الرسالة القبرصية  3

الرسالة القبرصية 3

الدرس في الرسالة القبرصية 3، الدرس الثالث:(وكان بنو إسرائيل قد عتو و تمرَّدوا وكان غالب أمره اللين و الرّحمة والعفو و الصفح...مع أن المسيح والحواريون كانوا على شريعة التوراة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفرق الناس في المسيح عليه السلام

تفرق الناس في المسيح عليه السلام إلى ثلاث فرق، وبيان آراء كل فرقة. يُظهر الشيخ بطلان آراء اليهود والنصارى ويُبين المعتقد الصحيح.

تناقض عقيدة التثليث والاتحاد

عقيدة التثليث والاتحاد لدى النصارى تناقضية ولا يمكن تفسيرها بشكل منطقي. عقلاء النصارى يرفضونها، ومن يبقى عليها إما جاهل أو منافق.

تحليل حال النصارى وعلمائهم

النصارى وعلماؤهم ورهبانهم انشغلوا بالعلوم الدنيوية والفلسفات، وخالفوا شريعة المسيح وموسى. يُظهر الشيخ حيل الرهبان في إضلال العامة.

تحريف التوراة وأحكامها الأصلية

التوراة الأصلية كانت تحتوي على أحكام شرعية، لكنها حرفت فيما بعد. الدين الأصلي هو دين إبراهيم والأنبياء من بعده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى في ثنايا رسالته إلى ملك قبرص، وما فيها من رده على النصارى: «وكان بنو إسرائيل غد عتوًا وتمردوا، وكان غالب أمره اللين والرحمة والعفو والصفح، وجعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، وجعل منهم قسيسين ورهبانًا». ومعناه أن الله عز وجل بعث عيسى عليه الصلاة والسلام بما هو علاج لما كان عليه بنو إسرائيل من اليهود وغيرهم من التمرد والعتو. فإنهم الذين قتلوا الأنبياء، وهم الذين تحايلوا على شريعة الله كما تقدم، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾. فهذا حالهم، وهذا وصفهم، وهم الذين كانوا على ذاك العتو والتمرد، فكان من حكمة الله عز وجل أن أرسل إليهم عيسى عليه الصلاة والسلام، الذي غالب أمره اللين والرحمة والعفو والصفح. وهذا كثير فيما في أيدي النصارى من كتبهم الدينية، سواء الإنجيل أو غيرها. فمن ذلك أنهم ينقلون عن عيسى عليه الصلاة والسلام: «إذا ضربك في خدك الأيمن فأعطه خدك الأيسر» وغير ذلك مما هو الغالب على ما جاء به المسيح عليه الصلاة والسلام من الدعوة إلى اللين والرحمة والعفو والصفح. ولهذا تربى الكثير منهم على هذا، وزادوا على ذلك حتى حصلت منهم رهبانية ابتدعوها، ما كتبها الله عز وجل عليهم، كما أخبرنا الله عز وجل بذلك في قوله: ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾. وهذه الرهبانية من عند أنفسهم، أما الرأفة والرحمة فمما بعث به المسيح عليه الصلاة والسلام. وهذا هو التفسير الصحيح لمعنى رهبانية، وليس الرهبانية شرعها الله، ولا كذلك أذن الله بها، وإنما هو مما ابتدعوه وأحدثوه. قال رحمه الله: «فتفرق الناس في المسيح عليه السلام ومن اتبعه من الحواريين عليهم السلام ثلاثة أحزاب». وقوله: «في الحواريين عليهم السلام» ليس تقريرًا، كما هو لا شك أنهم أنبياء كما زعم النصارى، ولكن من باب التعظيم الشرعي لهم، بما لا يظن أن عيسى عليه السلام يطعن في أمثال هؤلاء، ولا كذلك يطعن في حق المسيح عليه الصلاة والسلام. ولكن مع هذا، كما سيأتي إن شاء الله، هم من خلص أتباعه، فالحواري في اللغة وفي الشرع هو الناصر القريب الذي ينصر الرسول أو غير الرسول. فالحواريون هم الذين نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام، وكانوا اثني عشر رجلًا. وهذا كذلك مدون عندهم في الأناجيل، وهم الذين يسمون في أناجيلهم بالتلاميذ، يسمون بالتلاميذ، وسموا حواريين من باب النصرة والتأييد الذي كان هذا وصفهم به. فإنهم نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام، ودعوا إلى الله وإلى توحيد الله وإلى ما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام على الوجه الحق. قال رحمه الله: «افترقوا ثلاث أحزاب، يعني ثلاث فرق، قال قوم كذبوا وكفروا به، وزعموا أنه ابن غية، ورموا أمه بالفرية، ونسبوه إلى يوسف النجار، وزعموا أن شريعة التوراة لم ينسخ منها شيء، وأن الله لم ينسخ ما شرعه». وهذا بعد ما فعلوه بالأنبياء، وما كان عليهم من الآصار في النجاسات والمطاعم. وهؤلاء هم اليهود، فهذا وصفهم. فإنهم الذين لا يقولون بالنسخ، وزعموا -وهذا من عنادهم ومن مكابرتهم- أنه يستلزم على الله البداء. وقالوا: هذا يعتبر قدحًا في حق الله أن نقول: شريعة تنسخ شريعة، أو أن كذلك كتاب ينسخ كتاب. فكذبوا بالنسخ، وأنكر وزيادة على هذا كذبوا برسالة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأعظم من هذا رموه كذبًا وكفرًا وعنادًا أنه ابن زنا -والعياذ بالله- وهذا هو معنى قولهم: «ابن غية» يعني ابن زنية، ورموا أمه بهذه الفرية الشنيعة. والله عز وجل قد برأها من فوق سبع سماوات، بما أنزل على عيسى، وما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويوسف النجار -كما ذكر أهل التاريخ والسير- كان من عباد بني إسرائيل، وزعم هؤلاء اليهود أنه كانت له علاقة؛ لأنها كانت عابدة، وكان هو عابدًا، فزعموا أنه زن بها. والله عز وجل قد برأها من فوق سبع سماوات. وهكذا كذلك ما ذكره مما كانوا عليه من الشدة والعتو، أنزل الله عز وجل عليهم من الأحكام ما كان من جنس ما كان عليه. قال رحمه الله: «وقوم غلوا فيه، وزعموا أن الله أنه الله أو ابن الله، وأن الله تدرع الناس، وأن رب العالمين نزل، وأنزل ابنه ليصلب ويقتل فداء لخطيئة آدم عليه السلام». وجعلوا الإله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد قد ولد، واتخذ ولدًا. وأنه الإله حق حي عليم قدير، صار جوهرًا ثلاثة جواهر، ثلاثة أقانيم. وأن الواحد منها قنوم الكلمة، وهي العلم التي تدرعت الناسوت البشري. مع العلم بأن أحدها لا يمكن انفصاله عن الآخرين إلا إذا جعلوه ثلاثة آلهة متباينين، وذلك ما لا يقولونه. وتفرقوا في التثليث والاتحاد تفرقًا. وهذه هي مقولة النصارى، وهم الفرقة الثانية في المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، الذين غلوا فيه ووقعوا في هذا القول الشنيع أنه ابن الله. وتارة يقولون: الله، وتارة يقولون: أن ذلك عبارة عن جوهر مكون من أقنومين، وهو تدرع اللاهوت بالناسوت. ويريدون باللاهوت: الله عز وجل، والناسوت: الإنس، فيزعمون أن الرب -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا- تلبس في جسد عيسى. فعيسى عندهم -وهذه مقولة من مقولاتهم- عبارة عن تلبس إله بإنسان. وكل هذه المقولات من الغلو في عيسى عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته﴾. وقولهم: «وأن رب العالمين نزل، وأنزل ابنه ليصلب ويقتل فداء لخطيئة آدم عليه السلام». هذه أحد التفسيرات في كونهم مع ادعائهم معنى الألوهية في عيسى، فكيف يقتل ويصلب وهو إله؟ والإله هو القوي الذي يقدر على الخلق، ولا يقدر عليه. فأجابوا عن ذلك بهذه الفرية وهذه الخرافة التي يكذبون بها على أنفسهم. وأكثر مقولاتهم مأخوذة من أهل الضلال من ممن سبقهم، سواء من أهل الأوثان أو من الفلاسفة أو كذلك -كما سيأتي إن شاء الله- من بعد من ضل من أهل الكتاب. فيزعمون أنه فعل ذلك لأجل أن تكفر خطيئة بني آدم. ولهم في هذا تفسيرات عديدة في معنى هذا التكفير. فتارة يقولون: أراد أن يفر من الشيطان لأجل أن يكفر خطيئة بني آدم. وتارة يقولون: إنما فعل ذلك لأجل أن يحمل خطايا بني آدم وخطايا الأنبياء من قبله، فيدخل بهم وبأرواحهم الجنة. فكل خطيئة -كما يزعمون- تقع لبني آدم قد تحملها المسيح، وهو يتحملها عنهم. ثم لهم في هذا وسائل للوصول إلى ذلك. تارة بسقوق الغفران، وتارة بالشرك الذي يقدم للصليب، وغير ذلك من بدع وخرافات وعقائد منحرفة ضالة. يزعمون أنها بها يتحقق معنى حمل المسيح عليه الصلاة والسلام خطايا بني آدم. وصدق الله إذ يقول: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. قال رحمه الله تعالى: «وجعلوا الإله الأحد الصمد إلى آخره». يعني أنهم ما علمهم أن الله الحق هو إله أحد صمد، أم يلد ولم يولد، ولم يكن له كف أحد، فزعموا أنه ولد واتخذ ولدًا. وهذه عقيدة النصارى. وإذا قيل لهم: كيف اتخذ ولدًا؟ أتجيزون أن تجعلوا هذه الصفة في حق الله سبحانه وتعالى؟ اختلفوا في تفسير ذلك على أقوال كثيرة، كما بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رده عليهم في كتابه العظيم في الرد على النصارى. وقولهم: «صار جوهرًا ثلاثة جواهر ثلاثة أقانيم». الأقانيم عندهم بمعنى الجواهر، وهم مختلفون في هذه الأقانيم. فتارة -كما ذكرها هنا- وهذا هو المشهور عنهم، الذي هو قول أكثرهم: أنها عبارة عن ثلاثة جواهر في لاهوت واحد. ويجعلون هذه الأصول الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، على ما هو مشهور معلوم عند النصارى. وهناك أقوال أخرى. فتارة يجعلونها صفات وخواص، وتارة يجعلونها أشخاصًا، وتارة يجعلون ذلك معنى يتناول الذات والصفة معًا. فهم لم يتفقوا على معنى واحد في معنى الأقنوم. وهي كلمة محدثة أحدثها بعض هؤلاء، وانتشرت عندهم، فصار من عقيدتهم، مع عدم اتحاد رأيهم في تفسير هذه الأقانيم. قال رحمه الله: «مع العلم بأن أحدها لا يمكن انفصاله عن الآخرين إلا إذا جعلوا ثلاثة آلهة متباينين، وذلك ما لا يقولونه». يعني: مما يدلك على تناقضهم. والشيخ يختصر ويكلمهم بعبارات يعرفونها ويفهمونها. والكثير من عقلائهم يتعبون في التفكر والتأمل فيها، ولا يقبل ذلك. كما ذكر رحمه الله في مواضع من كتبه. ونحن هذا الإمام من القيم رحمه الله، لا يقبل عقيدة النصارى إلا أحد رجلين: غبي ليس عنده ما يميز به هذا التناقض، فهو بهذا يرضى بهذه العقيدة ويتابع ويقلد عليها. أو دكي، لكنه يريد الدنيا، ويؤثرها على الآخرة، فلذلك هو يعلم أن ما يعتقده باطل لا يقبله عقل، فضلًا عن شرع. ولكن لأجل الرئاسة أو الملك أو المنصب أو أي شيء آخر من معاني الدنيا، فهو يبقى على عقيدة النصارى. قال رحمه الله: «وتفرقوا في التثليث والاتحاد تفرقًا وتشتتًا، لا يقر به عقل، ولم يرد به نقل إلا كلمات متشابهات في الإنجيل، وما قبله