الدرس في القصيدة التائية 8، الدرس الثامن:من( ونادي إذا سجدت له اعترافا *بما ناداه دو النون ابن متى ... ولم أحلل بوادٍ فيه ظلم *وأنت حللت فيه وانتهكا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية الإلحاح في الدعاء أثناء التعبد لله. يحذر من فتنة الدنيا ويشير إلى ضرورة الاكثار من الطاعات.
ينصح الشاعر بعدم الاغترار بسن الصبا ويشير إلى أن الموت يأتي في أي سن. يحث على استحضار هذا المعنى لعدم الاغترار بالعمر.
يناقش المقطع أبيات شعرية تنصح بالتوبة والاستفادة من تجارب الحياة. يشير إلى أن الكبير أكثر احتياجًا للتوبة بسبب تراكم الذنوب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: ونادي إذا سجدت له اعترافا بما ناداه ذنون بن متة، أي ونادي بمعنى ألح بالدعاء، فالنداء هو رفع الصوت، والمراد هنا ليس رفع الصوت بالدعاء في السجود؛ لأنه ليس بمشروع، ولكن المراد إشارة إلى الإلحاح في الدعاء في السجود. ونادي إذا سجدت له اعترافا بما ناداه ذنون بن متة، والمعنى: يعني إن كسر بين يدي الله عز وجل في دعائك، واعترف بتقصيرك وتفريطك، يتوب الله عليك متابا على يونس بن متة، فهو القائل: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. وهذا يكون بلسان المقال وبلسان الحال، بلسان المقال أن يظهر منك الاعتراف والتوبة والندم، وبلسان الحال الإقلاع عما أبتليت به من ذنوب ومعاصي وغيرها. ومنها أمر الافتتان بالدنيا؛ لأن تحصيل العلم ونيل بركته لا يكون إلا لمن صدق فيه، والصدق فيه يحتاج الأخذ بهذه النصائح الكثيرة التي مرت معنا. فأمر الافتتان بالدنيا أمره عظيم، وما خشي النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة من شيء بمثل خشته من فتنة الدنيا. «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم، فتهلككم كما هلكتهم». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. وبحديث «بسعيد: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء». وبحديث «بسعيد الآخر: إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض»، فقيل: «ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا»، أي زخرفها وشهواتها. فينبغي المسلم أن يحرص، وهذا يكون بلسان الحال وبلسان المقال. وفي حديث عبد الله بن الشخير في صحيح مسلم قال: «هاكم التكاثر»، يقول ابن آدم: «مالي مالي». وهلك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت. فأنت تذكر هذه المعاني، واسجد لله عز وجل اعترافا بتقصيرك في باب الخير، وما قد كان منك في باب السوء، فتطلب الإعانة من الله في زيادة الخير والقصر عن السوء. قال: ولازم بابه قرعا قرعا، عساه سيفتح بابه لك إن قرعت. والمعنى: لازم التعبد لله عز وجل بالدعاء بلسان الحال ولسان المقال، ارفع يديك في مواضع إجابة الدعاء، وهذا من قرع باب الله عز وجل حتى يستجيب لك الله عز وجل، خصوصا في مواضع إجابة الدعاء في الثلث الأخير من الليل، وأثناء الصيام، وهكذا كذلك في أول النهار وآخره، وما بين الصلاتين، ما بين الأذانين، بين الصلاة والإقامة، وعند نزول المطر، وفي السفر، وفي غيرها من مواضع إجابة الدعاء، هذا من قرع باب الله عز وجل. وهكذا كذلك بلسان الحال تكثر من الطاعات التي هي قرع لباب الله، أنت تتقرب إلى الله بالطاعات، وتطلب من الله بهذه الطاعات أن يتقبل الله منك صالح عملك، ويعينك على الزيادة فيها، ويتجاوز عن سيئ عملك، ويغفر لك فيها، فهذا من قرع الباب. نوافل تتقرب