شرح أصول في التفسير للعثيمين 17

شرح أصول في التفسير للعثيمين 17

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 17، الدرس السابع عشر : من : ( 5-كتابة القرآن وجمعه ... عن أبي الدرداء رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ترتيب سور القرآن الكريم وتوقيفه

تناول الشيخ مسألة ترتيب سور القرآن الكريم، وأشار إلى أن الراجح هو القول بالتوقيف. وناقش بعض الآراء الفقهية حول هذا الموضوع.

أدلة ترتيب القرآن وتوقيفه

استند المقطع إلى أحاديث نبوية وآثار صحابية ليثبت أن ترتيب القرآن توقيفي وأنه لا يجوز تغييره. وناقش بعض الشواهد والآراء الفقهية حول هذا الموضوع.

مرحلة الجمع الأول للقرآن

في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانت هناك مرحلة الجمع الأول للقرآن، حيث اعتمد الصحابة على الحفظ أكثر من الكتابة. وكان القرآن يُكتب على وسائل مختلفة.

ختام الدرس والتأكيد على أهمية العلم

تم الانتهاء من درس اليوم مع التمنيات بالقبول، والإشارة إلى درس قادم. وتم التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قبل القراءة، نراجع يسيرًا مر معنا في درس الأمس: ترتيب القرآن، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام. نعم، من يذكر هذه الثلاثة؟ فضلًا. نعم، ومرة معنا أنه بترتيب الكلمات الصحيح، أنه ثابت بالنص والإجماع. طيب، ما دليل النص؟ نعم، دليل النص... نعم. هذا بالنسبة لترتيب الآيات، لكن ترتيب الكلمات نعم، نزوله كذلك، وقراءة الصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك، والأصل هو التوقيف. وقد نقل الإجماع على ذلك أحد من أهل العلم. وترتيب الآيات دليله ما ذكر من حديث عبد الله بن الزبير في صحيح البخاري. وترتيب السور فيه خلاف كما مر معنا، والصحيح أنه -والله تعالى أعلم- على التوقيف. طيب، قبل القراءة في الفصل الجديد، أنبه لتنبيه؛ لأن بعض الإخوة ربما ظن أن التنبيه أو أن القول الذي ذكر من أن الراجح هو التوقيف خلاف الصواب، أو أنه خلاف قول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وكما قلنا في حقيقة الأمر، مع كون هذا هو الراجح، فإنه ينبغي أن يعلم أن نهاية القول عند الجميع هو ماذا؟ هو عدم جواز تغيير ما في المصحف في الترتيب، كما مر معنا. نهاية القول. فلهذا أحببت أن أشير إلى الخلاف في المسألة إشارة حتى يزول مثل هذا الإشكال. فينبغي أن نعلم أولًا أن هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة ذكرها العلماء في كتبهم، ومن أقرب وأيسر المراجع في ذلك ما ذكره السيوطي، رحمه الله تعالى، بكتابه «الإتقان». القول الأول: أنه اجتهادي، والقول الثاني: أنه أكثره توقيفي، والقول الثالث: أنه توقيفي. وقد مال رحمه الله تعالى إلى الثالث، ونقل كلام أهل العلم في ذلك. فممن قال بأنه اجتهادي -كما أشار رحمه الله تعالى- أنه نُقل عن إمام مالك وأبي بكر ابن الطيب في أحد قوليه. وروي عن بعضهم أن أكثره توقيفي، وذكر هذا ابن عطية وانتصر له في تفسيره. والثالث: ذكر أن كله توقيفي، ليس أكثره فقط، بل كله توقيفي، ونقل ذلك عن جماعة كثيرة من أهل العلم، وأشار منهم إلى قول ابن الحصار، بل بعضهم نقل الإجماع، قول المكي، رحمه الله، وهكذا كذلك قاله الكرماني والطيبي والزركشي والآلوسي. وهكذا كذلك مال إليه الحافظ ابن حجر في «الفتح» في شرح حديث 4612. بل قال الزركشي، رحمه الله تعالى، بعد أن نقل قول مالك: «وإنما الخلاف لفظي». ثم نقل ما نُقل عن الإمام مالك، رحمه الله: «إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم» مع قوله بأنه ترتيب السور باجتهاد منهم. يعني يقول: مع قول الإمام مالك بهذا القول، فهو قال: هذا الذي سمعناه أنهم ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني سماعهم له على هذا الترتيب وهذا السياق في ترتيب السور. قال رحمه الله: «فآل الخلاف إلى أنه هو بتوقيف قولي أو بمجرد إسناد فعلي». يعني انتهى القول إلى أن قول إمام مالك، رحمه الله، في النهاية هو التوقيف. وكما قلنا: لو قلنا إنه اجتهادي أو أن أكثره توقيفي وبعضه اجتهادي، آل الأمر في نهاية الأمر في فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه ماذا؟ أنهم أجمعوا على أن المصحف يكتب على هذا النسق الذي هو مصحف عثمان، وبقوا على هذا إلى يومنا هذا، فأجمع عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين وجميع المسلمين إلى يومنا هذا، فلا يجوز خلافه. فصار الخلاف لفظيًّا. ومع هذا، فلا مانع أن ينبه أن الصحيح هو أنه توقيف، كما نقل ذلك ابن الحصار، ونقل الإجماع فيه بأنه لا يجوز القول بخلاف ذلك. فإن القرآن الذي نزل على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلمه الصحابة هو هذا عينه الذي أجمع عليه الصحابة في عهد عثمان، لم يغير منه آية ولا كلمة ولا سورة، بل هو على هذا النسق وهذا الترتيب بحروفه وألفاظه وترتيبه. وقد مرت معنا قرائن تدل على ذلك، من ذلك ما سمعنا في قصة عبد الله بن عباس مع عثمان رضي الله تعالى عنه أرضاه. ومنها كذلك ما روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في حديث عائشة: أنه جاء عراقي فقال: «أي الكُفا خير؟» قالت: «ويحك، وما يضرك؟» قال: «يا أم المؤمنين، أريني مصحفك». وهذا هو الشاهد. فقالت: «لما قال لعلي يؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف». ومعنى يقرأ غير مؤلف: غير مجتمع سور هنا وسور هنا وسور هنا. قالت: «وما يضرك؟ أيَّة قرأته أو قيه قرأته؟» أي أنت. «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل» -تعني تريد أن أول ما نزل من القرآن سور من المفصل- «ثم ذكرت بعد ذلك أنه ذكرت الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام». وأنه لو نزل تحريم الخمر وتحريم الزنا من أول الأمر لم يستجيبوا إلى ذلك. ثم ذكرت رضي الله عنها وأرضاها بأن أول ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام هي: ﴿سَاعَةُ الْفَصْلِ أَفَلَا يَذَرُونَ ۝١﴾ [القمر:1] يعني سورة القمر، من أوائل ما نزل، وهو من أواخر القرآن في الترتيب، وهو من أوائل ما نزل في مكة. وأن سورة البقرة والنساء ما نزلت إلا وهي عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور». وفي هذا دليل أولًا على أن نزول القرآن كان مفرقًا كما سمعنا. وأما ترتيبه، فكان كما يفهم من هذه القصة على ما هو عليه في مصحف عثمان. فإنها أبانت أن ما نزل في مكة لا يدل على أنه أول القرآن. فإن سورة القمر من أواخر القرآن في الترتيب، ومع ذلك هو من أوائل ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام. ويدل عليه كذلك ما رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال رضي الله عنه وأرضاه: «إن بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء من العتاق» -يعني من السور القديمة- «وانظر إلى هذا الترتيب: ذكر سورة الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء». وهذا هو ترتيب السور الذي في مصحف عثمان. وهذا هو ترتيب السور الذي في مصحف عثمان، فعلم أنه توقيفي. وهكذا كذلك في البخاري: حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى الرجل إلى فراشه أن يقرأ بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] والمعوذتين. وهذا هو ترتيب هذه السور كذلك في القرآن. وهكذا كذلك في حديث عبد الله بن مسعود: أن عشرين سورة كان يقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثمانية عشر من المفصل، وسورتين من الحواميم. وهذا كله يدل على أن ترتيب القرآن كان توقيفيًّا، وهذا هو الراجح. ولو قلنا أن على القول الأول أو على القول الثاني، فكما قال الزركشي رحمه الله تعالى: فنهاية الخلاف أنه خلاف لفظي. فلا يوجد أحد من المسلمين يجوز له اليوم أن يقول -فضلًا أن يوجد قائل يقول بهذا- أنه يجوز أن يكتب المصحف ويخرج إلى الناس كمصحف على خلاف هذا الترتيب الذي أجمع عليه الصحابة في عهد عثمان رضي الله عنه أرضاه. فننتهي بهذا إلى أنه على أي الأقوال قيل، ففي النهاية لا يجوز إلا أن يبقى مكتوبًا ومقروءًا في الترتيب على ذلك. ومع ذلك لا يعني أنه يجوز أن يكتب في غير مسمى مصحف، ويجوز أن يقرأ كذلك على خلاف هذا الترتيب؛ لما ثبت بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه وغيره من الأحاديث الأخرى. وأما الجواب عما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن مصاحف بعض الصحابة كانت ليست على الترتيب الذي كان في مصحف عثمان، فالجواب عليه: أنه كما قال غير واحد، وأجاب عليه السيوطي رحمه الله في «الإتقان»: أن الجواب عليه أنهم لم يكتبوه كمصحف -كما سيأتي معنا في ترتيب جمع القرآن وكتابته- فإنهم كتبوه كسور، فربما كتبوا السورة بحسب نزولها، ولم يكتبوه كترتيب المصحف. وأما فيما تعاهدوه وعلموه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم لم يعلموا إلا هذا، لم يعلموا إلا هذا. يعني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ القرآن على هذا الترتيب وهذا النسق في آياته وكلماته وسوره، وهذا الذي أجمع عليه الناس في عهد عثمان. وسيأتي معنا -إن شاء الله- زيادة بيان في الفصل الآتي. طيب، نقرأ. قال رحمه الله تعالى: «خامسًا: كتابة القرآن وجمعه». طيب، ويجوز وجمعه. قال: «لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل: المرحلة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي تسمى مرحلة الجمع الأول». قال: «وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة». وهذا كما قال غير واحد من أهل العلم: من خصائص هذه الأمة أن أمة الإسلام وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خاصة من أعظم خصائصهم الحفظ. فإنهم كانوا يحفظون أكثر مما يكتبون، ومن أسباب ذلك أنها كانت أمة أمية -يعني لا تقرأ- أكثرهم لا يقرؤون، فلهذا كان اعتمادهم أكثر ما يكون على الحفظ بالسماع، على الحفظ بالسماع. فكان الواحد منهم يسمع السورة فيحفظها. قال: «وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة؛ لقوة الذاكرة وسرعة الحفظ وقلة الكاتبين ووسائل الكتابة، قلة من يكتب وقلة وسائل الكتابة». ولذلك لم يجمع في مصحف. بل كان من سمع آية حفظها أو كتبها فيما تيسر له من عسب النخل -جمع عسيد، وهو طرف جريد النخل العريض- فإنه يمسح ويكتب عليه. قال: «ورقاع الجلود» -يعني قطع الجلود المدبوغة، قد تكون قطعة كبيرة، وقد تكون قطعة صغيرة- «ولخاف الحجارة» -ومعنى لخاف الحجارة: يعني الحجارة الفِطْحَاء الملساء التي يمكن أن يكتب عليها كألواح الخشب- «ويتشبه العظام وكسر الأكتاف» -كذلك كتف بقرة أو جمل أو غير ذلك- قال: «فيما تيسر له». وكان القراء عددًا كبيرًا -يعني الذين يحفظون القرآن- وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سبعين قارئًا إلى بعض قبائل العرب. وهذا يدل أن القراء الحفاظ في زمن النبي عليه الصلاة كانوا كثيرًا. قال: «في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سبعين رجلًا يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل ودكوان، عند بئر معونة فقتلوهم» -يعني تعرضوا لهم فقتلوهم- «وفي رواية في حديث أبي رافع: أنهم غدروا بهم». قال: «والصحابة غيرهم كثير» -يعني من الحفاظ- «كالخلفاء الأربعة، عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء رضي الله عنهم». فهؤلاء كذلك من القراء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عبد الله بن عمر في البخاري قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل». وفي حديث أنس حين سئل عن جمع القرآن من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر هؤلاء الأربعة وزاد: «أبو زيد». فقيل له: «من أبو زيد؟» قال: «أحد عمومتي». والحديث كذلك في البخاري. وفي رواية أخرى في حديث أنس: أنه ذكر «أبو الدرداء» بدلًا من عبد الله بن مسعود، والحديث كذلك، وهذه الرواية في البخاري. وهكذا كذلك قصة عبد الله بن عمر في الصحيحين، ففيها أنه كان ممن يحفظ القرآن، فكان يقرأه في النهار ليقوم به في الليل، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه أن يختمه في كل ثلاث ليال. وهكذا بحديث أبي موسى، وحديث الأشعريين: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرف مواضع بيوت الأشعريين مما يستمع من قراءتهم. وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أن القراء كانوا كثيرًا في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا نوع من أنواع حفظ القرآن. فإذا كان حفظ القرآن في أول أمر هذا الإسلام وأول نزول القرآن على طريقتين: حفظه في الصدور، وحفظه بكتابته -إما في عسب النخل والرقاع الجلود واللخاف والأكتاف وغير ذلك- وكل هذا كان في محضر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويدل كذلك على ذلك -أي أن من جمعه وحفظه بزمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حفظه بهذه الكتابة- ما جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو في الترمذي بإسناد صحيح، قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نؤلف القرآن من الرقاع ولخاف الحجارة» إلى آخر ما ذكر. فدل على أنهم كانوا يكتبون، وكان زيد بن ثابت أحد الكتبة الذين كانوا يكتبون الوحي ويكتبون القرآن في هذه الوسائل التي كانت متيسرة في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتب بهذا، ونقبل -إن شاء الله- بدرس لاحق. والله تعالى أعلم.