الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 38، الدرس الثامن والثلاثون : من :(مثاله فيما يتعلق بالله تعالى أن يتوهم واهم ... كان شاكاً فيما أنزل إليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع أمثلة على التشابه في الصفات الإلهية وتفسير الآيات المتشابهة، ويبرز أن الصواب هو ما عليه أهل السنة والجماعة. يشرح المذاهب الثلاثة في التعامل مع مثل هذه الآيات.
يتناول المقطع مسألة التناقض الظاهري في بعض آيات القرآن ويبين أنه ظاهري وليس حقيقيًا. يشرح كيفية حل هذا الإشكال من خلال فهم سياق الآيات ودلالة النصوص.
يشرح المقطع كيفية فهم الآيات القرآنية بشكل صحيح ويبين أن بعض التفاسير الخاطئة تنتج عن الجهل أو التعمد. يوضح أن بعض الآيات تُفهم على وجه التنزل وليس على ظاهرها.
المقطع يشرح أن الاشتباه في فهم النصوص قد ينشأ من سوء الفهم أو شبهة في المعنى أو تعارض ظاهري. يشير إلى أن هناك أوجهًا متعددة للتعامل مع هذه الحالات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح الرثيمين، رحمه الله تعالى، في كتابه «أصول في التفسير»: طيب، قال: مثاله فيما يتعلق بالله تعالى أن يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين. وهذا مثال للمشتبه الذي هو فيما يتعلق بالله تعالى. يقول: أن يتوهم واهم في هذه الآية أن المقصود باليدين هو المماثلة لأيدي المخلوقين. وهذا الوهم جاء من جهة أنه -فيما يزعم- لا يعلم معنى لليد إلا ما علمه من أيدي المخلوقين. وهذا خطأ؛ لأنه مردود بنص الكتاب، والقرآن فسر بعضه بعضًا. فالله عز وجل قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولهذا فالناس في مثل هذه الآيات على ثلاثة مذاهب: الممثلة، الذين تمثلوا صفات الرب جل وعلا بصفات خلقه، وهؤلاء على خطأ، يرد عليهم دليل القرآن والسنة والمعقول. فأما دليل القرآن: قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ونحوها من الآيات. وأما دليل السنة: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن ربكم ليس بأعور»، وقوله عليه الصلاة والسلام كذلك في تعظيم الرب جل وعلا في أحاديثه: أنه جل وعلا ليس مثله شيء. هذه أدلة عامة، وأدلة خاصة التي وردت في سائر الصفات، فهي تدل على أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء. وهكذا كذلك المعقول؛ فإن وصف الخالق ليس كوصف المخلوق. فإذا كان المخلوق -وهو مخلوق- لا يتساوى ولا يتماثل مع اختلاف خلقته، فمن باب أولى -ولله المثل الأعلى- أن يكون هناك فرق بين الخالق والمخلوق. والله جل وعلا من عظمته أنه لا يماثله شيء من خلقه، وهذا هو الواجب. وهكذا قول الطائفة المحرفة، الذين حرفوا هذه الصفات عن ظواهرها -سواء بتعطيلها بالمرة، فينفون الصفات، أو كذلك يصرفوها إلى معاني أخرى- ليست هي على ما دل عليه ظاهر اللفظ. وكل الطائفتين كذلك على ضلال وخطأ. فلا نقول: إن اليد ليست تثبت لله عز وجل، فتنفى -كقول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون الصفات مطلقًا- ولا نقول: بأن اليد هي النعمة، كما يقول الأشاعرة والكلابية والماتريدية، ومن كان على طريقتهم؛ إذ أنهم يفسرون الكثير من الصفات بثمرتها ولوازمها. وكل الطريقتين على خطأ. والصواب ما عليه أهل السنة والجماعة، مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة: أن تثبت هذه الصفات لله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولهذا قال الشيخ: «أن يتوهم واهم؛ لأن الوهم في مقابل الظن، وهو العلم المرجوح الذي يقابله راجح أولى