الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 83، الدرس الثالث والثمانون:من(قوله إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ...ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر.متفق عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث جرير بن عبد الله البجلي ودلالته على إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة، مع توضيح اختلاف المذاهب حول الرؤية. يُبرز أن أهل السنة يثبتون الرؤية في الآخرة.
يفسر رؤية الله تعالى في الآخرة بأنها رؤية حقيقية وواضحة كما يرى القمر ليلة البدر، وأنها من أعظم نعيم الجنة. يُؤكد أن هذه الرؤية لا تعني تشبيه الله تعالى بالمخلوقات.
يُذكر أن أحاديث الرؤية بلغت أكثر من ثلاثين حديثا وتدل على رؤية حقيقية وليست رؤية قلب. يُوضح أن رؤية الله تعالى ستكون واضحة كرؤية القمر بدرا بدون سحاب أو حجاب.
يُبرز أهمية المحافظة على الصلوات ويبين أن من يجاهد نفسه لأداء الصلاة في وقتها يكرمه الله برؤية وجهه الكريم، مشددًا على عظم قدر الصلاة وأثرها في نيل رضا الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، هكذا عندنا، وجاء في بعض النسخ «إنكم سترون ربكم عيانا». قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته»، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا، متفق عليه. يشير رحمه الله تعالى إلى حديث جرير بن عبد الله البجلي، وهو بالصحيحين، والذي فيه في بعض رواياته زيادة، ثم قرأ -أي النبي عليه الصلاة والسلام- ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، فقال إسماعيل -أي الراوي- «افعلوا، لا تفوتنكم»، هي رواية البخاري. والشاهد أن فيه إثبات الرؤية لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس فيها إحاطة ولا نقص، بل رؤية تليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال الشارح رحمه الله: هذا الحديث الصحيح المتواتر يشهد لما دلت عليه الآيات السابقة من رؤية المؤمنين لله عز وجل في الجنة، وتمتعهم بالنظر إلى وجهه الكريم. والرؤية كما سبق معنا دلت عليها دلالة الكتاب الكثيرة، وهكذا كذلك أدلة السنة، وهذا من أدلة السنة. ومر معنا أن الناس في الرؤية على مذاهب، فمنهم من أثبتها في الدنيا والآخرة، وهم المتصوفة ومن سلك مسلكهم، ومنهم من نفاها في الدنيا والآخرة، وهم المعطلة ومن سلك مسلكهم، ومنهم من أثبتها في الآخرة ونفى وجودها في الدنيا برؤية البصر، وذكر أنها ممكنة برؤية القلب، وهم أهل السنة. ومر معنا فيما سبق أن أهل السنة يقولون: إن الرؤية في الدنيا بالعين لا تكون، لنفي أدلة الكتاب والسنة ذلك، فإن الله عز وجل قال لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فدل على أنه لن يراه في الدنيا -أي برؤية العين والبصر-. وهكذا كذلك في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ومر معنا فيما سبق الإشارة إليه: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، وفي رواية صحيح مسلم عن صحابي غير مسمى: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لم يقل أحد من الناس -يعني من الصحابة وأهل السنة- أن أحدا لم يقل ذلك -أي إثبات رؤية العين في الدنيا-. وأما ما روي عن ابن عباس، فالصحيح أنه يحمل على رؤية القلب لا رؤية العين، وعلى هذا يحمل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام من إثبات الرؤية ونفيها، فنفيه -أي النبي عليه الصلاة والسلام- نفي لرؤية البصر، وإثباته يحمل على رؤية القلب والمنام. وعلى هذا قال من قال من العلماء: أن رؤية المنام والقلب ممكنة، وكما قال شيخ الإسلام: فإن الناس يتفاوتون في قوة الإيمان، فقد تقع لهم بحسبه، ومع ذلك لا يستطيع الإنسان لضعفه وعجزه وعدم علمه بكنه الرب سبحانه وتعالى أن يجزم أن ما رآه هو الله سبحانه وتعالى -أي في المنام-. لكن قد يكون بقوة اليقين والإيمان ما يجعله يستشعر أنه رأى في منامه ربه، وهذا ممكن، لكن ما يستطيع أحد يجزم به؛ لأنه ليس لله عز وجل مثيل ولا نظير ولا ند حتى يعلمه به، فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال رحمه الله: وهذه النصوص من الآيات والأحاديث تدل على أمرين، أولهما: علوه تعالى على خلقه؛ لأنها صريحة في أنهم يرونه من فوقهم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كما