الدرس في القصيدة التائية 6، الدرس السادس:من( ولا تختل بمالك واله عنه*فليس المال إلا ما علمتا ... وإن راعيته قولا وفعلا*وتاجرت الإله به ربحتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبين الشيخ أهمية العلم وفضله على المال، ويحذر من الاغترار بالمال والانشغال به عن العلم. العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة.
يُشدد على أن الجاهل لا ينفعه ماله، بينما العلم يرفع صاحبه ولو افتقر. المال قد يكون زائلاً أو مُهيناً لصاحبه إذا لم يكن معه علم.
ينبغي لطالب العلم ألا ينشغل بالدنيا على حساب العلم، مع ضرورة استخدام النعم في طاعة الله. الفقر ليس من لوازم طلب العلم، وينبغي لطالب العلم الصبر إذا ابتلي به.
يشير المقطع الأخير إلى انتهاء الكتابة مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى، ويُظهر التواضع وعدم ادعاء المعرفة الكاملة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قالا: ولا تختل بمالك، ولها عنه، فليس المال إلا ما علمت، وليس لجاهل في الناس مغنٍ، ولو ملك العراق، له تأتى. سينطق عنك علمك في ملائم، ويكتب عنك يوما إن كتمت، أو إن كتمت. وما يغنيك تشيد المباني، إذا بالجهل نفسك قد هدمت. جعلت المال فوق العلم جهلا، لعمرك في القضية ما عدلت. وبينهما بنص الوحي بون، ستعلمه إذا طاها قرأت. لئن رفع الغني لواء مال، لأنت لواء علمك قد رفعت. لئن جلس الغني على الحشايا، لأنت على الكواكب قد جلست. وإن ركب الجياد مسومات، لأنت مناهج التقوى ركبت. ومهما افتضى أبكار الغواني، فكم بكر من الحكم افتضت. وليس يضرك الإقتار شيئا، إذا ما أنت ربك قد عرفت. فماذا عنده لك من جميل، إذا بفناء طاعته أنحت. فقابل بالقبول لنصف قولي، فإن أعرضت عنه فقد خسرت. وإن راعيته قولا وفعلا، وتاجرت لله به ربحت. أورد رحمه الله هذه الأبيات كذلك؛ تتم لعظته وتذكيره، وهو يعظ طالب العلم وحامله بمواعظ متتابعات نافعات، ويذكر له مقارنات لأجل أن يعرف قدر العلم. ومن ذلك ما ذكره هنا من المقارنة بين العلم والمال، وأن نعمة العلم أعظم من نعمة المال، سواء أعطيت مالا أو لم تعطه، وسعيت في تحصيله. وهذا هو قوله: «ولا تختل بمالك» و«ولها عنه» فليس المال إلا ما علمته. فقوله «لا تختل بمالك» أي: لا تكن مختالا، والمختال هو المتعالي المتكبر أو المترفع. والمعنى: لا يغرك المال، انتبه واحذر. وقوله «بمالك» ليس المراد ما يملكه فحسب، بل ما يملكه أو ما يتمناه ويطمع في الوصول إليه. يعني احذر أن تصاب بالخيلاء والكبر والعلو فتفتتن بالمال، بالمال الذي معك أو بالذي تطمع فيه وتريد تحصيله؛ لأنه سيضرك ضررا عظيما. فإن المال سبب لفتنة هذا الإنسان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله من الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». يعني انتبه أن تجعل قصدك وغايتك وبغيتك ومناك هو المال وتكثيره، انتبه من ذلك. وقوله «ولها عنه» يعني: انشغل عنه. بماذا تنشغل؟ انشغل بالعلم، ولو لم يكن العلم فانشغل بأي شاغل غير حرصك على المال؛ لأن الحرص على المال يضر بك. فإن القلب إذا تعلق بحبه خسر خسرانا عظيما. وقوله «ولها عنه» يعني: انشغل عنه. وأعظم ما ينشغل عنه والمقصود هنا العلم. قال «فليس المال إلا ما علمت». ومعنى «ما علمت» أي: من حقارته ودنائته، فهو سبب لخطايا كثيرة في الدنيا، ولسؤال أعظم في الآخرة. وهكذا كذلك «ما علمت» من أنه ما بقي لأحد، ولا بقى له أحد. كم ملك الناس وكم تركوا مما ملكوا؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». المال ما ينفع... وهكذا إذا مات ابن آدم أو الإنسان تبعه اثنان ورجع واحد، يبقى له واحد ويرجع اثنان، يرجع أهله وماله ويبقى له عمله. فقال «وليس لجاهل في الناس مغنٍ ولو ملك العراق له تأتى». ما أحد يتأتى له ملك العراق، فملوكها ما دامت لهم ممالكهم وهم ملوك. والعراق كان يضرب به المثل أي في ملكها؛ لما فيها من الخيرات الكثيرة، أنهار جارية وحدائق زاهية... وهكذا كذلك أماكن متوسطة في الدنيا جمعت خيرا كثيرا. ومع ذلك ما دامت لملوكها، فكيف بمن لم يملكها أصلا؟ فينبغي للإنسان أن لا يغتر، ولا كذلك يتعلق قلبه بما لا نفع فيه. «وليس لجاهل في الناس مغنٍ ولو ملك العراق له تأتى». الجاهل ما ينتفع بشيء إذا كان جاهلا، ولو تأتى له ملك العراق. والمعنى: احرص على العلم الشرعي. والمراد بالجاهل ها هنا ما هو أعم من معنى الجهل بمعنى عدم العلم بالشيء. فالجهل منه ما هو عدم العلم بالشيء، فالذي لا يعلم جاهل. ومنه كذلك المعرض عن العلم، علم لكنه أعرض عن العلم فهو جاهل. ومنه كذلك من لا يحسن وضع العلم في موضعه، فهذا كذلك جاهل. وكل هؤلاء يدخلون في هذا المعنى «وليس لجاهل في الناس مغنٍ». وما الذي يجعل الإنسان غير جاهل؟ العلم والعمل به، العلم والعمل به. فالعلم أولا، ثم العمل به ثانيا. فمن الجاهل الأول من لا يعلم أصلا، فهذا حياته كلها تخبط وضر، ولو ملك ملك العراق. والجاهل الثاني من لا عمل له، ولو علم، حتى ولو كان عالما لكن لم يعمل بعلمه فهو جاهل، ولو تأتى له ملك العراق، فهو ما ينتفع؛ لأنه ما رزق حقيقة العلم الذي هو يوفقه للعمل. ودخل في هذا كذلك، فإذا كان «صوم أحدكم فلا يجهل ولا يرفث ولا يفسق، فلا يجهل» أي: لا يعمل بالجهل، ولو كان علم بهذا الحكم. لا يعمل بالجهل. وبه تعرف أن أهل الجهل ليس فقط من عدموا المعلوم، ولكن منهم من علم بالمعلوم ولكنه لم يعمل به. قال الآلوسي رحمه الله: «الجهل عدم العلم وعدم اتباع العلماء» يعني العاملين. «فمن خالف الحق عالما أو غير عالم فهو جاهل، من خالف الحق عالما أو غير عالم فهو جاهل». وقوله: «سينطق عنك علمك في ملائم» إما بالمد ملائم، أو بالقصر. والمراد في جمع من الناس. «ويكتب عنك يوما إن كتمت» العلم سينطق لك، وسيكون الحجة لك كذلك، ولو مت. فإن الناس لا يزالون يذكرون العلم عنك، سواء علمت الناس أو عملت به، فأنفعت في الناس خيرا. من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، من دعا إلى هدى فله بمثل من دعا، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. حديث بحريرة وحديث جرير. وقوله «ويكتب عنك يوما إن كتمت» يعني احذر إذا رزقت علما أن تكتم شيئا منه؛ فإنه مما يكتب عليك أنك كتمت شيئا من العلم. فكما أنه يذكر مفاخر العلم، يذكر