من الكتب». قد بيّنتها كلمات محكمات في الإنجيل، قد بيّنتها كلمات محكمات في الإنجيل، وما قبله، كلها تنطق بعبودية المسيح. يعني: الواجب بعد الوقوف على تلك العبارات الصريحة التي تدل على أن المسيح عليه الصلاة والسلام أثبت لنفسه العبودية، وأنه رسول من عند الله سبحانه وتعالى، ما يكفي لهؤلاء لو أرادوا الحق. فمن تلك العبارات -على سبيل التمثيل- وإلا فقد أشار في الأصل في كتابه «الجواب الصحيح» إلى شيء كثير من ذلك. ما نقل في إنجيل يوحن الإصحاح الرابع في رقم 34: أن المسيح قال: «تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني، إن شاء أحد أن يعمل بمشيئة، يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي؟ من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه، وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق، وليس فيه ظلم». وهذه العبارة منقولة في إنجيل الصحاح في إنجيل يوحنا في الإصحاح السابع رقم 16 و18. فهذا قليل من كثير مما فيه: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أثبت لنفسه أنه عبد رسول، وأن الله عز وجل الإله الحق هو الذي بعثه. وأنه لا يدعي لنفسه شيء من الكلام، بل كله من الله، ومبلغ عن الله، وأنه لا يطلب بذلك ترفعًا على الناس، ولا مجدًا لنفسه، وإنما يطلب تبليغ رسالة الله، وأنه صادق في ذلك، ولو فعل غير هذا فهو من الظالمين، والظلم لا ينفع أحدًا. قال رحمه الله تعالى: «ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله وبرسله، كما قال خاتم المرسلين: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله﴾، وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». كان أهم أمر الدين توحيد الله تعالى، والإقرار برسله. ولهذا كان المشركون كالبراهمة ونحوهم من منكر النبوات مشركين بالله في إقرارهم وعبادتهم، وفاسد الاعتقاد في رسله. فأرباب التثليث بالوحدانية والاتحاد في الرسالة قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بيّن بفطرة الله التي فطر الناس عليها، وبكتب الله التي أنزلها. قال: «إذا صار الرجل منهم فاضلًا مميزًا، فإنه ينحل عن دينه، ويصير منافقًا لملوك أهل دينه، وعامتهم يرضى بالرياسة عليهم، وبما يناله من الحظوة». كالذي كان ببيت المقدس، والذي يقال له: ابن البوري، والذي كان بدمشق، والذي يقال له: ابن القف، والذي بقسطنطينية، وهو الباب عندهم. قال: «وخلق كثير من كبار البابوات والمطارنة والأساقفة، لما خاطبهم قوم من الفضلاء، قرروا لهم أنهم ليسوا على شيء من عقيدة النصارى، وإنما بقاؤهم على ما هم عليه لأجل العادة والرياسة». كبقاء الملوك والأغنياء على ملكهم وغناهم. ولهذا تجد غالب فضلائهم إنما همه همة أحدهم نوع من العلم الرياضي، كالمنطق والهيئة والحساب والنجوم، أو الطبيعي، كالطب ومعرفة الأركان، أو التكلم في الإله على طريقة الصابئة الفلاسفة الذين بعث إبراهيم الخليل عليه السلام إليهم. قد نبذوا دين المسيح والرسل قبله وبعده وراء ظهورهم، وحفظوا رسوم الدين لأجل الملوك والعامة. يشير هنا رحمه الله: أن عقيدة النصارى عقيدة لا يستصيغها عاقل منصف. ولذلك فإن عقلاء النصارى الذين لم يخرجوا من دين النصارى تشاغلوا بغير دين النصارى، حفاظًا على الملك والرئاسة، كما ذكر رحمه الله. فالكثير منهم إما