الدرس في الرسالة القبرصية 1، الدرس الأول:(من أحمد ابن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملّته ... والمناهج التي كانت قبله صلى الله عليهم وسلّم أجمعين إلى يوم القيامة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ابن تيمية كتب رسالة إلى ملك قبرص سرجوان لنصرة المسلمين الأسرى وتعذيب النصارى لهم، وأهمية الرسالة في دعوة الخلق إلى توحيد الله. كانت قبرص منطلقًا للنصارى الصليبيين ضد المسلمين.
أهمية رسالة الإمام الذي كتبها بعد خروجه من السجن للمرة السابعة، ويشير إلى اهتمامه بأمور المسلمين وجهوده في إخراج الأسرى من أيدي التتار ومخاطبة النصارى لفك أسر المسلمين.
رسالة من شيخ الإسلام ابن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته، حيث يمتدح ابن تيمية علمه وخبرته ويبرز أهمية رسالته في الدعوة إلى الله ومراعاة المصالح والمفاسد، وتبدأ بالبسملة والثناء على الله والصلاة على النبي وآله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه رسالة من رسائل شيخ الإسلام ومفتي الأنام الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، عالم أهل زمانه ومن برع في أنواع العلوم في جميع أنواعها وأبوابها، فكان فارسها كما يقال في ميدانه. هذا الإمام العلم الذي شهد القريب والبعيد بإمامته وواسع درايته رحمه الله رحمة واسعة، رسالة ألفها رحمه الله تعالى لسبب عظيم، وهي أولًا نصرة للمستضعفين من أسرى المسلمين من الفقراء والمساكين ممن أسروا في أيدي النصارى، مع ما بلغه من تعذيب النصارى لهم وأذيتهم لهم. وهكذا أيضًا أداءً لما أوجب الله على أهل العلم من أتباع الأنبياء والمرسلين مما علموا من أحكام الله والدين من تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ودعوة الخلق أجمعين إلى ما يجب من توحيد رب العالمين. وكان من ذلك هذا الخطاب لملك قبرص في زمان الشيخ رحمه الله تعالى المسمى بسرجوان أو سرجوس، ويزداد أهمية هذه الرسالة ما كانت تعيشها تلك الفترة من أمور عظيمة بين المسلمين والنصارى. فقد كانت حروب سجال مستمرة في تلك السنوات بين المسلمين وبين النصارى الصليبيين، وقد ذكر أهل التاريخ والسير عددًا من الأحداث والأمور العظيمة التي وقعت بين المسلمين والنصارى في تلك السنوات. وكانت بلاد قبرص وهي البلد المشهورة والجزيرة المعلومة إلى يومنا هذا هي منطلق هؤلاء النصارى ينطلقون منها ويجتمعون من بلاد النصارى المتفرقة ويأتون على المسلمين. فكانت من أهم ثغورهم، وكونه يكتب بمثل هذه الرسالة إلى هذا الموضع الذي يعتبر من أهم وأعظم مواضع النصارى ولملكهم، فهذا يدل على أهمية هذا الخطاب وكونه يصدر من هذا الإمام الشيخ رحمه الله. وهو من عرفنا ممن جمع علمًا غزيرًا ومعارف كثيرة، وهكذا أيضًا خبرة لا تخفى، وقد مرت عليه من أحوال من سبق بسعة اطلاعه وكثرة قراءته، وهكذا كذلك مما جرى في زمانه من أنواع مناظراته، وكذلك صنوف جهاده بالسيف والسنان وبالحجة والبرهان. ويزداد الأمر أهمية وما يدعو إلى الاعتناء أنه ألف هذه الرسالة بعد خروجه من السجن للمرة السابعة، فإنه كما ذكر في ترجمته كتب هذه الرسالة بعد سنة تسعة وتسعين وستمائة للهجرة، يعني معناه قبل وفاته بتسع وعشرين سنة أو أقل. وخرج منها رحمه الله تعالى في تلك الأيام من السجن للمرة السابعة، فقد سجن مرات وكرات رحمه الله رحمة واسعة لأمور كثيرة كلها في ذات الله سبحانه وتعالى ونصرة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجاهدة لأهل الباطل تارة بالحجة والبرهان وهذا أكثر، وتارة بالسيف والسنان وهذا كذلك قد وقع له