الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 9، تابع : الأصل الأول-معرفة الله تعالى . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدعاء هو العبادة وأساسها، ويشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. صرفه لغير الله شرك أكبر.
دعاء غير الله من الأموات أو الغائبين شرك أكبر، بينما دعاء الحي الحاضر فيما يقدر عليه جائز. التعلق بالأسباب قد يكون شركًا أصغر إذا زاحم التوكل على الله.
الخوف من الله عبادة قلبية، وخوف السر هو خوف العبادة الذي لا يجوز إلا لله. الخوف من غير الله يمكن أن يكون شركًا خفيًا إذا نبع من اعتقاد فاسد.
من لم يدع الله يعتبر مستكبرا عن عبادته، وتركه كفر. الدعاء عبادة لله تعالى، وصرفه لغيره شرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على الأصول الثلاثة: قال رحمه الله: «وقوله: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر»، قال: أي ممن صرف شيئًا من أنواع العبادة التي ذكر المصنف رحمه الله تعالى -يعني من الأنواع التي ذكرها وما كان بمعناها مما لم يذكرها-. قال: مثل أن دعا غير الله من الأموات والغائبين، أو رجاهم أو خافهم. وهل معناه جواز دعاء الأحياء الحاضرين؟ الجواب في هذا تفصيل، فالحي الحاضر يجوز دعاؤه فيما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه فلا يجوز، وهو من الشرك. أما الميت والغائب فلا يجوز أن يدعى؛ لا فيما يقدر عليه ولا فيما لا يقدر عليه. فلو دعوت الغائب أو الميت فيما يقدر عليه الحي الحاضر لصار شركًا، ولو دعوته فيما لا يقدر عليه الحي الحاضر فهو أشد شركًا. مثال الأول: لو أن إنسانًا غرق في البحر، فقال لإنسان حاضر حي: يا زيد، أنقذني وأخرجني مما أنا فيه، هذا يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ دعاء ونداء لحاضر حي فيما يقدر عليه، يستطيع بإذن الله سبحانه وتعالى إن كان يحسن السباحة وعنده الأسباب التي تعينه على إخراجك من الغرق أن يفعل ذلك. لكن إذا قلت لإنسان غائب -ولو كان حيًا- مثل ما يفعل اليوم الصوفية، وللأسف يرددونه ويفتخرون به، يقول أحدهم: كنا أن نغرق فنادينا يا حبيب فلان أنقذنا، فأنقذنا الحبيب فلان، وهو حي لكنه غائب، هذا الشرك الأكبر؛ لأنهم جعلوا هذا المخلوق له من الصفات ما هي للخالق؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وليس هذا قدرة المخلوق، فقد جعلوا للمخلوق شيء من صفات الخالق، فهو شرك. وأعظم منه لو قالوا لإنسان ميت: يا محضار أنقذنا، أو يا فلان أنقذنا، لكان شركًا أكبر. فننتبه لهذا، فهذا أمر دقيق. فدعاء غير الله من الميت أو الغائب من الشرك الأكبر، ودعاء الحي الحاضر فيما يقدر عليه جائز، وفيما لا يقدر عليه شرك. فلو دعا حي حاضر، فقال له: يا زيد، اشفني، يا زيد، هب لي الولد، هل يجوز أن يطلب مثل هذا من المخلوق؟ لا يجوز؛ طلبه من المخلوق شرك؛ لأن هذا لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. فإذا هناك ثلاث صور للشرك: أن يطلب من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك أكبر، أن يدعى ويطلب من الحي لكن الغائب ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك أكبر، ومثله لو طلب منه فيما يقدر عليه الإنسان الحاضر الحي، فطلبه من الغائب الحي شرك أكبر، وهكذا. ثالثًا: أن يطلب من الميت -سواء ما يقدر عليه الحي أو ما لا يقدر عليه- فهو من الشرك الأكبر. فننتبه لهذا. وهل يقع شرك أصغر في الدعاء؟ الجواب: نعم، يقع كذلك شرك أصغر في الدعاء، فلو تعلق قلب المخلوق بالمخلوق، فزاحم المسبب -المخلوق سبب، وليس هو المسبب- المسبب من؟ الله سبحانه وتعالى. فإذا زاحم ذلك نافى -نافى تمام التوكل على الله- فعند ذلك يكون شركًا أصغر؛ إذ التعلق بالأسباب من الشرك الأصغر. أما إذا اعتقدها أنها تنفع وتضر بذاتها، فهو شرك أكبر؛ إذا اعتقد أنها تضر وتنفع بذاتها، فهو الشرك الأكبر. مثال ذلك ما روي عن ابن عباس وغيره في قول القائل: لولا الكلبة في الدار لسرق اللص، أو نحو ذلك، فهذا عبارة فيها عدم أدب مع الله سبحانه وتعالى، ولهذا عده بعض أهل العلم أنه من الشرك الأصغر. وأعظم منه لو كانت تعلق بهذا السبب، وصل إلى اعتقاد في القلب -مثل أن لا يسافر إنسان إلا بوجود فلان من الناس- مع وجود أسباب السلام الأخرى؛ لتعلق قلبه به أنه سبب لسلامته -إما ظن منه أنه سبب بركة، أو كذلك أن عنده من الخبرة ما يكون به نجاته- فمثل هذا الاعتقاد يضر؛ لأنه لو وجد من عنده هذا السبب ما يرضى إلا فلان، صار تعلق بذات الشخص -لا لخبرة ولمعرفة- ولكن تعلق اعتقاد، مثل ما نقول: صار عنده شيء من التطير، فهذا من الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى: «مثل أن دعا غير الله من الأموات والغائبين، أو رجاهم أو خافهم، أو سألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات أو غير ذلك، فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملة، كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة». والشرك والكفر قد يطلقان، أو يطلقان بمعنى واحد، وهما من الألفاظ التي إذا افترق اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا. إذا أطلق الكفر قد يدخل فيه الشرك، فيقال: فلان كافر، قد يكون كافرًا لكونه مشركًا، أو لكونه كافرًا بغير الشرك -كتاب أو كونه ملحدًا- كله يدخل فيه. وإذا اجتمعا، قيل: هذا كافر، وهذا مشرك، فرق بينهما. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهو الكفر بالله وسم لمن لا إيمان له». وقد يفرق بينهما، فيخص الشرك بقصد الأوثان وغيرها من المخلوقات، مع الاعتراف بالله، فيكون الكفر أعم. وهذا إذا اجتمع الكفر والشرك، فالكفر أعم؛ لأنه يتناول المشرك، ويتناول الملحد، ويتناول من عنده سبب كفر -حتى المرتد- فأهل الكتاب وأهل الردة وأهل الشرك بأنواعهم كلهم يدخلون في معنى الكافر، والملحد يدخلون جميعًا في معنى الكافر. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾» قال: أي ومن أشرك بالله لا حجة له ولا بينة؛ لأنه لا حجة لأحد في دعوى الشرك، ولا برهان له به. قال: «فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون»، أي: الله يحاسبه على ذلك فيجازيه بما يستحقه على شركه، ثم أخبر أنه لا يفلح الكافرون، فسماهم كافرين. وهذا هو الشاهد: فمن صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو كافر -حتى ولو كان مسلمًا- إسلامه ينتقض؛ لأنه بهذا فعل ما يبطل الإسلام. الآية عامة -من ألفاظ العموم- ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ فلو سجد لله الليل والنهار، ثم سجد لغير الله، وطلب من غير الله، واعتقد في غير الله ما لا يجوز إلا لله، فقد أبطل كل ما كان منه من عبادة؛ كما تقدم معنا. ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿لَا يَفْلَحُ الْكَافِرُونَ﴾ كما تقدم معنا، يتناول المشرك والملحد والمرتد والكافر -يتناول كم؟ أربعة أصناف-. فمن كان من أصله مشركًا، فدعا لغير الله، فهو مشرك كافر، والملحد كذلك، والكافر كذلك، والمسلم لو فعل هذا لصار كذلك كافرًا؛ لأن الكافر يشمل هذه المعاني الأربعة. قال: «لدعائهم مع الله غيره»، ولا ينازع مسلم في كفر من دعا مع الله غيره. وليس الدعاء ينحصر بدعاء الأصنام، بل دعاء غير الله يتناول كل معنى هذا الغير. فلو دعا صنمًا، أو حجرًا، أو شجرًا، أو قبرًا، أو وليًا، أو صالحًا، أو حتى نبيًا، أو ملكًا، فكل ذلك يعد من دعاء غير الله، فالآية عامة. قال: «وفي الآية أوضح برهان على كفر من دعا مع الله غيره -سواء كان المدعو ملكًا أو نبيًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًّا-» وهذا ظاهر تمام الظهور. فالأول متفق عليه -كما قال: لا ينازع مسلم- لكن الثاني ينازع فيه بعض عباد القبور، ومن فيهم لوثة وثنية، فيزعمون أن ما يفعلونه مع