ينشغل بالعلوم الدنيوية، كهذه العلوم التي أشار إليها: علم الرياضي، والمنطق، والهيئة، والحساب، والنجوم، أو علوم الطبيعة، كالطب ومعرفة الأركان. وإما أن ينشغل بالعلوم الدينية، لكن ليس على دين النصارى؛ لأنهم يعلمون أن دين النصارى فيه من الخرافة، وفيه من الكذب والتناقض الشيء الكثير، فهم لا يطيقون الدراسة فيه، ولا الخوض فيه، وليس فيه أصلًا من الكتب ما يستدعي أن يعتنى بها. ولكن إن شغلوا بعلم الفلاسفة من الصابئة وغيرهم، فعند ذلك كانت علومهم الإلهية في الحقيقة هي من فلاسفة أهل اليونان، وأهل الهند، وصابئة البراهمة وغيرهم. فمن برع منهم في الإلهيات، لا تجد كلامه عن دين عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا عن النصارى، إنما أكثر كلامه في الفلسفات، وفيما عليه أهل اليونان، حتى طغت عقائد اليونان على النصارى، لاعتناء علماء النصارى بعلوم اليونان، وتهميشهم وإهمالهم لدين المسيح، ومن قبله، ومن بعده، كما أشار رحمه الله تعالى. وهذا كله حفاظًا على الملك، وعلى ما هم عليه من الرئاسة والزعامة. وأما من صدق منهم، وأنصف، لم يجد بدًا إلا أن يرجع ويدخل في دين الإسلام، وقد حصل هذا للكثير منهم، كما أشار رحمه الله في كتابه العظيم «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح». قال رحمه الله: «أما الرهبان، فأحدثوا من أنواع الحيل والمكر على العامة ما يظهر لكل عاقل». حتى صنف الفضلاء في حيل الرهبان كتبًا. مثل النار التي كانت تصنع، بقمامة، يدهنون خيطًا دقيقًا بسندروس، ويلقون النار عليه بسرعة، فتنزل، فيعتقد الجهال أنها نزلت من السماء. ويأخذونها إلى البحر، وهي من صنعة ذلك الراهب، يراه الناس عيانًا، وقد اعترف هو وغيره أنهم يصنعونها. ولهذا اتفق أهل الحق من جميع الطوائف على أنه لا يجوز إضلال عباد الله تعالى بشيء ليس له حقيقة. وقد يظن المنافقون أن ما ينقل عن المسيح وغيره من الأنبياء من المعجزات من جنس النار المصنوعة. وكذلك حيلهم في تعليق الصليب، وفي بكاء التماثيل التي يصورونها على صورة المسيح وأمه وغيرها، ونحو ذلك. كل ذلك يعلم كل عاقل أنه إفك مفترى. وأن جميع أنبياء الله، وصالح عباده، براء من كل زور وباطل وإفك، كبراءة من سحر سحرة فرعون. وهذا توضيح لطائف أخرى من حال النصارى، وهم الرهبان العباد الذين الكثير منهم يقوم على الكنائس. فإنهم كذلك يتعيشون باسم الدين، وكلما جذبوا الناس إلى الكنيسة، جاءهم من العطاء ومن البذل الشيء الكثير. فلذلك اشتهر عند النصارى الحيل في جلب الناس إلى تلك الكنائس. قال رحمه الله: «ثم إن هؤلاء عمدوا إلى الشريعة التي يعبدون الله بها، فناقضوا الأولين من اليهود، مع أنهم أمورون بالتمسك بالتوراة إلا ما نسخه المسيح». وهذا من ضلال النصارى كذلك؛ لأن المسيح عليه الصلاة والسلام إنما جاء بتجديد بعض ما أمر الله عز وجل به، ومتابعة ما صح وبقي من دين موسى وشريعة موسى عليه الصلاة والسلام. ولكن الكثير من النصارى كفر بما عليه اليهود، وزعموا أن الكفر باليهود انتقام من اليهود على كفرهم بعيسى عليه الصلاة والسلام. وليس كذلك، بل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعًا هم رسل الله، وجاءوا بدين الله وشريعة الله. وكل منهم يخبر بمن بعده، ويأمر بالتصديق به، ومن بعده يأمر بالتصديق بمن قبله، وخصوصًا عيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام. فإن شريعة عيسى لم تنسخ كل شريعة موسى، وإنما نسخت بعض الأحكام. فظل اليهود في التكذيب بعيسى وشريعته، وما كان من نسخ لشريعة موسى. وظل من ظل من النصارى في التكذيب بموسى، أو التكذيب بكل شريعة موسى عليه الصلاة والسلام. وهكذا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم جميعًا. قال رحمه الله: «قصر أولئك في الأنبياء حتى قتلوهم، وغلا هؤلاء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم». يريد بأولئك اليهود، ويريد بهؤلاء النصارى. فأولئك اليهود جحدوا الأنبياء وقتلوهم، والنصارى غلوا وعبدوهم، ويريد عبادة عيسى عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك الصالحين من أتباعه. قال: «وقال أولئك: إن الله لا يصلح له أن يغير ما أمر به فينسخه، لا في وقت آخر، ولا على لسان نبي آخر». وهؤلاء هم اليهود. «وقال هؤلاء: بل الأحبار والقسيسون يغيرون ما شاءوا، ويحرمون ما رأوا، ويبيحون ما رأوا، ومن أذنب ذنبًا وضعوا عليه ما رأوا من العبادات». قال: «فيجعل الفجور قربانًا». وهذا ما يفعله الباطنية من الصوفية، يتشبهون بعقيدة النصارى. فكل أهل الفجور والفساد والشر يقلد بعضهم بعضًا، ويسمونه دينًا. قال: «وقال أولئك: حرم علينا أشياء كثيرة». وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. وفي حديث عدي بن حاتم: لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشكلت عليه هذه الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم يكونوا يحلون لكم الحرام، فتحلونه، ويحرمون عليكم الحلال، فتحرمونه؟» قال: «بلى يا رسول الله». قال: «فذلك عبادتهم إياهم». كلمة النبي صلى الله عليه وسلم كلمة مجملة، يفهمها عدي بن حاتم؛ لأنه كان من النصارى. وكل نصراني، وكل من قرأ واطلع على دين النصارى عن قرب، يعرف أن من دين النصارى: أن الأحبار والرهبان والقسيسون يملكون التحريم والتحليل، وفرض العبادات، وإسقاط ما شاء من العبادات، وإعطاء الغفران، ومنع الغفران، وغير ذلك مما هو معروف من دين النصارى. والعقلاء منهم يعرفون أن هذا من أكبر الدجل. ولهذا دعاهم هذا وغيره إلى الإلحاد والزندقة والكفر بالله والرسل والكتب وغير ذلك. فظنوا أن كل دين الله من جنس دين النصارى، وليس الأمر كذلك، بل هؤلاء كانوا حجر عثرة، وتشويهًا، ومنفرين عن دين الله سبحانه وتعالى الحق. قال: «وقال هؤلاء: ما بين البقة والفيل حلال، وكل ما شئت، ودع ما شئت». ومعناه: أن التحليل والتحريم صار بالهوى، وصار كذلك بما يراه لهم علماؤهم. والبقة والفيل يريد: الحقير والكبير. فليس هناك شيء يحرم. «وقال أولئك: النجاسات مغلبة، حتى إن الحائض لا يقعد معها في بيت، ولا يؤكل معها». وهذا مشهور عند اليهود. فإذا قال: «أولئك» يريد اليهود. وإذا قال: «هؤلاء» ممن يخاطبهم في الكتاب، وهم النصارى. قالوا: «هؤلاء يقولون: ما عليك شيء نجس». ولا يأمرون بختان، ولا غسل من جنابة، ولا إزالة نجاسة. مع أن المسيح والحواريين كانوا على شريعة التوراة. فالتوراة تأمر بالاغتسال، وتأمر بالختان، فهو دين إبراهيم عليه السلام، والأنبياء من بعده، ويأمرون بإزالة النجاسة والطهارة. ولكنهم غيروا وبدلوا. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى ديس اللاحق. والله تعالى أعلم.