الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 67، الدرس السابع والستون :(وأما ما يتكلفه المعتزلة من جعلهم ناظرة بمعنى منتظرة ... فهو رؤية خاصة ونفي الخاص لا يستلزم نفي مطلق الرؤية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى في الآخرة، مستدلين بآيات قرآنية وتفسيرات شرعية. يُظهر ضعف تفسيرهم للآيات.
يتناول تفسير الآيات التي تدل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ويشير إلى إجماع العلماء على إثبات هذه الرؤية وتفسيرها بالنظر إلى وجه الله تعالى.
يثبت أن إثبات الرؤية يصبح أمرًا مؤكدًا عند وجود أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ويشير إلى اكتفاء الدرس الحالي بهذا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، وهذه الآيات التي أوردها المؤلف حجة على المعتزلة في نفيهم الرؤية. فإن الآية الأولى عُدِّيَ النظر فيها بإلى، فيكون بمعنى الإبصار، يقال: نظرت إليه وأبصرته، بمعنى النظر. وهذا مر معنا، قرأنا وعلمنا أوجه النظر وأنها تأتي بأوجه كثيرة، وهي متضمنة لمعنى النظر، وأصرحها إذا عُدِّيَ بإلى، فإنه ليس فيه إلا إثبات النظر. قال: ومتعلق النظر هو الرب جل شأنه، يعني هو الذي يرى سبحانه. قالوا: أما ما يتكلفه المعتزلة من جعلهم «ناظرة» بمعنى «منتظرة»، وإلى بمعنى «النعمة»، والتقدير: «ثواب ربها منتظرة»، فهو تأويل مضحك. ووجهه أن هذا خروج عن مقتضى النقل والعقل وقواعد اللغة، فإن أدنى من له معرفة يعرف أن هذا التفسير تفسير ساقط، ليس له اعتبار أو مدلول علمي، أو كذلك حتى عقل صحيح. فكيف تكون «ناظرة» بمعنى «منتظرة» والمقام مقام إكرام؟ المقام مقام إكرام، هذا منافٍ للإكرام؛ لأن الانتظار إنما هو امتحان وابتلاء، وهذا ما ينبغي أن يكون، ولا ينبغي أن يقال. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «حادي الأرواح» أنه لا يصح هذا التفسير، وذلك من أوجه: أولًا: أن المقام -كما سمعنا- مقام إكرام، ولا يصح الانتظار مع الإكرام، وهو منافٍ لهذا المقام، ومقام أهل الجنة هو مقام النعيم والإحسان، وليس هذا من الإحسان والنعيم. والثاني: أنه ذكر في الآية «الوجه»، فعلم أن ذكر الوجه له معنى، فعلم أنه ليس إلا نظر العينين، ليس إلا نظر العينين. وهكذا كذلك. وثالثًا: أن «نظر» بمعنى «الانتظار» لا يجوز أن يُعَدّى بـ«إلى»، وهذا بإجماع أهل اللغة والمعرفة بها، لا يجوز أن يُعَدّى بـ«إلى». ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، فلم يقل «إلى»، وإنما قال: «ما ينظرون»، فعلم بأن «ما ينظرون» هنا من الانتظار. وهكذا لو تأملت هذا المعنى في آيات أخرى تجدها مثبتة بهذا. فإذا كان كذلك، فعلم بهذا أن هذا من التفسير الساقط. قال: وأما الآية الثانية، وأعجب من قولهم: «وإلى» بمعنى «النعمة»، يعني «منتظرة للنعمة»، فهذا كذلك ساقط. قال: وأما الآية الثانية، فتفيد أن أهل الجنة -وهم على أرائكهم، يعني أسرتهم، جمع أريكة- ينظرون إلى ربهم. والقرآن يفسر بعضه بعضًا، والسنة تفسر القرآن، فهذه الآية مثل هذه الآية. وهكذا كذلك جاءت الآثار التي تدل على هذا المعنى. أولًا: سياق الآية، فقبلها: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾، أي الكفار، فعلم إذا صار الكفار يحجبون عن الله عز وجل، ثم ذكر بعده