من يعبدونهم -من قبور أو قباب لصالحين أو حتى لأنبياء أو غيرهم- أن هذا من تعظيمهم، يسمونه تعظيمًا، ويسمونه كذلك شفاعة، وهو من جنس فعل المشركين. فإن المشركين ما كانوا يعترفون أن ما يفعلونه مع ما كانوا يعبدونها شركًا؛ كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَةً﴾ هكذا زعموا، وهكذا زعم المشركون المتأخرون. ولهذا لا فرق بين من توجه بالدعاء، فسماه دعاء، أو سماه شفاعة، أو سماه تعظيمًا، فمن دعا غير الله فقد أشرك. قال رحمه الله تعالى: «قوله: وفي الحديث: الدعاء مخ العبادة»، هذا شروع في ذكر أدلة أنواع العبادة التي عدها مجملة. فأما الإسلام والإيمان والإحسان، فسيأتي مفصلًا في الأصل الثاني إن شاء الله -سيمر بنا- قال: وبدأ بعدها بالدعاء؛ لأنه أهمها. فقال: «وفي الحديث -يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم- الدعاء مخ العبادة»، ومخ الشيء: خالصه. وفي لفظ: «الدعاء هو العبادة»، وهذا الثاني هو الأصح. الأول حديث أنس عند الترمذي وغيره، وفيه ابن لهيعة، وهو على الراجح ضعيف، وهو اختلف فيه. ابن لهيعة على ثلاثة أقوال، وعلى قول من فصل، وقال: بقبور روايته من طريق العبادلة، وعد أُناسًا، وهذا أوسط الأقوال. فهذا ليس من طريق العبادلة؛ لأنه من رواية الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة، والوليد بن مسلم يدلس تدليس تسوية، ففيه علتان -هي سبب في تضعيف هذا الحديث- وكون العلماء استدلوا به أولًا؛ لكون علة الحديث خفية -فابن لهيعة عند بعض أهل العلم مقبول الرواية- والوليد بن مسلم تدليسه تدليس تسوية خفي، فلهذا رواه هذا الحديث، واحتج به. وثانيًا: لأن معنى الحديث مؤيد بأدلة أخرى -منها الحديث الثاني- وحديث النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة» الذي رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما، وهو صحيح. فإذا الاستدلال بالثاني هو الأحوط والأفضل -من جهة المعنى ومن جهة كذلك السند- فالخلاصة: الحديث يدل على ما أشار إليه رحمه الله، وبدأ المؤلف رحمه الله بالدعاء؛ لأنه حقيقة العبادة، يكاد العبادة يجتمع عمرها على الدعاء. والدعاء قسمان: دعاء مسألة باللسان، ودعاء عبادة بالجوارح. فأنت حين تصلي تدعو الله بجوارحك أن يتقبل الله منك طاعتك، ويدخلك الجنة، وينجيك من النار، فهذا دعاء بلسان الحال. وحين تقول: يا رب اغفر لي، يا رب انصرني، يا رب احفظني، هذا دعاء مسألة. وكله دعاء؛ إذا كل العبادات قلبية وقولية تدخل في معنى الدعاء. ولهذا ابتدى بها المؤلف رحمه الله، وأمر آخر: لأن المسألة العظيمة التي وقع فيها أهل الشرك قديمًا وحديثًا هي الدعاء -دعاء غير الله- ولو تأملنا الأدلة من الكتاب والسنة، وجدنا الكثير منها في الدعاء. قال رحمه الله تعالى: «وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بضمير الفصل والخبر المعرف بالألف واللام؛ ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء -يعني كأنه قال: الدعاء هو العبادة- مثل: الحج عرفة، وضمير الفصل من فوائده أنه يؤتى به فيفيد الحصر». قال رحمه الله: «أو إنما هي الدعاء نفسه»، ثم الدعاء نوعان: دعاء مسألة، وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر -يا رب اغفر لي، يا رب ادخلني الجنة، يا رب نجني من النار، ونحو ذلك- جلب نفع أو دفع ضر. قال: «والنوع الثاني: دعاء عبادة -بأي نوع من أنواع العبادة- وهو ما لم يكن فيه سؤال ولا طلب، وهذا يكون في الظاهر وفي الباطن -بالأقوال وبالأفعال-». فأنت حين تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، هذا دعاء مسألة. وحين تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير، هذا دعاء مسألة. وحين تعتقد في قلبك أن الله وحده القوي العزيز الحكيم العليم، هذا دعاء عبادة. وحين تعتقد في قلبك أن الله وحده الإله الحق، فهو الذي يرجى، وهو الذي يسأل، وهو الذي يخاف منه، ويحب، ويخضع له، ويذل، هذا أعمال قلبية عبادة. وهكذا إذا فعلت شيئًا من صلاة ووضوء، وذهب وإياب إلى المسجد، وغير ذلك من أعمال الخير، أو تترك حتى المحرمات، وتترك الشرك، وتترك البدع، وتعتقد حرمتها، فهذا كله دعاء عبادة. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾». قال: «أمر تعالى عباده أن يدعوه، ووعدهم أن يستجيب لهم، فدل على أن الدعاء عبادة -بل هو أجل العبادات وأساسها- ودل على أنه سبحانه يحب من عباده أن يدعوه، وأن الدعاء مما يحبه الله». وفي الحديث: «من لم يدع الله -وفي رواية: من لم يسأل الله- يغضب عليه»، فدل هذا على أن الدعاء من أجل العبادات؛ كما قال رحمه الله؛ لأنه قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فالله عز وجل رغب عباده في دعائه، ولا يرغب إلا فيما يحب. بل قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فدل على أن من يمتنع عن دعائه فهو مستكبر عن عبادة الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك سمى الدعاء عبادة بقوله: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فسمى الدعاء عبادة، وهذا هو ما في الحديث: «الدعاء هو العبادة»، فإذا كانت عبادة، فصرفها لغير الله ماذا؟ شرك. وهذا هو الذي تقدم، فإذا كان كذلك، علم أن من التوحيد أن يدعى، ومن الشرك أن يصرف لغير الله، ومن الكفر عدم الدعاء. انتبهوا لهذا: من التوحيد أن يدعى، ومن الشرك أن يدعى غيره، ومن الكفر أن لا يدعى. فالمؤمن الذي يقصر في دعاء ربه مؤمن متصف بصفات من؟ الكافرين؛ لأن الكافر ما عنده رب يدعوه، وأنت مؤمن، أين دليل إيمانك؟ أن تدعو الله سبحانه وتعالى -بدعاء العبادة ودعاء المسألة- فتملأ وقتك وتحتسب كل قول وفعل بعبادة الله سبحانه وتعالى، وأنت بهذا مؤمن. أما الكافر فهو ليس له رب يدعوه، فهو لا يدعو ربه سبحانه وتعالى، فالكافر والمشرك سيدخل جهنم داخرًا، ومن تشبه بالكافر والمشرك بقليل أو كثير، فإنه يدخل جهنم داخرًا -يعني الذي يدعو غير الله أشرك، والذي لا يدعو الله كبرًا، كذلك وقع منه الكفر-. لكن إن لم يدع ربه سبحانه وتعالى عجزًا وتقصيرًا، فإنه ينقص من إيمانه ومن توحيده ما ينقص منه الأجر، بل وربما قد يوقعه في الوزر؛ لأن من العبادة ما هو واجب، ومن العبادة ما هو واجب، فالصلاة عبادة، وأنواع من الواجبات عبادة. قال رحمه الله تعالى: «نعم، والحديث الذي أشار إليه -اللفظ الأول- فيه ضعف، من لم يدع الله يغضب عليه، وكان الشيخ الألباني رحمه الله ضعفه بالضعيفة، لكن تراجعًا هذا التضعيف؛ لأن الحديث الثاني -حديث حسن- من لم يسأل الله يغضب عليه، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد ذكره في الصحيح». وبه نعرف أن الحديث قد تكون له شواهد أو متابعات بالمعنى. فننتبه لذلك، فالحديث حديث حسن على الصحيح، أو صحيح باللفظين. وهل في هذا دليل على أن عدم دعاء الله سبحانه وتعالى معصية؟ الجواب: نعم، ولا يمكن أن يكون مؤمن لا يحصل منه دعاء -أي دعاء عبادة أو دعاء مسألة- ما يمكن. فأقل الدعاء ما يكون في الواجبات، ومن الواجبات الصلاة، فمؤمن ليس عنده دعاء فهو ناقص في إيمانه، بل نص العلماء أنه كافر -العهد الذي بينه وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر- حديث بريدة رضي الله عنه. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: داخرين، سمى الدعاء عبادة، وجاء في القرآن في غير موضع أنه عبادة -يعني في قوله: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ سمى الدعاء عبادة- قال: فصرفه لغير الله شرك أكبر، كما تقدم، وعدم فعله كفر». صرفه لغير الله شرك، وعدم فعله كفر. قال: «وأخبر تعالى أن الذي منعوا من عبادة الله والاستكبار -فجوزوا بهذا الجزاء الفضيع- أي: دخولهم جهنم داخرين». قال: «وهو دخولهم جهنم صاغرين، ذليلين حقيرين، عقوبة لهم على ما تركوه من عبادة الله التي فرضها عليهم، وهذا ظاهر