مرات وكرات. ومما يدلك على عظيم شأن هذا الإمام أنه كان يعتني بأمور المسلمين كما يعتني بأموره الخاصة، فهو الذي ينافح عن ضعفة المسلمين وهو الذي يناصح الملوك والأمراء والسلاطين، وهو الذي يناقش العلماء، وكذلك أنواع من يتولى أنواع الولايات والمفتين وغير ذلك من أموره الكثيرة العديدة. وقد ذكر أنه بعد أن خرج من السجن رحمه الله في تلك السنة توجه أول ما توجه للذهاب إلى إخراج الأسرى من المسلمين في أيدي التتار واجتهد في ذلك اجتهادًا عظيمًا كما ذكر في ترجمته وذكر في تواريخ تلك السنة حتى أخرج بفضل الله ومنته ثم بما كان من جهد الشيخ ومنعانه ونصره لما علم من إخلاصه وصدقه أسر المسلمين من أيدي التتار وفعل ذلك أيما فعل رحمه الله رحمة واسعة. وبعد ذلك اتجه بهذا الخطاب إلى النصارى يطالب النصارى بفك أسر المسلمين والإحسان إليهم ويذكرهم بما علموا من دين الله، وهكذا كذلك ما يدعونه مما ينادون الناس به ويخاطبون شعوبهم ورعاياهم به وغير ذلك مما سنراه إن شاء الله في هذه الرسالة العظيمة النافعة. ومما يقصد من قراءة هذه الرسالة أولًا مثل هذه المعاني التي تحتف بهذه الرسالة التي تكسب طالب العلم والداعي لله ومن يسير في طريقه التعليم والتوجيه كيف كان علماؤنا في جدهم واجتهادهم وعظيم اعتنائهم بأحوال المسلمين العامة والخاصة وصنوف جهادهم بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان. وهكذا كذلك ما سنستفيده إن شاء الله وخصوصًا أن هذه الرسالة رسالة من مثل هذا الإمام وهذا العلم الهمام رحمه الله رحمة واسعة، فهي كلمات تخرج بميزان العلم وأي علم ينبع من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وما سار عليه لإمة. مع ما جمع لهذا الشيخ الإمام من خلاصة ما جمع من علمه وهكذا كذلك عظيم خبرته، فهي كلمات لها وزنها وشأنها من جهة الألفاظ ومن جهة المعاني ومن جهة كذلك التقديم والتأخير وحسن السياقة، وكذلك ما تحتف به تلك الكلمات من مراعاة المصالح من المفاسد واستخدام اللفظ العام في موضع الخصوص واستخدام الخاص في موضع العام والإشارة بغير التصريح وغير ذلك من فقه الدعوة ومراعاة المصالح من المفاسد مع ثبات على الحق وعدم خروج عن حدود الشرع. وحذر في أن لا تقع مفسدة وأن لا تفوت مصلحة، فهو كصياد يصيد بخيط رقيق أو كذلك كمن يمشي في وسط شوك كثير يتقي غاية الاتقاء ويحذر أشد الحذر وكل هذا في حدود ثباته على الحق وعدم الحيد عنه فرحمه الله رحمة واسعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. من أحمد بن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين عظماء القسيسين، سلام على من اتبع الهدى. فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو إله إبراهيم وآل عمران، ونسأله أن يصلي على عباده المصطفين وأنبيائه المرسلين، ويخص بصلاته وسلامه أولي العزم الذين هم سادة الخلق وقادة الأمم الذين خصوا بأخذ الميثاق. ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُم إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ونسأله أن يخص بشرائف صلاته وسلامه خاتم المرسلين وخطيبهم إذا وفدوا على ربهم وإمامهم إذا اجتمعوا شفيع الخلائق يوم القيامة نبي الرحمة ونبي الملحمة الجامع محاسن الأنبياء الذي بشر به عبد الله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى الصديق الطاهر البتول. «مسيح الهدى عيسى بن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة المقرب عند الله المنعوت بنعوت الجمال والرحمة لمن جر بني إسرائيل». صلى الله وسلم عليهم أجمعين وعلى من اتبعهم إلى يوم القيامة.