شرح كتاب تطهير الإعتقاد 12

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 12

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 12، الدرس الثاني عشر : فيه (فصل:قد عرفت من هذا كله ... فإن هذا أشرك مع الله غيره ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير الصنعاني من الشرك وأدلته من القرآن

يناقش تحذير الصنعاني من الشرك بالله، ويستشهد بآيات قرآنية لتدعيم رأيه بأن اعتقاد أن بعض المخلوقات أو الأموات ينفع أو يضر هو شرك أكبر.

شروط الشفاعة وبيان شرك المشركين

يناقش شروط الشفاعة وأهميتها، ويبين أن المشركين يعتقدون في الشفاعة بغير شروطها، بينما أهل السنة يثبتون الشفاعة بشروطها وهي الإذن والرضا.

التوسل المشروع والممنوع وتطبيقات الشرك

التوسل ينقسم إلى قسمين: مشروع وممنوع، والاعتقاد في النفع أو الضر بواسطة كائنات معينة يعتبر شركاً مثل شرك عبدة الأوثان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»: قال فصل، قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع ويضر، وأنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا، بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصوصه أو نحو ذلك، فإن هذا أشرك مع الله غيره. وهذا الفصل جعله رحمه الله تعالى بعد التوطئة التي ذكرها فيما سبق من مباحث، جعله كالحكم لمن وقع في شيء مما هو من الشرك، فقال: فهو كالنتيجة. قال: قد عرفت من هذا كله -يعني مما سبق ذكره من مباحث- أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع ويضر أو يقرب إلى الله أو يشفع إلى آخره، أن هذا شرك. وقد مرت معنا أدلة ذلك، فمن اعتقد في الشجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه وقع في الشرك، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. ومر معنا أن اللات فسرت الآية في قولي اللات أنه رجل صالح كان يلت السويق، وعبد من دون الله عز وجل، فصار من عبده ومن صرف له شيء من العبادة من المشركين. وهكذا العزة، شجرة كان يعبدون الله عز وجل عندها طائفة من المشركين، أو يعبد الله جل وعلا عندها طائفة من المشركين. وهكذا حديث الوليد، كما مر معنا كذلك في قصة السمرات التي قطعها. وهكذا كذلك الملك، مر معنا في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾. ونحوه قوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. فهذا فيه أن من الناس من كان يعبد الملائكة، وأن الله جل وعلا جعل ذلك كفرا وشركا. وقوله رحمه الله: «أنه ينفع ويضر»، فهذا هو الشرك الأكبر، اعتقادا غير الله ينفع ويضر، هذا هو الشرك الأكبر، وهو من الشرك الأكبر كما قال الله عز وجل في كتاب الكريم، فيما هو بهذا المعنى، مثل قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضَرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. فالذي ينفع ويضر هو الله سبحانه وتعالى وحده، واعتقادا غير الله ينفع ويضر من الشرك الذي كان يعتقده هؤلاء المشركون في هذه المعبودات المتنوعة. ولا فرق بين أن يكون الاعتقاد في حي أو في ميت، فإذا توجه الإنسان إلى حي أو ميت بما لا يجوز إلا من الله سبحانه وتعالى، كان هذا شركا. وقوله رحمه الله: «وأنه يقرب إلى الله»، كذلك اعتقاد أن هذا الذي يأتي إليه فيقرب له ما يقرب أن ذلك يقربه إلى الله، هذا اعتقاد فاسد وهو من جنس اعتقاد المشركين الأولين، كما سبق: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهذا وعين نوع من أنواع شرك المشركين كذلك. أو يشفى عنده في حاجة من حوائج الدنيا كذلك، فإن من جنس أو من أنواع شرك المشركين اعتقاد أن هذه المعبودات تشفى عند الله سبحانه وتعالى، يعني وبغير شروط الشفاعة. والناس في الشفاعة على