الدلالة على المقصود». قال رحمه الله: «وقوله: ودليل الخوف -أي: وأنه عبادة من العبادات القلبية، بل هو ركن العبادة الأعظم، ولا يستقيم إخلاص الدين لله الذي أمر الله بعبادته إلا به- والخوف مصدر خاف، فزع ووجل، لكن الخوف يتعلق بالمكروه، والفزع بما فاجأ منه فهو أخص». قال: «وهو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل أو بتوقع مكروه آجل»، والوجل من غير متعد، والخوف من متعد، فإذا هذه ثلاثة ألفاظ بينها فرق، وقد يعبر بهذا عن هذا، أو هذا عن هذا، فهي إذا افترقت اجتمعت، وإذا اجتمعت افترقت. وكله إذا كان فيه معنى الخضوع والذل والرغبة والرهبة، وما كان بمعناه مما لا يجوز إلا لله، فهو عبادة. وأما إذا كان على وجه طبيعي فطري، فهو خوف عادي فطري لا يؤاخذ عليه الإنسان. فخوف الإنسان من السبع، وخوفه من النار، هذا خوف فطري، وهو من باب الأخذ بالأسباب. وأما خوفه من الولي، ومن الشجر والحجر الذي يعبد، فهذا خوف عبادة لا يجوز أن يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. فإذا نفرق: فهناك أعمال وأقوال هي من باب العمل بالأسباب -فعلها أو تركها من باب الأخذ بالأسباب- مثل الزواج لطلب الولد، والعمل لطلب الرزق، ونحو ذلك. وهكذا كذلك يقال في التروك؛ فإن التروك منها ما يترك من باب الأخذ بأسباب النجاح، فهذا لا شيء فيه. وأما إذا كان فيه خضوع وذل ورغبة ورهبة في خير أو فرار من شر، فهذا لا يجب أن يكون إلا من الله، بل لا يجوز أن يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «والله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ كما سيأتي». قال: «وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أول الآية: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أن يعظمهم في صدوركم، ويوهمكم أنهم ذو بأس -يعني شدة ومنع وقدرة- فنهاكم أن تخافوا أولياءه الذين خوفوكم إياهم -سواء أحياء كالسحرة والمشعودين والكهنة، أو أموات أولياء كما زعموا، أو غير ذلك مما يعبد من دون الله-». قال: «وخافوني أي: في مخالفة أمري، وتوكلوا علي؛ فإني كافيكم -أي: كل ما يضركم- ومن تعلق بالله فإنه ناصره سبحانه وتعالى، ولو اجتمع الإنس والجن وأهل الأرض جميعًا لا يضرونك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». قال: «﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جعله شرطًا في صحة الإيمان، فكما أنه إذا دعا غير الله، أو سأل غير الله انتفى عنه الإيمان، فكذلك إذا خاف غير الله -خوف السر- وخوف السر هو خوف العبادة، يفسر بخوف السر». مثل أن يخاف أن يفعل به شيئًا بسره، فإن الخوف أنواع، منه خوف السر، فإذا خاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو مشرك كافر. قال: «وفي الآية دليل على أن من لم يخف الله فهو ليس بمؤمن، ومن خاف من غيره فهو مشرك»، فإذا يحذر المسلم من هذين المعنيين في كل صفة ومعنى مما يكون فيه معنى العبادة لله عز وجل. وكذلك من خوف العبادة ما قد يكون كذلك من اعتقاد من دون فعل، قد يكون مع هذا العقيدة فعل. فمثلًا: من قرب للولي خشية أن يعاقبه بعدم تقريبه، أو زاره خشية أن يصيبه بمصيبة في عدم زيارته -خوف هذا شركي- وتقريبه تقريب شركي، وهو كفر وشرك. أو كذلك نذر النذور، أو غير ذلك، كل هذا شرك. ومنه: وهذا خفي ما قد يكون من دون فعل ظاهر، وهو ما يكون من خوف في السر، فلا يحدث به أحد، ولا يحدث فعلًا، لكن أصابته مصيبة، فوقع في قلبه أن هذا بسبب تقصيره في حق هذا الولي، فخاف، ولم يفعل شيء، لكن وقع في قلبه هذا الخوف -حتى أنه عزم على أن يرضي هذا الولي بأي شيء يكون به دفع سخطه عليه- فهو -ولو لم يفعل شيئًا- قد وقع في الكفر والشرك بهذا الاعتقاد. فقد يكون الشرك في الخوف حتى بدون فعل ظاهر -بمجرد هذه العقيدة الفاسدة في القلب-. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى جلسة لاحقة. والله تعالى أعلم.