نعيم أهل الجنة، وأنهم على الأرائك ينظرون، علم أنهم ينظرون إلى الرب جل وعلا. وهذا المعنى منقول عن جماعة من السلف، فجاء عن ابن عمر مرفوعًا: «أن أهل الجنة ينظرون كل يوم إلى وجه الله سبحانه وتعالى»، رواه ابن جرير. وإن كان به شيء من الضعف، لكن المراد أن هذا قد روي عن جماعة من الصحابة، وهكذا كذلك عن غيرهم. وقد رويت في أغلب هذه الآيات آثار، فمثلًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاظِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، روي عن عكرمة والحسن وإسماعيل بن أبي خالد ومشايخ من الكوفة: أنه النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك آية سورة يونس: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾، وهذا يفسر آية سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاظِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وهذا من الزيادة. وفسرت الزيادة التي جاءت في سورة يونس عن جماعة من الصحابة: أنه النظر إلى وجه الله تعالى. ومن هؤلاء الصحابة أبو بكر وحديفة، وكذلك أبو موسى وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، رواها ابن جرير في تفسيره. وهكذا فسرت آية سورة قاف: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنٍ مَّزِيدٌ﴾، كذلك عن عدد من الصحابة: أنه النظر إلى وجه الله، منهم علي وأنس وجمع. وهكذا كذلك في هذا المعنى، لو تتبعنا الآثار وجدنا في ذلك الشيء الكثير الذي يدل على أن هذه الأدلة مجتمعة على معنى واحد، وهو إثبات رؤية المؤمنين لربهم، رؤية نعيم، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال رحمه الله تعالى: وأما الآيتان الأخيرتان، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل، وهو ما جاء في صحيح مسلم: «الذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، فسر بأنه النظر إلى وجه الله عز وجل. وهذا الحديث قد انتقده بعض أهل العلم، وبعضهم صححه، وهو صنيع الإمام مسلم. لكن كما قلنا: روي في هذا الباب آثار كثيرة، وسواء صح الحديث أو لم يصح، فإن الآثار المروية مع الآيات مع الأحاديث الأخرى التي سيأتي بعضها، كلها تثبت هذا المعنى. قال: قال رحمه الله تعالى: ويشهد لذلك أيضًا قوله تعالى بحق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾، فدل حجب هؤلاء على أن أولياءه يرونه. وهذا من مفهوم المخالفة، بل هنا أولى؛ كون أن الكفار يحجبون، علم أن غير الكفار غير محجوبين. وهذا في النار، فإنهم يحجبون عن الرب جل وعلا. وفي عرصات يوم القيامة، فإن الكفار يحجبون عن الله عز وجل. ولا ينافيه ما جاء في بعض الروايات من أن بعض المسلمين، وفيهم بعض المنافقين، وغبرات من أهل الكتاب يرون الرب جل وعلا. فقد فسر ذلك مع هذه الآية بأن المقصود رؤية نعيم، لا يرون ربهم. رؤية نعيم، فإن المنافقين ولو رأوا الرب جل وعلا فلا يرونه رؤية نعيم، وإنما رؤية غضب وصخب. وفسر كذلك بأن النفي ورد في حق الكفار، لا في حق من كان معه ظاهر الإيمان في الدنيا، سواء من المنافقين أو بعض أهل الكتاب، وإن كانوا يستحقون النار. والتفسير الأول أحسن. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، وأشهرها: أن الكفار والمنافقين يرون الرب في عرصات القيامة، رؤية تعذيب وتعريف. والثاني: أنهم لا يرونه بحال، لا الكافر ولا المنافق. والثالث: أنه يرى المؤمنون الرب جل وعلا، ومعهم بعض المنافقين وأهل الكتاب ممن أظهروا شيء من التوحيد في الدنيا، ولو كانوا يستحقون النار، لما وردت بذلك بعض الأحاديث، ومنها ما جاء في صحيح ابن خزيمة وغيره. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى هذه الأقوال، وهو رحمه الله تعالى سكت في أكثر المواضع، ولم يذكر شيئًا، وذكر رحمه الله تعالى أنه سيفصل في موضع آخر. وفي موضع أشار إلى ما ذكره ابن خزيمة رحمه الله تعالى على وجه الإقرار، وهو الذي ثبتت به السنة، أي إثبات رؤية المنافقين وغبرات من أهل الكتاب، فيكون تفسيره: يرونه رؤية تعذيب وتعريف، لا رؤية نعيم. قال رحمه الله تعالى: وأحاديث الرؤية متواترة في هذا المعنى عند أهل العلم بالحديث، لا ينكرها إلا ملحد زنديق. وسيأتي معنا إن شاء الله شيء من هذه الأحاديث، منها ما جاء في صحيح مسلم، حديث جرير، وبمعنى حديث أبي هريرة، في أن الرب جل وعلا يرى في عرصات يوم القيامة. وهكذا كذلك منها ما جاء: أنه يرى سبحانه وتعالى لأهل الجنة، كما جاء في حديث عدي وحديث جرير، وجماعة من الصحابة. وأكثر الأحاديث في الصحيحين أو في أحدهما، وكثير منها خارج الصحيحين، وهي الصحيحة. وقد ألف عدد من العلماء مؤلفات في ذلك، ومن ذلك كتاب «الرؤية» للدارقطني رحمه الله تعالى. ومما ذكر تلك الأبيات المشهورة التي تدل على أن أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة، كما ذكر الحافظ ابن حجر: مما تواتر حديث «من كذب»، و«من بنى لله بيتًا»، و«احتسب»، و«رؤية»، و«شفاعة»، و«الحوض»، و«مسح خفين». وهذه بعض، والشاهد قوله: «ورؤية»، يعني أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة عند أهل العلم. قال: وأما محتج به المعتزلة من قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فلا حجة لهم فيه؛ لأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية. فالمراد أن الأبصار تارة تراه، ولكن لا تحيط به رؤية، يعني فرق بين الرؤية وبين الإحاطة، وهو الإدراك. قال: ولكن لا تحيط به رؤية، كما أن العقول تعلمه ولكن لا تحيط به علمًا. أنت تعلم ربك جل وعلا من أسمائه ومن صفاته سبحانه وتعالى، ومن آثار أفعاله فيك وفي خلق الله من حولك، فلا تنكر العلم، ولا تنفيه. وعلمك إياه لا ينقص من عظمته شيء، ولكن لا تزعم -وليس وليس عاقل يزعم- أن علم هذا المخلوق يحيط بالخالق أبدًا. فكذلك يقال في الرؤية: فالله سبحانه وتعالى يرى، رؤية لا تنافي كماله وعظمته، ولكن ليس فيها معنى الإحاطة. قال رحمه الله تعالى: فالمراد أن الأبصار تراه ولكن لا تحيط به رؤية، كما أن العقول تعلمه ولكن لا تحيط به علمًا؛ لأن الإدراك هو الرؤية على جهة الإحاطة، فهو رؤية خاصة. ونفي الخاص لا يستلزم نفي مطلق الرؤية؛ كون الذي نفي هو الإحاطة، لا يعني ذلك أن غيره منفي، وهو الرؤية. فكيف هذا إذا لم يثبت أن الرؤية ثبتت، لا يجوز أن ننفي؛ لأن نفيه تخرص بغير علم. فكيف إذا ثبت بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة إثبات الرؤية، فهو من باب أولى يستلزم تأكيد إثبات الرؤية على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. طيب، نكتب بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.