ثلاثة مذاهب: قوم يعتقدون أن الشفاعة هي لله ولغير الله، ولا يعملون فيها شروط الشفاعة، وهم المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من اليهود أو كذلك من ظلال المسلمين أو من المشركين الوثنيين وغيرهم. وصنف أنكر الشفاعة الشفاعة مطلقا، وهم الوعيدية كالخوارج المعتزلة. وصنف أثبت الشفاعة بأدلتها من الكتاب والسنة وشروطها، وهم أهل السنة أهل الإسلام الحق، الذي سلكوا ما دلت عليه دلة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة. وشروط الشفاعة كم ها عند من؟ شروط الشفاعة الإذن بالشفاعة، الرضا عن الشافع، الرضا عن المشفوع. طيب، هذه شروط الشفاعة: الإذن بالشفاعة، والرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع. وبعضهم زاد رابعا يدخلوا في هذه الثلاثة ما هو؟ هذا الرابع: إسلام الشافع، أن لا يكون مانع من الشفاعة. وذكر معنى هذا شيخنا رحمه الله في كتابه «الشفاعة». وفي الحقيقة يدخل فيما سبق من الشروط الثلاثة. وإذا علمنا ذلك، فنعلم به أن من شرك المشركين اعتقاد الشفاعة في غير الله سبحانه وتعالى، أي أن غير الله يملكها ولو لم يأذن الله سبحانه وتعالى بها، ولو لم تتوفر فيها شروط الشفاعة. ولهذا قال الله جل وعلا مبينا شركهم في هذا الباب، أي في باب الشفاعة: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. فهذه الآيات وما بمعناها فيها بيان أن الشفاعة لا تكون إلا بشروطها، وأن المشركين كانوا يظنون أن الشفاعة تقع بغير شروطها، فأنكر الله جل وعلا عنده عليهم ذلك. كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾. فهذه الآيات تدل على أن من شرك المشركين اعتقادهم وقوع الشفاعة بغير شروطها، وهذا نوع من الشرك. فلا فرق بين من اعتقد أن الأصنام تشفع له لأنها لا تعصي الله، أو أن الصالحين يشفعون له، أو أن الأنبياء أو الملائكة أو الأشجار يشفعون له، وبين من جعل ذلك في القبور ونحوها، فلا فرق أبدا بين هذه جميعا. قال رحمه الله تعالى: «أو يشفع عنده بحاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به». ومعنى «بمجرد التشفع به» يعني من دون الإتيان بشروط الشفاعة. وهذا معنى كلامه «بمجرد التشفع به». ولهذا من عبارات المشركين المعاصرين وهي شبيهة بعبارات المشركين الأولين: «من جاوة عنا لقي ما تمنى». وهذا كتب في أكثر القبور والتوابيت التي تعبد من دون الله جل وعلا. لا يكاد تابوت من التوابيت وقبر من القبور التي تعبد من دون الله إلا وكتبت فيها مثل هذه العبارة أو معناها. ومعنى أن الذي تقصده وتريده تجده بمجرد إتيانك إلى هذا القبر، فإذن تحصل لك الشفاعة ويحصل لك المقصود الذي تقلبه. وهكذا من عبارات بعض رؤوس الشرك أنهم يدخلون الأتباع في القذفة -يعني كيس- من شاءوا حقوا في الكيس، هم ضمنوا -لأن بسم الجنة- فيما زعموا. وأن من أرادوا أن يدخلوه الجنة، فقط ما عليه إلا أن يرضيهم في الدنيا، فإن أرضاهم في الدنيا فهم يضمنون له الجنة في الآخرة. وهذا من جنس الشرك المشركين الأولين، لأن الله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. فمن شروط الشفاعة إذن الله، من شروط الشفاعة الرضا عن الشافع، وما أدرى هذا الشافع أن الله رضي عنه سيدخله الجنة؟ ومن شروط الشفاعة الرضا عن المشفوع، وما أدرى هذا الذي يدعي أنه سيشفع أن الله يأذن لهذا المشفوع بدخول الجنة؟ وأدلة الشفاعة كثيرة تدل على هذا المعنى، فنبينا عليه الصلاة والسلام أراد أن يشفع ويستغفر لبعض من يحب أن يغفر له، فلم يستطع. استغفر لأمه أو أراد أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، كما في حديث صحيح مسلم أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له. وهكذا كذلك في حق عمه أبي طالب. وهذا يدل على أن الشفاعة لا تكون إلا بشروطها. قال رحمه الله: «والتوسل به إلى الرب تعالى والتوسل به بدعائه أو بجعل عبادة بينه وبين الله واسطة»، هو هذا العبد. «وعلى كل المعنيين هو شرك شرك أكبر، وهو من اتخاذ الوسائق الممنوعة». فالوسائق تنقسم إلى قسمين: وصائق ممنوعة، ووسائق مشروعة. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رسالة نافعة جامعة في هذا المقام، وهي التي سماها «الواسطة بين الحق والخلق». فهناك واسطة في تبليغ الشرع والدين، هذا هو المشروع. وأما واسطة في عبادة الرب جل وعلا والوصول إلى مرضاته بهذه العبادة، فهذا هو الممنوع، وهو من جنس شرك المشركين قديما وحديثا. وهؤلاء اتخذوا هؤلاء وصائق، والله جل وعلا ليس بينه وبين عباده واسطة في عبادته، بل يتوجه إليه مباشرة. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وسيأتي إن شاء الله زيادة الكلام عليه في الفصول الآتية. وقوله: «إلا ما ورد في حديث فيه مقال»، يشير إلى حديث عثمان بن حنيف في قصة الأعمى، أن رجلا ضريرا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدعو الله أن يعافيني. قال: «إن شئت دعوت لك وإن شئت أخرت ذلك فهو خير». فقال: أدعو. الحديث. وهذا الحديث حديث صحيح، وقد اختلف أهل العلم في صحته لأجل راوي فيه، وهو أبو جعفر الخطمي. فمن قال أن الراوي الذي في هذا الإسناد هو أبو جعفر الخطمي، وهو عمير بن يزيد ثقة، قال: الحديث صحيح. ومن قال أن الذي في إسناد هذا الحديث أبو جعفر ليس بالخطمي، وعيسى بن أبي عيسى -عيسى بن ماهان- المشهور بأبي جعفر الرازي، فهذا ضعيف. وإذا كان كذلك فكان هذا وجه الخلاف، والصواب أنه أبو جعفر الخطمي، فهو حديث صحيح. مع التنبيه أن لهذا الحديث ألفاظ منكرة ضعيفة، نبه الحفاظ عليها. يستدل بها عباد القبور والذين فيهم لوثة وثنية شركية، يستدلون بتلك الألفاظ. وقد ألف غير واحد من أهل العلم في هذا، وذكروا ما يتعلق بهذا الحديث، كشيخ الإسلام في كتاب «التوسل والوسيلة»، والشيخ العلام الألباني رحمه الله كتاب «التوسل»، وأطال البحث في هذا الحديث وطرقه فيرجع إليه. والشاهد من هذا أن المؤلف رحمه الله يقول: أن التوسل لا يجوز إلا ما ورد في حديث فيه ضعف في حق نبينا عليه الصلاة والسلام خصوصا. والصحيح أن الحديث في بعض ألفاظه ضعف، وأما أصل الحديث فصحيح. ومع صحته فهو من التوسل المشروع. والتوسل ينقسم إلى قسمين: توسل ممنوع، وتوسل مشروع. فأما التوسل المشروع فهو ما كان بأحد أمور ثلاثة: بالعمل الصالح، بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر، بأسماء الله وصفاته. هذه ثلاث أنواع من أنواع التوسل المشروع. وما سوى هذه الثلاثة فهو من التوسل الممنوع. قال رحمه الله تعالى: «بحق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصوصه». وسبق توضيح ذلك، وأنه وأن صوابه على المعنى الذي سمعنا. قال: «أو نحو ذلك» يعني إن أردنا على الوجه الصحيح أو نحو ذلك من دعاء الرجل الصالح الحي الحاضر فيما يجوز له. مثل لما حصل حاجة للصحابة في الاستسقاء، أتوا إلى العباس كما في حديث عمر: «إن كنا نستسقي بنبينا فصاروا يستسقون بعد ذلك بعم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فهو رضي الله عنه رجل صالح، رجوا أن يدعو لهم فيجاب له حاضر، ويدعو فيما أذن به. قال: «أو نحو ذلك، فإن هذا أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتبر اعتقاده». كما اعتقد المشركون في الأوثان إذا وقع على هذا الوصف، كما سبق: يعتقد النفع والضر، أو يتقرب أو يشفع أو يتوسل على الوصف الذي ذكر في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت نبي أو صالح، فإنه يكون على هذا الحكم، وهو أنه شرك من جنس شرك المشركين عبدة الأوثان.