به، أما الساحر فهو يفعل ذلك بخفاء، فيفعل الكثير ولا يعلم عنه. ولهذا كان مثل هذا الحكم في حقه هو حكم الإسلام، وفعله الصحابة رضي الله عنهم، وهم لا ينقلون ذلك -بالغالب- إلا عن النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر: «وفي صحيح البخاري عن بجالة إلى آخره». وهذا الأثر يؤكد ما تقدم من أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرون قتل كل ساحر وساحرة. فعمر رضي الله عنه أمر بقتل كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وكما قال هو في البخاري، وجاء كذلك خارج البخاري، وهو صحيح. وذلك لما تقدم; لأن الساحر يعتدي أولًا على حق الله بالشرك والكفر، وغير ذلك من الأعمال الشيطانية، ويعتدي ثانيًا على حق عباد الله. فكم من إنسان قتلوه بالسحر، وكم من إنسان أفسدوا عليه حياته بالسحر، أو أضروا بولده، أو زوجته، أو غير ذلك. وكل هذه المسائل تتعلق بها أحكام، فمنها ما يوجب الدية، أو القصاص، ومنها ما يوجب الحد، ومنها ما يوجب التعزير. فهذه حقوق كثيرة تعلقت باعتداء أمثال هؤلاء. وهكذا كذلك ذاك المسحور تعلق به حق خاص: إما أن أصيب بالموت فهو له حق، أو كذلك بالجنون، أو المس، أو غير ذلك، فقد فوتوا عليه ما له من حق في هذه الحياة الدنيا. وهذا كله من التعدي على الحقوق أوجب التشديد في هذا الباب. ثم ذكر أثر حفصة رضي الله عنها، وهو كذلك يؤكد ما تقدم مما سبقت الإشارة إليه، ونقل ما نقل عن إمام أحمد: تأكيدًا أنه قد صح عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: جندب، وعمر، وهكذا كذلك حفصة. بل قال بعض أهل العلم: ثبت عن غير هؤلاء الثلاثة. وتتابعت كلمات العلماء في هذا الحكم؛ لإنهاء مادة السحر من المجتمع. ومعظم أهل العلم يقول -كما ينقل عن إمام الشافعي وغيره- أن السحر الذي يكفر به صاحبه ويوجب القتل هو السحر الذي يقع به الكفر. فلذلك يجب التحقق منه. فالأمر كما ذكر: إذا علم واستيقن أن هذا الإنسان سحره منحصر بفعل الأفعال الخفية البهلوانية، وغيرها مما يكون به التخييل للناس، فمثل هذا يعزر، ويشدد عليه في التعزير. وأما من ثبت أن سحره يكون بالكفر والشرك والاستعانة بالجن ونحو ذلك، فهذا هو الذي يقتل; لأن شر هذا عظيم. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.