بها من صلوات وصيام وصدقة وبر وصلة رحم، وقول معروف، ونهي عن منكر، وغير ذلك من أبواب الخير، هذا كله من قرع باب الله عز وجل. قال: وأكثر ذكره في الأرض دأبا؛ لتذكر في السماء، إذا ذكرت كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملأه». وهذا الذكر كذلك بلسان الحال وبلسان المقال، بلسان الحال من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل والاستغفار والتوبة، وهكذا كذلك بلسان الحال من القيام بالعبودية لله عز وجل بصنوف العبادات: صيام وصدقة وصلاة وبر والدين وصلة رحم، وإحسان إلى الخلق، وغير ذلك من أبواب المعروف. كل معروف قليل أو كثير، صغير أم كبير، هو صدقة تتصدق به على نفسك أولا، ثم على إخوانك مما كان إحسان يتعدى إليهم، وهو من ذكر الله عز وجل؛ لأنك احتسبت ذلك لله عز وجل. حتى المباح إذا احتسبت الأجر فيه فهو من ذكر الله، المباح إذا احتسبت الأجر فيه فهو من ذكر الله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم». ومما يدخل في ذكر الله وما والاه المباحات، فالمباح إذا لم يحتسب وجه الله فيه فهو من الملعون؛ لأنه يميت القلوب ويصرفها عن طاعة الله، لكن إذا احتسبت التواب من الله عز وجل فيه، وقصدت الحلال فيه، فإن الله عز وجل يثيبك عليه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة حين قال: «ويأتي أحدنا شهوته يا رسول الله؟ ويقول له فيها أجر؟ قال: أفرأيت من وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: كذلك إذا وضعها في حلال كان له فيها أجر». قال: ولا تقل الصبا فيه امتهال، وفكر كم صغير قد دفنت. يعني: لا تغتر بكونك في سن الصبا؛ فإن سن الصبا ليس مانعا من وقوع الموت، فإن الموت يقع للصغير وللكبير. قال الله سبحانه: ﴿ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾. قوله: ﴿ومنكم من يتوفى﴾ قبل قوله: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ معناه: أن من الناس من يتوفى وهو صغير، أو وهو شاب، أو غير ذلك، ومنكم من يمد في عمره ما شاء الله حتى يرد إلى أرذل العمر. قال العلماء: وفي تقديم ذكر التوفي قبل الرد إلى أرذل العمر لفتتان، اللفتة الأولى: التنبيه على أنه كثيرا ما تكون الوفاة قبل الرد إلى أرذل العمر، وهذا واقع، لو أحصيت: من أكثر الأموات؟ هل هم الشيوخ الكبار الذين يردون إلى أرذل العمر أم غير ذلك؟ الجواب: أكثر الذين يتوفون من لا يمد بعمره إلى أرذل العمر، ولهذا قدم. والأمر الثاني: أن الشأن كل الشأن ليس هو بلوغ سن الشيخوخة، ولكن الشأن كل الشأن أن يدركك الموت وأنت على باب من أبواب الإحسان والخير. إذن استحضر هذا المعنى؛ فأنت لا تدري متى يدركك الموت. وقوله: ولا تأمن الصباة فيه امتهال احذر معناه: أن تغتر بسن الصبا. وكما مر معنا في أوائل هذه الأبيات أنها قيل أنها نصيحة لولده، وهي نصيحة لعموم المسلمين. قال: وفكر كم صغير قد دفنت. يعني: كثير هم الصغار الذين دفنتهم وشاركت في دفنهم، أو حضرت دفنهم، أو أدركت من العمر ما فيه دفنهم، كله يدخل في معنى هذا الدفن. وفكر كم صغير قد دفنت بحضورك، وبمشاركتك، وبما مر عليك في حياتك، وهذا كافي في الاعتبار أن لا يغتر أحد بسن الصبا. قال: وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك، لو لفعلك قد نظرت. هذا انتقال من نصيحة المنصوح إلى نصيحة النفس، يعني: كأنه يقول: أنا لا أقول هذا لك فقط، بل هذا كذلك لي نصيب منه. وهكذا كل كبير ينبغي أن يعتبر أشد من الصغير؛ حتى لا يقول