القصيدة التائية 7

القصيدة التائية 7

الدرس في القصيدة التائية 7، الدرس السابع:من( فليست هذه الدنيا بشيء *تسوؤك حقبة وتسر وقتا ... وسل من ربك التوفيق فيها *وأخلص في السؤال إذا سألتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الزهد وعدم الاغترار بالدنيا

يبدأ الشيخ بذكر أبيات المؤلف التي تنصح بعدم الاغترار بالدنيا وبيان قصرها وزوالها. يشير إلى أن الدنيا ليست بشيء وأنها آلام وأحزان وأفراح مؤقتة.

تشبيه الدنيا وضرورة عدم التعلق بها

يتم تشبيه الدنيا بالظل العابر والحلم الزائل والسجن للمؤمن، مما يدل على زوالها وضرورة عدم التعلق بها. ينبغي للإنسان أن يحرص على الإحسان في الدنيا.

توجيهات للزهد ومخالطة الناس

يُنصح بالزهد في الدنيا وعدم التعلق بها، وبتحصين أمر الدين بالعلم النافع والعمل الصالح، ويُحذر من مخالطة السفهاء لأنها قد تؤدي إلى العذاب.

أهمية طلب التوفيق من الله

ينصح بطلب التوفيق من الله في أداء الأعمال الصالحة وإخلاص النية في السؤال، ويشير إلى أهمية التوفيق في عمل الأعمال الصالحة وقبولها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المولى رحمه الله تعالى: «فليست هذه الدنيا بشيء، تسوءك حقبة وتسر وقتا» -أو «وتسر وقتا» صحيح بالضم- «وتسر وقتا». قال: «وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذا حلمت، سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنت؟ وتطعمك الطعام وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت، وتعرى إن لبست بها ثيابا وتكسى إن ملابسها خلعتا، وتشهد كل يوم دفن خل كأنك لا تراد لما شهدت، ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فجد لما خلقتا. وإن هدمت فزدها أنت هدما، وحصن أمر دينك ما استطعتا، ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزتا. وليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذا الباقي حرمتا، ولا تضحك مع السفهاء يوما فإنك سوف تبكي إذا ضحكتا. ومن لك بالسرور وأنت رهن وما تدري أتفدى أم غللتا؟ وسل من ربك التوفيق فيها وأخلص في السؤال إذا سألتا، ونادي إذا سجدت له احترافا بما ناداه ذو نون ابن متا، ولازم بابه قرعا عساه سيفتح بابه لك إذا قرعتا. وأكثر ذكره في الأرض دابا لتذكر في السماء إذا ذكرتا، ولا تقل الصبا فيه امتهال، وفكر كم صغير قد دفنتا. وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك لو لفعلك قد نظرتا، تقطعني على التفريط لوما وبالتفريط دهرك قد قطعتا. وفي صغري تخوثني المنايا وما تدري بحالك حيث شختا. وكنت مع الصبا أهدى سبيلا فما لك بعد شيبك قد نكثتا. وها أنا لم أخذ بحر الخطايا كما قد خطه حتى غرقتا. ولم أشرب حميا أم دفر وأنت شربتها حتى سكرتا. ولم أنشأ بعصر فيه نفع وأنت نشأت فيه ومن تفعتا. ولم أحل البواد فيه ظلم وأنت حللت فيه وانتهكتا». أورد المؤلف رحمه الله هذه الأبيات تتمة لما سبق في تذكير طالب العلم في أمر الحرص على العلم وعدم الافتتان بالدنيا. وقد مرت معنا أبيات كثيرة في هذا المعنى، ثم ثنى رحمه الله بعد أن ذكر ما ذكر. قال: «فليست هذه الدنيا بشيء تسوءك حقبة وتسر وقتا»، وهو يشير رحمه الله بعدما سبق من ذكر بعض المفاضلة بين تحصيل العلم النافع الذي هو من أمر الآخرة وبين تحصيل المال وما كان بمعناه من شهواتها من أمر الدنيا. قال: «فليست هذه الدنيا بشيء»؛ يعني مهما مر على سمعك ورأى بصرك واشتهى قلبك من تلك الشهوات المتنوعة، فهي ليست بشيء «تسوءك حقبة وتسر وقتا». فهي في الحقيقة آلام وأحزان وأفراح تمر على هذا الإنسان ولا تستمر، بل تتبعها أتراح. إن الإنسان لا يدوم له حال في هذه الدنيا، وهذا سبب من أسباب عدم الاغترار؛ يعني لا ينبغي للإنسان أن يغتر، فما سعيد استمرت له سعادة، ولا شقي استمرت له شقاوة. والمعنى أنك إذا فاتك شيء من