مسؤوليات أمانة العلم. وهذه من المحامد. وقوله «وما يغنيك تشيد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت». أن حقيقة البناء والهدم ليس هو بالبنيان؛ لأن البنيان لا تستفيد منه، ولا يبقى لك، ولكنه بالعلم والعمل الصالح. بالعلم والعمل الصالح الذي به تزكو النفوس، وتنتفع في الدنيا والآخرة. «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها». وقوله «جعلت المال فوق العلم جهلا لعمرك في القضية ما عدلت» يعني: احذر أن تجعل المال فوق العلم، فهو تحذير. ولو كان هذا لم يقع؛ لأنه قد يكون واقعا بلسان الحال، ولو لم يقع بلسان المقال. يعني قد الإنسان ما يقول أن العلم المال أرفع من العلم، لكن حاله في دنياه تدل أنه جعل المال أرفع من العلم، بلهفه خلفه وحرصه عليه وإعراضه عن العلم. فهذا هو قول آخر، لكنه قول ليس باللسان وإنما بالفعل، قول بالفعل «جعلت المال فوق العلم جهلا». وهذا الجهل كما سبق بأي نوع من أنواع الجهل. «لعمرك» ولعمرك لفظ يؤتى به لتأكيد الكلام، لا يراد به القسم. ومن نوى به القسم فقد أخطأ. وروي عن إمام مالك رحمه الله أنه كان يكرهه؛ لأنه لفظ يضاهي القسم. والصحيح عند المحققين من أهل العلم التفصيل: إن عبر به بغير أحرف القسم جاز؛ لأجل التأكيد. وروي عن الصحابة كما مر معنا في حديث عائشة قالت رضي الله عنها: «لعمري ما اعتمر في رجب». والحديث صحيح مسلم وغيره. الشاهد أنه إذا عبر به بغير أحرف القسم فهو يأتي ويرد بمعنى التأكيد. وإذا عبر به بأحرف القسم فهو لا يجوز. لا يجوز أن تقول «وعمري» الواو من أحرف القسم. لا يجوز أن تقول «تعمري» لأن التاء من أحرف القسم. لكن يجوز «لعمرك» لعمري لعمرنا ونحو ذلك مما ليس بأحرف القسم، فهو يرد مورد التأكيد. وقوله «لعمرك في القضية ما عدلت» تأكيد أن هذا الحكم بلسان الحال أو بلسان المقال خطأ وظلم؛ فإن العلم أرفع من المال بكثير، بل لا موازنة بين العلم والمال. قال «وبينهما بنص الوحي بون» يعني فرق بين العلم والمال فرق عظيم. قال «ستعلمه إذا طاها قرأت» وهو يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ما قال زدني ماذا مالا؟ وإنما أمر بالزيادة من العلم. وهكذا في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: «كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى». قال «لئن رفع الغني لوء مال لأنت لواء علمك قد رفعت». الغني إذا رفع لواء المال، سواء بلسان الحال أو لسان المقال، يرفع لواء المال، يفتخر بالمال: «أنا عندي وعندي، وفعلت وفعلت، ووصلت وسافرت، وأكلت وشربت وملكت...». هذا لواء المال بلسان الحال أو بلسان المقال. بلسان المقال أن يتكلم مثل ما سمعتم، أو بلسان الحال تجده في حاله تظهر عليه آثار الغنى، بالمراكب الفاخرة والبيوت الفارهة وغير ذلك من أنواع الترف، فهو رفع للواء المال. «أنت ارفع لواء العلم، لأنت لواء علمك قد رفعت». وأيهم أرفع في الدنيا وفي الآخرة؟ حقيقة العلم العلم أرفع في الدنيا والآخرة حقيقة. ولهذا لا يوفق له ولا يثبت عليه إلا الفضلاء. قال «لئن جلس الغني على الحشايا لأنت على الكواكب قد جلست» يعني تمثيل آخر بشيء من التفصيل بعد أن ذكر الإجمال. وهذه لفته وأسلوب بلاغي أن يذكر الشيء مجملا ثم يذكر مفصلا. يقول «لئن جلس الغني على الحشايا» وهذا نوع من رفع لواء المال. والجلوس على الحشايا إما المراد به الفرش الضخمة الوطية، وإما المراد به الموائد المليئة بالصدور، يعني: لحم ونحو ذلك من الأكل الفاره. «لئن جلس الغني على الحشايا» سواء هذا وهذا. والمراد به الأشياء الفاره الفاخرة. «لأنت على الكواكب قد جلست» أنت تجلس على الكواكب برفعة العلم. يرفعك الله عز وجل رفعة عظيمة في الدنيا وفي الآخرة. فالعلماء في الدنيا على منابر من نور، وهم في الآخرة كذلك على منابر من نور. بالدنيا على منابر من نور؛ بما يرفعهم الله برفعة العلم. وفي الآخرة كذلك؛ بما يرفعهم الله بما كان معهم من العلم النافع والعمل به. قال «وإذا ركب الجياد مسومات» يعني تفصيل آخر من لواء المال الذي يرفعه الغني بلسان الحال. إذا ركب الجياد المسومات يعني: الجياد المعلمة، المعتنى بها. وهذه ما يتوصل إليها بالغالب إلا بغنى. فأنت «لأنت مناهج التقوى ركبت». ولكن هل معنى هذا أنه لا يركبها إلا مدموم الجياد؟ أو لا يجلس على الحشايا إلا مدموم؟ الجواب: لا. ولكن لا يعني أن الإنسان ينشغل أو نقول: يعني أن الإنسان لا ينبغي له أن ينشغل في الوصول إلى هذه الخصال على حساب العلم. لكن إذا وفق له أن وصل إلى شيء من ذلك، واستعمله في طاعة الله، وسخره في مرضاة الله، فهو إن شاء الله على خير. فقد كان نبي من الأنبياء عنده من الجياد المسومات. ونبينا عليه الصلاة والسلام ركب من هذه الجياد، وصحابته رضي الله عنهم كذلك. بل حث النبي عليه الصلاة والسلام على اقتناء الخير، واقتناء المسومات منها، أي: ما فيه الصفات الحسنة. وقال عليه الصلاة والسلام: «الخيل في نواصيها الخير». لكن ليس على حساب العلم يكون تبع. وكذلك يعني ليس هو المقصود أصالة، وإنما تستعين به لغيره من الخير. وقوله «أنت مناهج التقوى ركبت» يعني هذا الذي يمضغ أن تحرص عليه. وهذا لا يتوصل إليه إلا بالعلم. وقوله «ومهما افتضى أبكار الغواني فكم بكر من الحكم افتضت» وهذا تفصيل آخر من لواء المال الذي يرفعه الغني. فالغالب أنه ينشغل بالنساء، سواء بالحلال أو بالحرام، فهو يحرص على ذلك. وافتضاض أبكار الغواني المراد به: يحرص على تتبع الجميلات، سواء بحلال أو بحرام، ويأخذ البكر منهن. فأنت لا تنشغل، ولا تكثرث، ولا تتحسر. أغناك الله بما هو خير من بكر الحكم التي تفتح لك، ولم تفتح لغيرك. ولمن سبقك «وكم من العلوم والمعلومات التي يتوصل إليها طالب العلم ممن وفقه الله وفتح عليه باب العلم، لم يتوصل إليها من قبله، إما بتأليف، وإما بكتابة، وإما ببحث، وإما بفائدة، أو غير ذلك من الحكم والعلوم التي هي من أحسن ما يتشهى به طالب العلم». قال «وليس يضرك الإقتار شيئا إذا ما أنت ربك قد عرفت» يعني: لا يضرك الفقر، وقلة الذات، ويد وضيق المعيشة؛ إذا قد وفقك الله عز وجل للعلم. فإن التوفيق للعلم سبب لمعرفة الرب سبحانه وتعالى. وهذه أعظم غنيمة. وليس من لازم طلب العلم الفقر، لكن في الغالب يبتلى طالب العلم بالفقر. فإذا كان كذلك فليصبر؛ فإن أمامه شيئا