ترون القمر ليلة البدر». وثانيهما: أن أعظم أنواع النعيم هو النظر إلى وجه الله الكريم، ولهذا قرنا بذكر النعيم في أدلة الكتاب والسنة، قال ربنا جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، من النظر الأولى من النظارة، والثانية من النظر، فدل على أن من كمال النعيم أن يتمتعوا برؤية الرب سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في هذا الحديث، وفي غيره من الأحاديث الأخرى، والأدلة كثيرة في هذا المعنى. قال: وقوله «كما ترون القمر ليلة البدر»، المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، يعني ليس تشبيه الرب تعالى -وتعالى وتنزه- بالقمر، وإنما المراد تشبيه رؤية الرب في الوضوح والجلاء، كرؤية القمر ليلة البدر في الوضوح والجلاء، أي لا يزاحمها أحد عن رؤيته، ولهذا قال: «لا تضامون». وفي رواية: «لا تضامون»، أي لا يمنعكم من رؤيته شيء، ولا كذلك يحجبكم عن رؤيته شيء، فالمعنى وضوح الرؤية، وهذا هو قوله: تشبيه الرؤية بالرؤية -أي في الوضوح والجلاء- لا تشبيه المرئي بالمرئي. ويؤيد ذلك أن أحاديث الرؤية كثيرة دلت على هذا المعنى، هذا لو قدر أن المعنى مجمل في هذا الموضع، أو أنه يحتاج إلى شيء من الإيضاح لقيل: وضحته الأدلة الأخرى، فكيف وهو ظاهر؟ وقد ذكر العلماء أن أحاديث الرؤية بلغت أكثر من ثلاثين حديثا، وردت عن أكثر من ثلاثين صحابي، وقد ذكر الكثير منها الآجري رحمه الله بكتابه «الشريعة»، وهكذا اللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، وجماعها الحافظ ابن كثير في أوائل كتابه «البداية والنهاية». قال: يعني أن رؤيتهم لربهم تكون من الظهور والوضوح كرؤية القمر في أكمل حالاته، وهي كونه بدرا، ولا يحجبه سحاب. ويؤكد ذلك رواية البخاري: «إنكم سترون ربكم عيانا»، وهذه اللفظة رواها الإمام البخاري بصحيحه، وهي الصحيحة، وإن كان تفرد بها أبو شهاب عبد الرب بن نافع الحناب عن إسماعيل بن أبي خالد، لكنها رواية صحيحة اعتمدها مثل هذا الإمام البخاري. وزيادة على ذلك نقل الحافظ ابن حجر كلام ابن جرير النحوي أنه من ثقات المسلمين، ونقل عن الهروي في «الفاروق» أن زيد بن أنيسة تابع أبا شهاب على هذه الرواية، فهي رواية ليست شاذة، ومعناها صحيح، فإن النصوص الكثيرة تدل على معناها. وهذا تأكيد لجلاء الرؤية ووضوحها وحقيقتها، وأنها رؤية حقيقية، لا كما يقول الأشاعرة -لا كما يقول الأشاعرة- رؤية قلب، بل هي رؤية عين لا تنافي كمال الرب سبحانه وتعالى. قال: ولهذا قال بعد ذلك «لا تضامون في رؤيته»، رؤية -بتشديد الميم- من التضام، يعني لا تضامون -بتشديد الميم-. قال: بمعنى التزاحم والتلاصق، يعني لا يزاحم بعضكم بعضا، ولا يمنع بعضكم بعضا من الرؤية. قال: والتاء يجوز فيها الضم والفتح «لا تُضامون» و«لا تَضامون»، قال: على أن الأصل «تَتضامون» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. وروي بتخفيف الميم من «الضيم» بمعنى الظلم، أي لا يلحقكم في رؤيته ضيم ولا غبن، يعني لا ينقصكم من رؤيته شيء، بمعنى أنه يمنعكم مانع منه، بل سترونه رؤية تناسب النعيم الذي يكون لكم، ولا يمنعكم من هذه الرؤية وجلائها ووضوحها شيء. قال: وفي حثه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على صلاة العصر وصلاة الفجر خاصة، إشارة إلى أن من حافظ عليهما في جماعة نال هذا النعيم الكامل الذي يضمحل بإزائه كل نعيم. وهو يدل على تأكيد هاتين الصلاتين، كما دل على ذلك الحديث الآخر: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر»، متفق عليه. وهو يشير بهذا إلى ما دل عليه الحديث من أن المسلم ينبغي عليه أن يأخذ بأسباب النعيم، ومن هذا النعيم أعظمه: رؤية الرب سبحانه وتعالى، ومن أسبابه المحافظة على الصلوات، وخاصة صلاة العصر وصلاة الصبح، فإن المحافظة عليهما سبب من أسباب رؤية الرب سبحانه وتعالى. ويدل كذلك على عظم قدر هاتين الصلاتين، وهكذا الجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جاهد نفسه على نومة الليل في قيامه لصلاة الصبح، ونومة القيلولة في الظهر في مجاهدته ومحافظته على صلاة العصر، أكرمه الله جل وعلا تكرمة لعينيه التي جاهدت في طاعته، أن تأخذا من نعيم النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى. والجزاء من جنس العمل. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.