منه». فالراجح قول أهل السنة، وهو الحق، وهو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. والمرجوح هو قول هؤلاء الذين ضلوا في هذا الباب. قال: «ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله: أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا». وهذا الواهم هو أحد رجلين: إما جاهل، وإما معاند ومماري بالباطل. أما الجاهل: فينبغي عليه أن يعرف قدر نفسه، ويسأل من هو أعلم منه، كما أمر الله عز وجل في هذا الباب. فمن لم يعلم معنى: ليس معناه أن ما يتوهمه من وهم، وما يدخل في قلبه من شك: أنه هو العلم. لا، بل ينبغي أن يعرف قدر نفسه، ويستسلم لشرع الله ودينه؛ إذ قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فما لم يعلم معناه: يرجعه إلى من يعلم معناه من أهل الرسوخ من أهل العلم. وأما المعاند والمماري بالباطل: فهذا لا حيلة عليه؛ فمثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. وسنة الله: ألا يسلم صاحب الحق من مخالفين ومخاصمين. لكن صاحب الحق يبين: أن ما ظننت -أو زعمت، ظننت للجاهل، وزعمت للمعاند- أن فيه تعارض: ليس به تعارض. وجوابه عند الرسوخ: كذا وكذا. فقوله رحمه الله: «أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا»، حيث يقول -أو حين يقول-: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، فهنا أثبت ربنا جل وعلا في هذه الآية: أن الحسنة من الله، والسيئة من نفس الإنسان. قالوا: يقول في موضع آخر: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وظاهر هذه الآية الأخرى: أن الحسنة والسيئة كله من عند الله. فيظن ظان بالجهل أو العناد: أن هذا فيه ما يدل أن القرآن فيه تناقض؛ كما قد يزعمه بعض الكفار والملاحدة وأعداء الدين، أو يدخل في قلوب بعض الجاهلين على وجه الشك والوهم؛ بسبب جهلهم وخوضهم فيما لا يعلمون، وعدم تأدبهم في شرع الله كما أمرهم الله. وهذا له جواب عند أهل العلم، بل أجوبة له أجوبة عند أهل العلم. وقد ألف العلماء في ذلك مؤلفات خاصة، وذكروا الجواب عليه في كتب التفسير. فأكثر المفسرين أجابوا على مثل هذا، وجمعوا في مثل هذه الآيات؛ ليبينوا ما معنى الجمع، أو ما ظاهره التعارض: ما جوابه في هذه الآيات؟ وأقرب جواب: أن يقال: إنه ليس فيه تناقض. أولًا: ينبغي أن تسلم إذا علمت أن الله جل وعلا -الذي خلق الخلق- أعلم بما يصلحهم؛ فينبغي أن تسلم أن الجميع حق، وليس فيه شيء من التناقض. وهكذا كذلك ثانيًا: أن تعلم أن سياق الآية الأولى ليس كسياق الآية الثانية. وهذا يوجب لك -ولو لم تعلم الجواب- أن هناك فرق بين الآية الأولى والآية الثانية. فالآية الأولى قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، والآية الثانية قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، ما قالوا: من أنفسنا، قالوا: من عندك. وهذا من تشاؤمهم؛ كتشاؤم الكافرين من قبل. فإن قوم موسى: كان إذا أصابهم شيء من ذلك تطيروا بموسى ومن معه. وهكذا كذلك أنبياء ورسل ودعاة: كان قومهم يتطيرون بهم؛ فيردون السيئة إلى رسلهم ودعاتهم، ويردون الحسنة إلى أنفسهم. وهذا هو الجمع بين المعنيين، أو أحد أوجه الجمع بين المعنيين؛ يعني: لا يتشاءم بأن السيئة -السيئة سببها فلان أو فلان- لا، بل الكل بقدر الله، وبمشيئة الله سبحانه وتعالى. وأما المعنى الأول: ﴿مِنْ نَفْسِكَ﴾، هو مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ فينبغي أن نفهم ذلك. وله أوجه أخرى ذكرها بعض أهل العلم؛ فينظر في مثل تفسير ابن جرير، وابن كثير، والشيخ ابن سعدي، وهكذا ابن الجوزي، وكلام شيخ الإسلام، وتلميذ ابن القيم، وهكذا كذلك للشيخ الشنقيطي -رحمه الله- كتاب عظيم، هو «دفع إيهام الاضطراب في آيات الكتاب». قال: «ومثاله فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًا فيما أنزل إليه». وهذا فهم خاطئ. كيف هذا؟ ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد استأمنه الله جل وعلا على شرعه ودينه، وقد علم من سيرته ومن حاله ما يدل على منافاة هذا الفهم الخاطئ. وإنما يأتي هذا الفهم الخاطئ عند أحد رجلين -كما قلنا-: جاهل جاهل الشرع؛ فلذلك التبس عليه مثل هذا اللفظ الذي قد يظن ظان -أو نقول: يتوهم متوهم- أنه على معنى فاسد. وأما من علم ما علم من دين الله جل وعلا وشرعه وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام: لا يمكن أن يرد عنده مثل هذا الفهم. أو رجل معاند قصده بذلك هو وضع شيء من أوجه الاعتراض والمخاصمة بالباطل. فقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ قَرَأُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، هذا على وجه التنزل، وهو قطب له ولأمته من بعده. فهو مثل قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. وهل يمكن أن يتصور أن يقع الشرك من النبي عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: لا، النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي حارب الشرك، وكاد أن يقتل من أجله عليه الصلاة والسلام. لكن هو من باب التنزل. فإذا كان هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام -وهو المعصوم- فهو في حق من دونه من باب أولى. وهكذا كذلك يقال في هذه الآية: فإذا كان هذا في حق المعصوم عليه الصلاة والسلام من الشك، فهو في حق من دونه من باب أولى؛ يعني: احذروا -يا أهل الإسلام- أن يقع في قلبكم شيء من الشك، أو يا من طالب الحق: أن يقع في قلبك شيء من الشك فيما جاء به هذا الرسول. فإن كان كذلك: فاسأل الذين قرأوا الكتاب لتعلم أنه على صدق، وأن ما جاء به حق، ولا تكونن من الممترين. ولم يكن نبينا عليه الصلاة والسلام من الممترين. لكن إذا كان هذا الخطاب في حق نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو المعصوم- فهو في حق من دونه من باب أولى. هذا هو المعنى الذي ينبغي أن يتوجه إليه. ولأهل العلم أجوبة أخرى؛ يرجع في مضانها كما سبق. لكن ينبغي -كما سبق- أن يعلم الإنسان أولًا: أنه إذا اشتبه عليه شيء أن يعلم أن ليس في كتاب الله جل وعلا شيء من النقص، بل كله محكم؛ فلذلك يتهم نفسه بالجهل وعدم الفهم. وثانيًا: أن يرجع إلى ما أمره الله الرجوع إليه، وهو أن يسأل أهل الرسوخ في العلم. وأن لا يخوف ما لا يعلم؛ فإن الخوض ما لا يعلم من أعظم الذنوب والمعاصي. فالله جل وعلا جعله مقترنًا بالشرك؛ كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وبهذه الأمثلة الثلاثة نعلم -وسيأتي إن شاء الله معنا ذكر شيء من أسباب التشابه به- نعلم أن الاشتباه قد يأتي من جهتي فهم خاطئ في المعنى؛ بسبب شبهة وباطل في نفسي هذا الناظر في اللفظ الذي هو يحتمل أكثر من معنى، أو يكون كذلك بما ظاهره التعارض وليس فيه تعارض، أو كذلك بما ظاهره الخطاب للمخاطب وليس المقصود كذلك. وهذا كله له أوجه في اللغة وفي الشرع؛ ففي اللغة قد يأتي الخطاب للإنسان وليس المقصود به الإنسان، وهذا كثير؛ إذا المقصود به شيء آخر، إما ضرب مثل أو عبرة ونحو ذلك. وسيأتي إن شاء الله في الكلام على الأسباب شيء مما يفسر فيه القول. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.