الدنيا وحزنت أو تحسرت أو تألمت، اعلم أن الله عز وجل سيجري عليه يديك منها ما يفرحك. وهذا واقع، الفقير يفرح كما أن الغني يفرح في هذه الدنيا، والغني يحزن كما أن الفقير يحزن، لكن حزن عن حزن يختلف، وفرح عن فرح يختلف. فرح إذا كان في طاعة الله وفي مرضاة الله فهو يخرج من هذه الدنيا سالما غانما، وفرح إذا كان في بطر وأشر وغرور وتوسع في شهوات وملذات على حساب طاعة الله فهي ستؤول إلى آلام وأحزان. وهكذا كذلك حزن إذا كان هذا الحزن لطاعة الله عز وجل مرضاته فهي ستؤول إلى نعيم يعوض به هذا الذي ابتلي في هذه الدنيا، والعكس كذلك إذا كانت آلاما وأحزانا على معاصي فاتت وشيء من الأشر والبطر، فهي في الحقيقة لا تزيد صاحبها في الآخرة إلا آلاما وأحزانا أشد وأعظم. فإذا الدنيا ليست بشيء، لا ينبغي للإنسان أن يكترث بها، بل يأخذ منها حاجته كما تقدم، يأخذ منها حاجته التي توصله إلى دار البقاء. ثم قال: «وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذا حلمت». غاية هذه الدنيا ومنتهاها إذا تأملت وفكرت ودققت النظر فيها، فهي لحظات يسيرة كان الإنسان فيها في هذه الدنيا «كفيئك»؛ يعني استضل به تفر من الحرب. هل مر بك يوم من الأيام كنت في يوم حار ولم تجد شيئا تستضل به إلا في ظل، فوقفت في هذا الظل؟ كم جلست في ذاك الظل؟ لحظات يسيرة، ثم انتهى ذاك الموقف. وهكذا لو تأملت هذه الدنيا، ومن كان كبيرا يتأمل ما مر عليه في صغره، فإنه لو دقق النظر وفكر، كأنه كتلك الجلسة التي جلسها في ذاك الظل، شيء يسير وانتهى. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا كرجل استضل تحت شجرة ثم تركها». هذا حال الدنيا، حال الدنيا كرجل استضل تحت شجرة؛ يعني وقتا يسيرا ثم تركها، ترك هذه الشجرة. وهذا حال مرور الناس في هذه الدنيا، مرورهم كاستراحتهم تحت ظل، لحظات يسيرة، لحظات يسيرة وينتهي. أنت لو تتأمل سنينا كثيرة مرت عليك، تمر عليك وهي كأنها لحظة، كأنه أمس. قال: «أو كحلمك إذا حلمت». كذلك مثل آخر لهذه الدنيا كالحلم الذي يراه الإنسان في نومه. أنت لو تتأمل ما مر من حياتك، كأنها رؤيا منام، كأنها رؤيا منام، كنت صغيرا وتفعل وتفعل، ثم كبرت وفعلت وفعلت، وبعده وهكذا وهكذا حتى توفاك الله عز وجل، يمر هذا الذي مر بك كأنه حلم، كأنه حلم وانتهى. ثم قوية هذه الدنيا عن الإنسان، فإذا كان كذلك، فإنه ينبغي للإنسان أن يحرص على الإحسان فيها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر ويوصيه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». الغريب عابر السبيل يأخذ منها حاجته فقط، يأخذ منها حاجته لأنه يعرف أنها ليست الدار مستقر، وإنما هي دار ممر. وليس الدار مستقر. وعبر رحمه الله بالحلم، وهو أحد ثلاثة أصناف من رؤيا الإنسان في منامه، وهو الذي يكون من الشيطان. فإنما يراه الإنسان بمنامه ثلاثة: إما رؤيا من الله، وهي جزء من أربعين جزءا أو بضع وأربعين جزءا من وحي النبوة، أو بضع سبعين على روايات. وإما أضغاث أحلام، ما يتحدث أو يسمعه الإنسان في صحوه يحلم به في منامه، يسمى أضغاث أحلام. والثالث حلم من الشيطان، وهو ما كان فيه معنى من معاني الشيطان، إما شهوات يزينها، وإما هواجس وأشياء تخيف هذا الإنسان ونحوه. وهذا حال الدنيا؛ يعني أنها كالحلم الذي يراه الإنسان فيها أشياء كثيرة هي مما فيه فتنة. قال: «سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنت؟» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الدنيا سجن المؤمن». فهي سجن، «سجنت بها وأنت لها محبة»؛ يعني إذا كانت سجنا للمؤمن، فإنه بغي أن لا تحب السجن، بل احرص على خروج نفسك من هذا السجن؛ يعني حرر نفسك، تحررها بماذا؟ بالحرص على طاعة الله لتخرج من هذا السجن وأنت منتفع. «سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنت؟»