عظيما يناله، ولا ينال براحة الجسد. لا ينال براحة الجسد. وإذا وفق الإنسان لشيء من أبواب الخير من الغنى مع العلم، فلا يعني ذلك أنه قد حرم الخير لا؛ لأن بعض الناس عنده سوء ظن بنفسه، وسوء ظن بالناس، فربما يظن أن هذا علامة شؤم وشر لا. فقد كان من العلماء من هم أغنياء، لكنهم سخروا هذا الغنى في طاعة الله، كما سمعنا وتقدم معنا في ترجمة ابن المبارك رحمه الله، وغيره من العلماء الذين أغناهم الله، لكن لم يفتنهم المال عن العلم والعمل به. قال «فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنحت» وهكذا كذلك نلفت الانتباه: أنه ليس معناه أن طالب العلم يرضى بالفقر، ولا يكتسب. لا، الإسلام ما يأمر بهذا. لكن معناه أن الغالب أن طالب العلم يحرص على العلم، فإنه سيحرم جوانب أخرى. وهكذا حال الإنسان الضعيف، فإنه لا يستطيع أن يجمع بين الأشياء كلها. إذا توجه قصده، وكثرت همته في العلم، فإنه سيحصل له تقصير في جوانب أخرى. فطالب العلم ينبغي أن لا يحزن، يعلم أنه قد حصل خيرا كثيرا في هذا الباب. لكن ليس معناه أن يترك التكسب، يبقى عالة على الناس لا. «فاليد العليا خير من اليد السفلى». وهذا مما يأمر به العلم: أن لا تكون عالة على أحد، بل ينبغي أن تكون يدك هي العليا، ولو أنت بائع حزن من الحطب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة وغيره. لا أن تجعل الناس يمنون عليك بقليل ولا بكثير. وإن تيسر تفريغ... كذلك قارن بين المصالح. فلو أنك لا تجد في هذا مضرة على دينك ولا دنياك فاقبل. يعني مثلا: فرغت لطلب العلم بنفقة، هل تقبل هذا ولا تقبل؟ تنظر إذا كان هذا لا يضر بدينك ولا دنياك فاقبل؛ لأن تفريغك للعلم أنفع لك وللناس. لكن إذا كان في هذا ضرر، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: «عطية السلطان أحب إلي من هدية الإخوان». ونحوه مما يدل على أنه كان يكره أن يأخذ شيئا. وقد علمتم في مواضع مرت معنا: كيف كان الإمام أحمد رحمه الله يعتمد على نفسه، ولا يقبل هدايا الإخوان، ولا عطايا السلطان، رحمه الله تعالى، ويحرص على أن يعتمد على نفسه. يقول «فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعة أنحت» يعني: العلم له أثر عظيم عليك. فإن من أثره: أنك تجد آثاره في مواضع كثيرة تنتفع بها، إما في الدنيا وإما في الآخرة. فكم من طاعات توفق لها، وكم من مراضي من مراضي الرب سبحانه وتعالى تسبق إليها. كل هذا من ثمار العلم. ثم قال خاتما هذا الفصل: «فقابل بالقبول لنصح قولي فإن عرضت عنه فقد خسرت». شدد رحمه الله في قبول هذه النصائح؛ من حرصه وحبه لإرادة الخير للمنصوح، سواء الولد ولده أو غيره ممن يستمع هذه الأبيات. وينبغي للمسلم أن يعتبر، إذا سمع المواعظات النافعات، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ﴾. وما نزل من الحق: من قرآن وسنة ومواعظ، ينبغي أن يتبع. قال «وإن راعيته قولا وفعلا وتاجرت الإله به ربحت». إن راعيت هذه النصائح بقولك وفعلك، وتاجرت الإله يعني: بالطاعات والعلم النافع والعمل الصالح، فأنت الرابح. وضده هو الخاسر. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.