قائل ويغتر مغتر بأن هذه النصيحة لأهل الصبا فقط، بل هي لي من لم يكن كذلك من باب أولى. قال: وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك، لو لفعلك قد نظرت، تقطعني على التفريط لوما، وبالتفريط دهرك قد قطعت. قلنا: أنه يعمم بهذا النصح لكل كبير، ولنفسه خاصة. وكذلك كأنه يتكلم بلسان المنصوح، وهو الولد، كأنه ينصح الأب، وليس معناه أن الأب وقع فيما ذكر، لكن المعنى: أن كل إنسان مليء بصنوف من الذنوب والمعاصي والخطايا، فينبغي أن يتذكرها ويستحضرها ويتوب منها. ولا ينبغي الإنسان أن ينصح غيره ويغفل عن نصح نفسه، كأنه يقول: أنا أنصحك وأعلم أن فيَّ تقصير، فأقبل نصحك لي، وأنا أولى بهذا النصح. تقطعني على التفريط لوما، يعني: بالنصائح الكثيرة التي سبقت. وبالتفريط دهرك قد قطعت، يعني: كبر السن مع الغفلة قد قطعت شوطا كبيرا من الدهر، وأنت أولى بالنصح في هذا الباب. قال: وفي صغري تخوّفني المنايا، وما تدري بحالك حيث شخت. يعني: إذا كنت خوّفتني أنا وأنا صغير من الموت وأنا أعتبر وأتوب، فأنت يا أيها الشيخ أولى بهذا النصح؛ لأن الشيخ أقرب إلى الوفاة من الصغير من جهة ماذا؟ من جهة انتهاء الأعمار. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يجاوز ذلك». قال: وكنت مع الصبا أهدى سبيلا، فما لك بعد شيبك قد نكثت. يعني: في هذا نصيحة لمن كان على خير ثم حصل منه شيء من التغيير مع كبر سنه. وليس المقصود صاحب الأبيات المؤلف، ولكن المقصود هو النصح عموما لكل من ابتلي بهذا في هذا السن. قال: وها أنا لم أخذ بحر الخطايا كما قد خطه حتى غرقت. يعني: الصغير إن وعظ بهذا الوعظ، فالكبير من باب أولى؛ لأن بحر الخطايا في الكبير أكثر من الصغير غالبا، وليس لازما، ولكن غالبا. إذن الكبير أولى بالتوبة، فيكون في هذا لفتة من المؤلف رحمه الله أنه ينصح هذا الولد الصغير، وينصح كذلك الكبير من باب أولى. قال: ولم أشرب حمية أم دفر، أو أم دفر وأنت شربتها حتى سكرت. يعني: ولم أقع في شيء من الذنوب، ومنها شرب الخمر، لم أشرب منها، لكن هل مقصود الخمر أو المقصود شيء آخر؟ المقصود شيء آخر، وهو الدنيا. أي: لم أشرب شيئا خبيثا من هذه الدنيا على صغر سني؛ لأن الغالب أن الصغير لا يكون عنده تطلع للشهوات كالكبير، والكبير يكون له تطلع ويكون له كذلك شهوة فيها، حتى أنه ربما يسكر، ليس يسكر بشرب الشراب، ولكن يسكر بحب شهوات الدنيا، حتى يصير كالسكران لا يعقل ما يقول. وهكذا كثير من الناس انغمس في هذه الشهوات، شهوات الدنيا، حتى صار كالسكران، غافل عن الطاعة، مدمن للمعصية، لا يستحي من صغير ولا كبير، ولا يبالي بمعروف أو فضيلة أو بر. وهذا معنى من معاني السكر. قال: ولم أنشأ بعصر فيه نفع، وأنت نشأت فيه ومن تفعت. يعني: لم أنشأ في عصر فيه من يعظني ومن يذكرني ومن يعطيني شيئا من العلم، وأنت نشأت في ذلك العصر؛ لأن الغالب أن الصبي لا يمر بما مر به الكبير. وهذه كلها نصائح أخرى جديدة لمن كان سنه فوق سن الصبا. يعني: يا من أنت صبي هذه نصائحك، ومن كان أكبر من ذلك فله نصائح أولى وأحرى وأشد؛ لأنه أخذ نصيبا من الدنيا أشد من أخذ الصغير. قال: ولم أحل البواد فيه ظلما، وأنت حللت فيه وانتهكت. الغالب أن المشاركة في المظالم، وحضور المظالم، وانتهاك المظالم تكون من الكبير أكثر من الصغير، فإذن الكبير يحتاج لتوبة منها. فيسجد لله اعترافا، ويقرع باب الله عز وجل لعله يفتح له ما يكون فيه التوبة له والاستقامة. نقف عند هذا الحد، والله تعالى أعلم.