؛ يعني هذا أمر عجيب، فجنتك الحقيقية ليست الدنيا، وإنما الآخرة، ولكنها هي جنة الكافر لما سيأتي عليه بعد ذلك. ولو كان هذا الكافر ولو كان هذا الكافر معذبا في الدنيا، فإنما سيأتي عليه أشد عذابا. ومر معنا ما ذكر في قصة الحباب بن حجر حين مر بأبيه في بعض طرق مصر، فاستوقفه يهودي وكان فقيرا بئيسا، فقال: «بلغني عن نبيكم أنه قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فانظر إلى ما أنت فيه». فرد عليه الحباب بن حجر رحمه الله: «ما أنا فيه مما سآتي إليه إن شاء الله هو سجن، وما أنت فيه مما ستأتي عليه هو جنة»؛ يعني هذا الذي أنت فيه الآن جنة؛ لأنك ستأتي بعد ذلك إلى نار وعذاب شديد. فهي بالنسبة لك، ولو كنت في هذا البؤس، هي بالنسبة لك جنة. قال: «وتطعمك الطعام وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت»؛ يعني لا تغتر بطعامها ولا بشرابها، فهي اليوم تطعمك الطعام، وغدا ستأخذه. اليوم تبني جسمك، وغدا تأخذه الدنيا، تكون شيخا ضعيفا، زالت عنك القوة، وزالت عنك الشبة، وزالت عنك النظارة والجمال، فكل شيء يزول. فما أطعمتك الدنيا ستأخذه منك وأنت فيها، وهكذا كذلك تأخذه منك إذا دخلت وأنت في الأرض في التراب، فإن هذه الدنيا ستأخذ ما أعطتك حين تأكل منك وأنت في التراب. قال: «وتطعمك الطعام وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت، وتعرى إن لبست بها ثيابا وتكسى إن ملابسها خلعتا». ويريد باللباس أي اللباس المنافي للتقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾، ولباس التقوى ذلك خير، لباس التقوى هذا الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان. وغير لباس التقوى من لباس الشهوات التي يتتبعها الناس بهذه الدنيا، فمن لبسه لم يكس يوم القيامة؛ لأنه كان عاريا، فالعري الحقيقي في الدنيا ليس هو بعري الأجساد، ولكنه بالعري من الدين والفضيلة، من العلم النافع والعمل الصالح، هذا هو العري الحقيقي. فمن كسي التقوى فهو المكتسي، وأما تتبع الدنيا بشهواتها فهذا في الحقيقة ليس هو الكساء. وهذا هو معنى قوله: «وتعرى إن لبست بها ثيابا»؛ ليس أي ثياب، فالمؤمن يلبس الثياب، والتقي يلبس الثياب، بل أنبياء لبسوا الثياب، الصديقون والشهداء لبسوا الثياب، لكن المراد ثياب الدنيا المذمومة، وليس المراد الثياب التي شرعها الله وأذن بها ورغب فيها. وإلا فنبينا عليه الصلاة والسلام لبس الثياب الطيبة، فكان يلبس أحسن ما يجد إذا قابل الوفود والضيوف وفي عيديه ونحو ذلك عليه الصلاة والسلام. قال: «وتشهد كل يوم دفن خل كأنك لا تراد لما شهدت»؛ يعني قامت عليك الحجة في هذه الدنيا بحضورك ودخول اليقين في قلبك بما حضرت. وهذا مأخوذ من معنى الشهادة، فكل يوم -والمراد به أيام كثيرة متعددة مرت عليك- دفن فيها خل، والخل والصاحب الحميم. «وهذا فيه آية وعبرة للإنسان؛ لأنه كلما كان الإنسان أقرب، ازدادت العبرة والعضة لهذا الإنسان، سواء كانت القرابة والصحبة بنسب -كأب وأم وأخ وأخت وزوجة ونحوه من الأقرباء بنسب- أو بمصاهرة أو بغيره، أو كانت خلة مطلقة كصديق ونحوه. فكل ذلك فيه عظة وعبرة للإنسان؛ يعني كما أن هؤلاء دفنوا، أنت ستأتي يوما أنك تدفن، كل نفس ذائقة الموت. قال: «كأنك لا تراد لما شهدت»؛ يعني كان هذا أولى أن يغير من فعالك وأقوالك. قال: «ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فجد لما خلقتا». لم تخلق في هذه الدنيا لتعمرها؛ يعني لتعيش فيها على وجه التعمير والتأبيد، وهذا ليس بصحيح، بل أنت خلقت لأجل أن تمر بها فقط. فالدنيا دار ممر، وليس الدار مستقر، وهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وهذا قوله: «فجد لما خلقت»؛ يعني اجتهد للشيء الذي خلقت له، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته. قال: «وإن هدمت فزدها أنت هدما، وحصن أمر دينك ما استطعت». إن هدمت -بمعنى- فاتك