الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تحذير المؤمنين من قسوة القلوب نتيجة الإبتعاد عن ذكر الله و القرآن، مثلما حدث لأهل الكتاب من قبل. يُبين أن الله يحيي الأرض بعد موتها كناية عن إمكانية إعادة الخشوع إلى القلوب.
ذكر الله والقرآن من أعظم الأسباب لجلب الخشوع، والإقبال عليهما يعين على تجديد الإيمان والخشوع. البعد عنهما يؤدي إلى الغفلة ونزع الخشوع، والبعد عن أهل الخير يزيد من الغفلة.
القرب المعنوي والحسي من الذكر والحق يحيي القلوب ويعين على الثبات على الخير. البعد عنهما يؤدي إلى الضلال والقسوة، كما حدث لأهل الكتاب الذين جمعوا بين البعد الحسي والمعنوي.
يتضمن دعاء لله تعالى أن يفقهنا في ديننا ويجعلنا هداة مهتدين، ويحمد الله ويصلي على نبيه محمد وآله وصحبه.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَلَمْ يَأْنِ يَحْنُ لِلَّذِينَ آمَنُوا. نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ لَمَّا أَكْثَرُوا الْمُزَاحَ. أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ بِالتَشْدِيدِ وَالتَخْفِيفِ مِنَ الْحَقِ الْقُرْآنِ. وَلِيَكُونُوا مُعَطُوفٌ عَلَى تَخْشَعْ. فَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِ هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ الزَّمَنُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِمْ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ لَمْ تَلِنْ لِذِكْرِ اللَّهِ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ. اعْلَمُوا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَذْكُورِينَ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالنَّبَاتِ. فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِقُلُوبِكُمْ يَرُدُّهَا إِلَى الْخُشُوعِ. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ الدَّالَةَ عَلَى قُدْرَتِنَا بِهَذَا وَغَيْرِهِ. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَاتِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَفِي سِيَاقِ ذِكْرِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذِكْرِ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ بِهِ قُوَّةُ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتُهُ بِصِفَةٍ مِنْ أَهَمِّ صِفَاتِهِ وَخَصْلَتَيْنِ مِنْ أَهَمِّ خِصَالِهِ، وَهِيَ الْخُشُوعُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوَّلِ مَا يُنْزَعُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَكَأَنَّهُ يُذَكِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى خِصَالِ الْإِيمَانِ وَأَنْ يَحْذَرُوا مِنْ ضَعْفِهَا أَيْ هَذِهِ الْخِصَالِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا الْخُشُوعُ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْنُ يَعْنِي مِنْ الْحِينِ. أَيْ لَمْ يَأْتِ حِينٌ حَانَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ يَكُونُ فِيهِ خُشُوعُ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ أَيْ مِنْ اللَّهِ. وَفِي هَذَا تَذْكِيرٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِأَنْ يُرَاجِعُوا أَنْفُسَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ وَخُشُوعَهُمْ. وَقَوْلُ الْمُفَسِّرِ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ لَمَّا أَكْثَرُوا الْمُزَاحَ، هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَأَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ هَذَا عِنْدَ ابْنِ نَبِيِّ شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ أَيْ فِي سَبَبِ النُّزُولِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِإِعْضَالِهِ. وَأَشَارَ إِلَى حَدِيثٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ. وَجَاءَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ خَارِجَ الصَّحِيحِ، وَفِيهِ أَنَّ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْ فِي حَدِيثِ مَسْعُودٍ وَمَا نَزَلَ قَبْلَهَا أَرْبَعَ سِنِينَ. وَفِي حَدِيثِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَنَةً. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّحْذِيرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ التَّقَادُمُ وَطُولُ الزَّمَنِ سَبَبًا فِي حُصُولِ الْقَسْوَةِ وَنَزْعِ الْخَشْيَةِ، فَيَحْذَرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ أَهْلَ الْكِتَابِ الْكَافِرِينَ. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: عَجِّلُوا بِمُرَاجَعَةِ أَنْفُسِكُمْ وَإِصْلَاحِ قُلُوبِكُمْ حَتَّى لَا يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَا نَزَلَ بِالتَجْرِيدِ وَالتَخْفِيفِ يَعْنِي قِرَاءَتَيْنِ سَبْعِيَّتَيْنِ كَمَا أَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ، كِلَاهُمَا قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ صَحِيحَةٌ. أَيْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ وَذِكْرُ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ بِالتَخْفِيفِ. وَمَا نَزَلَ وَزِيَادَةُ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى. أَيْ مَا نَزَلَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَتَتَابُعًا مُفَرَّقًا، فَيَكُونُ لِآحَادِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ وَالْعِلْمِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. لِأَنَّهُ قَالَ: لِذِكْرِ اللَّهِ. وَذِكْرُ اللَّهِ يَتَنَاوَلُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْاسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى مَاذَا؟ ذِكْرُ اللَّهِ. وَذِكْرُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالْعِلْمُ وَالْهُدَى. وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ هَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِ عَلَى الْعَامِّ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، كَمَا ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِلْخُشُوعِ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْقُرْآنِ خَاصَّةً. وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِقْبَالًا حَيًّا صَادِقًا إِلَّا وَجَلَبَ لَهُ الْقُرْآنُ الْخُشُوعَ. وَهَكَذَا ذِكْرُ اللَّهِ، الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى جَلْبِ الْخُشُوعِ. وَهَذَا أَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. يَعْنِي بَادِرُوا وَتَدَارَكُوا أَنْفُسَكُمْ أَلَّا يَطْرَأَ عَلَيْكُمُ الْغَفْلَةُ. تَطْرَأُ عَلَيْكُمُ الْغَفْلَةُ وَيَزُولُ مِنْكُمُ الْخُشُوعُ بِتَجْدِيدِ إِيمَانِكُمْ وَخُشُوعِكُمْ بِمَاذَا؟ بِالْإِقْبَالِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ. وَالتَّفْسِيرُ الْآخَرُ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ حَقًّا الْبُعْدُ وَوَقَعَتْ مِنْهُ الْغَفْلَةُ، أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَيُبَادِرُ بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَعَلَى الْقُرْآنِ. كَأَنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ التَّقْصِيرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُبَادِرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ. وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ الِاسْتِقَامَةِ، وَنَزَلَ لِيَسْلُقَ بَيْتًا، فَسَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْ الْمُصَلِّيَ يُصَلِّي فِي السَّحَرِ وَيَقْرَأُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، فَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى بَكَى وَخَرَّ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. أَثَّرَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ كَأَنَّ الْآيَةَ تَقُولُ لَهُ: إِلَى مَتَى وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الْغَفْلَةِ؟ وَأَنْتَ فِي هَذَا الْبُعْدِ؟ وَأَنْتَ فِي هَذَا السُّقُوطِ فِي الْمَعَاصِي؟ فَجَاءَتْ كَالصَّاعِقَةِ عَلَى قَلْبِهِ، وَكَالسِّيَاطِ الْحَارَةِ الْقَوِيَةِ عَلَى قَلْبِهِ، فَأَثَّرَتْ فِيهِ حَتَّى رَجَعَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَنْ عَدَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلِمِمَّنْ وُفِّقَهُمُ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ. فَهَذَانِ تَفْسِيرَانِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾، قَالَ: مُعْطُوفٌ عَلَى تَخْشَعْ. ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. أَيْ لَا تَكُونُوا مِثْلَهُمْ. ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ طَالَ الزَّمَنُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ الْبُعْدَ عَنْ نُزُولِ الْحَقِّ وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِسًّا وَمَعْنًى مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الْغَفْلَةِ وَنَزْعِ الْخُشُوعِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». فِي رِوَايَةٍ: كَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَرَّرَهَا ثَلَاثًا. قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا مُؤَذِّنٌ بِأَنَّ أَفْضَلَ الْقُرُونِ أَقْرَبُهَا مِنْ وَحْيِ النُّبُوَّةِ، وَشَرَّهَا آخِرُهَا. وَلِهَذَا لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ وَحْيِ النُّبُوَّةِ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبُعْدِ الْحِسِّيِّ الزَّمَانِيِّ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ الْبُعْدُ الْمَكَانِيُّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا». يَعْنِي آثَارَ الْإِيمَانِ الْحِسِّيَّةَ فِي مَوَاضِعِ نُزُولِ الْوَحْيِ، سَبَبٌ فِي الْحِفَاظِ عَلَى مَنْ فِيهَا أَنْ يَبْقَى عَلَى الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ. وَلِذَلِكَ كَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الْوَحْيِ. فَتَبْقَى هَذِهِ الْبِقَاعُ الْمَكَانِيَّةُ لِقُرْبِهَا مِنْ وَحْيِ النُّبُوَّةِ وَمَهْبَطِ الرِّسَالَةِ. وَفِيهِ أَنَّهُ كُلَّمَا بَعُدَ الْمَكَانُ، كُلَّمَا زَادَتْ مَاذَا؟ الْغَفْلَةُ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ الْبُعْدُ عَنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، كُلَّمَا ابْتَعَدَ الْإِنْسَانُ حِسًّا عَنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الْغَفْلَةِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». وَكَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ». الْجَلِيسُ الصَّالِحُ عِنْدَهُ مِنْ الذِّكْرِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ مَا لَا يَخْفَى، فَيُعِينُ مَنْ مَعَهُ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى الْخَيْرِ. وَهَكَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. الرُّكُونُ إِلَى الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ وَالْفَاجِرِينَ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَاذَا؟ الْغَفْلَةِ كَغَفْلَتِهِمْ وَالْبُعْدِ كَبُعْدِهِمْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّبَهِ. وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُسَاكَنَةِ الْمُشْرِكِينَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُسْلِمَ وَالْمُشْرِكَ لَا تَتَرَاءَى نَارُهُمَا». «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ يَعِيشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُشْرِكِينَ». وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ بِمَجْمُوعِهَا تَجِدْ هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمَ الْبَدِيعَ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْبَ الْحِسِّيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ مِنْ الذِّكْرِ وَالْحَقِّ سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ عَلَى الْخَيْرِ، وَالْبُعْدَ سَبَبٌ لِفَقْدَانِ هَذَا الْخَيْرِ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ جَمَعُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، جَمَعُوا بَيْنَ الْبُعْدِ الْحِسِّيِّ وَالْبُعْدِ الْمَعْنَوِيِّ. الْبُعْدُ الْحِسِّيُّ تَبَاعَدُوا بِزَمَانِهِمْ، فَكُلَّمَا تَبَاعَدَ الزَّمَنُ تَبَاعَدَ النَّاسُ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ الْخَيْرِ وَالْهُدَى الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ. وَلِهَذَا كَانَ رَبُّنَا الْعَظِيمُ الرَّحِيمُ الْكَرِيمُ يُرْسِلُ الرُّسُلَ مَاذَا؟ تَتْرَا. يَعْنِي لَا يَتْرُكُ أُمَّةً دُونَ رَسُولٍ. كُلَّمَا هَلَكَ رَسُولٌ أَتْبَعَهُ بِمَاذَا؟ بِرَسُولٍ آخَرَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا مَاتَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ آخَرُ». وَلَمَّا طَالَ الْعَهْدُ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَثُرَ الْبُعْدُ وَالضَّلَالُ، وَكَذَلِكَ الْقَسْوَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ الْبُعْدُ الْمَعْنَوِيُّ، الْبُعْدُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ مِنَ الرَّحْمَنِ، كَانَ سَبَبًا كَذَلِكَ آخَرَ فِي حُصُولِ الْقَسْوَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَأَهْلُ الْكِتَابِ جَمَعُوا بَيْنَ الْبُعْدَيْنِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، فَلِذَلِكَ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ. فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلِهَذَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي خَتَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الْأَدْيَانَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِمْ قَلِيلًا لَيْسُوا بِأَهْلِ فُسُوقٍ. وَمِنَ الْقَلِيلِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَغَيْرِهَا، مِنْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ إِذَا سَمِعَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَإِلَى الْقُرْآنِ، مَنْ تَدْمَعُ عَيْنُهُ وَيَخْشَعُ قَلْبُهُ. وَهَؤُلَاءِ مِنْ الْقَلِيلِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَلِيلَ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعْنَى الْقُرْبِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ حَالُهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ. بَلْ مِنْهُمْ مَنْ بَحَثَ عَنْهُ، كَمَا وَقَعَ لِسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْضَاهُ. وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الْآيَاتِ. قَالَ: خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَذْكُورِينَ. وَمَا مِنْأَسَةُ هَذَا الْخِطَابِ؟ مِنْأَسَتُهُ أَنَّ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي يُغَيِّرُ حَالَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا حَيَاةً قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ إِلَى مَاذَا؟ إِلَى حَيَّةٍ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ قَلْبَهُ فَلْيُقْبِلْ عَلَى اللَّهِ. فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ أَسْبَابًا لِلْحَيَاةِ الْحِسِّيَّةِ، فَكَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا حِسًّا، فَهُوَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ مَعْنًى. فَكَمَا أَحْيَا الْأَرْضَ بِالْمَاءِ وَالْغِذَاءِ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِالنَّبَاتِ. فَكَذَلِكَ بِفِعْلٍ يَفْعَلُ بِقُلُوبِكُمْ يَرُدُّهَا إِلَى الْخُشُوعِ. يَعْنِي: اقْبَلُوا عَلَى اللَّهِ تَجِدُونَ حَيَاةَ قُلُوبِكُمْ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قَالَ أَيْ مُفَسِّرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدَّالَةَ عَلَى قُدْرَتِنَا بِهَذَا وَغَيْرِهِ. وَهَذِهِ آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْآيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَلِهَذَا خُتِمَتْ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. فَمَنْ يَعْقِلُ يَعْتَبِرْ بِالْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ عَلَى الْآيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُفَقِّهَنَا بِمُورِ شَرْعِنَا وَدِينِنَا، وَيَجْعَلَنَا هُدَاةً الْمُهْتَدِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.