شيء من زخرفها وشهواتها، فلا تتحسر على ذلك، بل زدها هدما، احمد الله عز وجل أن أغناك بطاعته وعبادته عن زخرف الدنيا وزينتها. لا تكن حريصا عليها، لا مناصب ولا سمعة، ولا رفعة من أنواع الرفعات التي يتنافس عليها الناس في هذه الدنيا، بل احرص على مرضاة الله عز وجل، فزيادتك الهدم لها هو بالإعراض عنها، بالإعراض عنها. وليس معنى الإعراض عنها الرهبانية المبتدعة، لا دين الله، كما مر معنا بين الغالي والجافي. قال: «وحصن أمر دينك ما استطعت». حصن أمر دينك بالحرص على العلم النافع والعمل الصالح. «ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزت». هذا الذي أحزنك مما فاتك في الدنيا، ينبغي أن تعلم أنه مما لا ينبغي أن يحزن عليه؛ لأن حقيقة الفوز هو الفوز بما عند الله في الدار الآخرة، فاحرص عليه هذا المعنى. قال: «فليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذا الباقي حرمت». حقيقة الباقي هو ما يقدم بين يدي الله عز وجل من الطاعات، وليس ما يفوتك من أمر هذه الدنيا أو يخرج منك. كما في حديث عائشة في الصحيحين، لما تصدق النبي عليه الصلاة والسلام بالشاه إلا الكتف، قالت: «ما بقي منها؟» قالت عائشة: «بقيت كتفها -أو بقي كتفها- قال: «بل بقيت كلها إلا كتفها»؛ لأن الذي تصدق به الإنسان هو الذي يبقى، والذي يطعمه ويأكله هذا الذي يفنى. فالباقي هو ما قدمته بين يدي الله عز وجل. قال: «ولا تضحك مع السفهاء يوما فإنك سوف تبكي إذا ضحكت». والمعنى: احذر من مخالطة السفهاء. وسمي السفيه سفيها؛ لأنه يسفه عما فيه الجد، ولأنه يغفل ويجهل ما فيه النفع، سواء كان قليلا أم كثيرا. والمراد به هاهنا السفه في تجاه الدين، فالسفهاء هم أهل الجهل، جهل العلم وجهل العمل، هم السفهاء هنا، وليسوا برفقة صالحة، بل رفقة سيئة. فمضاحكة هؤلاء رضا وأنس بهم، ومن أنس بأمثال هؤلاء فإنه سيبكي يوم القيامة؛ لأنهم لا يعينونه على خير، بل يوقعونه في شرور كثيرة. فالمرو على دين خليله في الحقيقة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فإنك سوف تبكي إذا ضحكت». فتأمل تلك الضحكات التي تسمعها في الطرقات من السفهاء وجلسائهم؛ لأن بعض السفهاء لهم جلساء، أهل خير، فيهم خير، ولكن تساهلوا في مجالسة السفهاء، فإنهم سيندمون على هذه المجالسة؛ لأنها حج عليهم يوم القيامة. والله عز وجل حذرنا من مجالسة أمثال هؤلاء، وإذا رأيت الذين يقولون في آياتنا فأعرض عنهم، أمرك الله بالإعراض عنهم. قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فإن هذا يورث البكاء يوم القيامة من عذاب الله، سخطه. قال: «ومن لك بالسرور وأنت رهن وما تدري أتفدى أم غللتا؟»؛ يعني كيف يدخل إليك السرور وأنت مرتهن بأعمالك؟ أنت مرتهن بأعمالك، إن قبلت فإنك تكون من الناجين، وإن لم تقبل فإنك ربما تكون من الهالكين. وكان بعض السلف الصالح يعملون العمل الصالح ويتبعون هذا العمل بالدعاء أن يتقبل، فإن الصالحين يعملون العمل ومع ذلك يخافون على أنفسهم، فيتبعون العمل بالدعاء في قبول العمل. انظر إلى نبيين من أنبياء الله، إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولده إسماعيل، قاما بعمل صالح عظيم، بناء البيت الحرام، ومع ذلك ماذا قالا: «ربنا تقبل منا، ربنا تقبل منا». فهم يخشون أن لا يتقبل منهم. وهكذا حال الصالحين، فينبغي أن تعلم أن الشأن كل الشأن ليس أن تعمل، وما أقل العاملين، ولكن الشأن كل الشأن أن يقبل العمل، وهذا أعظم من الأول. قال: «وسل من ربك التوفيق فيها وأخلص في السؤال إذا سألت»؛ يعني في الأعمال الصالحة التي أنت مرتهن بها كما سمعنا، أنت تسأل الله عز وجل التوفيق في هذا العمل فتعمله، والتوفيق في قبول هذا العمل فيقبل منك. طيب، نكف عند هذا الحد ونكمل الباقي إن شاء الله بدرس لاحق لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.